لابد بداية من التأكيد على أن هذه الورقة ليست مشروع دراسة نقدية أو تحليلية أو مقارنة، كما أنها تتحدث “على العموم” وليس من باب “التعميم”.
لا حاجة للتذكير بأن الوهابية -كنمط “تدين”- نجحت في الانتشار فقط بفضل الموارد المالية التي تم تسخيرها لخدمة “مذهب” لا يملك أصلا مقومات الحياة والاستمرار، لأنه يقوم على توسيع دائرة “الشبهات” -حتى لا نقول المحرمات- عكس القاعدة الفقهية المعروفة “الأصل في الأشياء الإباحة”، وهو ما جعله يطلق أحكام التبديع والتكفير في جميع الاتجاهات.
غير أن أحداث 11 شتنبر جعلت العالم يستشعر أن نمط التدين الوهابي أصيح خطرا على العالم، رغم أن أغلب ضحاياه من المسلمين السنة أصلا، خاصة بعدما انتهت الحاجة إليه (مواجهة الغزو الروسي لأفغانستان).
وللتذكير فالعباءة الوهابية خرجت منها “سلفيات” متنوعة، أهمهما تياران:
تيار “جهادي” شعاره: “أقتل أولا، ثم ابحث عن مبرر لاحقا”؛
وتيار “علمي” شعاره: “معاداة الحرية بكل تجلياتها”.
وإذا كان التيار الأول قد تعرض لضربات موجعة في كل أماكن تواجده، خاصة بعد اصطياد رموزه التاريخية، فإن التيار الثاني تخصص حاليا -ودائما في إطار محاربته للحري والديموقراطية- إلى منصة لتبرير الديكتاتورية وأنماط الحكم الشمولي، ودعم الانقلابات على التجارب الديموقراطية الناشئة عقب “الربيع العربي”، وذلك عبر تحريم مجرد الاحتجاج على “الحاكم” الذي يمنحه الوهابيون صلاحيات وصفات إلهية، بل إن علماءهم مستعدون لفعل أي شيء لإرضائه، حتى لو ضرب ظهورهم وأخذ أموالهم.
إن النتيجة هنا هي أن “الوهابية” انحسرت بشكل كبير، حتى في مركزها الذي انطلقت منه، حيث بدا واضحا من موجات “التحرر” التي تعرفها السعودية حاليا، أن الكبت وكتم الأنفاس أديا إلى نتيجة عكسية، تؤكدها الأمواج البشرية التي تحضر مهرجانات الغناء والرقص “المختلطة”.. في بلد يحرم “علماؤه” سياقة المرأة للسيارة.. ويرفضون الاعتراف بأن الأرض كروة أو أنها تدور..
ومقابل هذا الانحسار الواضح، نسجل بالمقابل طفرة كبيرة لـ”الطرقية”.
بطبيعة الحال، لا نقصد هنا التصوف التقليدي بمدارسه المختلفة، الذي ظل يسجل حضوره على مدى قرون، حتى بالنسبة لبعض المظاهر “الفانطازية” فيه، بل نقصد نمطا جديدا، يبدو من متابعته، أنه “منتوج” صنع في “غرف مظلمة”.
ما يدفعنا لتقرير هذه النتيجة، هو تواتر ظهور شيوخ طرق مثيرين للسخرية، لأنهم أقرب إلى المهرجين منهم إلى أي شيء آخر.
فهذه العينة التي ظهرت فجأة وفي أكثر من مكان بالعالم العربي، تلتقي كلها في الجهل بأبسط مبادئ الدين، مع ترديد كلام غير مفهوم يمكن أن يدخل ضمن جنس “الهلوسة”.
إن أسلوب اشتغال هذه “الكائنات” يؤكد أنها تكرع من نفس “المجرى”، وأن مسالك “طرقها” اختطت من نفس “المحبرة”.
ولا يخفى أن الدور الذي يلعبه هؤلاء المخمورون بشهوة الشهرة والمال والجاه وأضواء الإعلام، لا يتجاوز تشويه الإسلام وتقديمه في صورة كاريكاتورية متخلفة.
لكن الغريب هنا أن تجد ضمن اتباع هؤلاء اشخاص “متعلمون”، ولو أن التعليم لا يعني “الوعي” بالضرورة، خاصة بعد الحضيض الذي انحدرت إليه المؤسسات الجامعية في المنطقة.
فكيف غاب عن هؤلاء أن أساس الإسلام الذي قام عليه وجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو العلاقة المباشرة بين الخالق والمخلوق وغياب الواسطة؟
إن من يتابع شطحات هؤلاء، والتغطية الواسعة التي يحظون بها، والهالة التي تتم إحاطتهم بها رغم أن الجهل يحيط بهم من كل جانب، لا يمكن إلا أن يقتنع بأنه أمام “أمر دبر بليل”، وأن هذه العاهات سيتم مستقبل تقديمها كنماذج نقيضة لتلك التي كانت الوهابية تقدم الإسلام من خلالها.
الفرق الوحيد، هو أن “المهرجين الطرقيين” لا يدعون إلى سفك دماء المخالفين بشكل يربط الإسلام “أوتوماتيكيا” بالإرهاب، بل إنهم يعلمون على تقديم هذا الدين كما لو كان مجرد وصلة في حفلة “سيرك”.
السؤال: هل نقول إن الذين حركوا خيوط الوهابية على مدى عقود، هم الذي يحركون اليوم “كراكيز” الطرقية، بما ان الغاية واحدة مهما تنوعت الأساليب؟؟






تعليقات الزوار ( 0 )