جددت دول مجلس التعاون الخليجي تأكيد دعمها الثابت لمغربية الصحراء، وذلك خلال أشغال الاجتماع الوزاري المشترك الثامن مع المغرب، الذي انعقد عبر تقنية التناظر المرئي بمشاركة وزراء خارجية الدول الأعضاء، كما توج الاجتماع بإعلان استضافة المملكة للدورة التاسعة المقبلة من هذا اللقاء الوزاري، في خطوة تعكس متانة العلاقات الاستراتيجية بين الرباط والعواصم الخليجية، وتؤكد استمرار التنسيق السياسي والدبلوماسي بين الجانبين في مختلف القضايا الإقليمية.
وجاء هذا التطور في سياق إقليمي يتسم بتعقيدات متزايدة، خاصة في ظل التصعيد المرتبط بالتوترات في منطقة الخليج، وتزايد التحديات الأمنية والجيوسياسية في محيط العالم العربي، ما يثير تساؤلات حول إن كان سيعكس تجديد الدعم الخليجي لمغربية الصحراء تحولا أعمق في موازين التحالفات داخل الفضاء العربي، وعن دور احتضان المغرب للاجتماع المقبل في تعزيز موقعه كشريك استراتيجي في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
-دعم ثابت
يرى العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة، أن المواقف التي عبرت عنها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال الاجتماع الوزاري المشترك الأخير مع المغرب تعكس طبيعة العلاقات المتينة التي تربط الطرفين منذ عقود، والتي تقوم أساسا على التضامن السياسي والتنسيق الاستراتيجي في القضايا الكبرى التي تهم العالم العربي.
وأكد الوردي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن تجديد هذا التكتل الإقليمي دعمه الصريح لسيادة المغرب ووحدته الترابية يمثل امتدادًا لموقف ثابت لم يتغير عبر السنوات.
وأشار إلى أن هذا الدعم الخليجي لا يمكن قراءته فقط في سياق دبلوماسي تقليدي، بل يجب فهمه في إطار التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة العربية، حيث أصبح التنسيق بين الرباط والعواصم الخليجية يشكل أحد محاور الاستقرار الإقليمي.
وأضاف المدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة، أن دول الخليج تنظر إلى المغرب باعتباره شريكا موثوقا يتمتع بثقل سياسي وتاريخي داخل الفضاء العربي والإسلامي.
وأبرز أن تأكيد الدول الخليجية دعمها لمغربية الصحراء يعكس إدراكا متزايدا لأهمية الاستقرار الإقليمي وللدور الذي يلعبه المغرب في الدفاع عن القضايا العربية في المحافل الدولية.
والموقف الخليجي بحسب الوردي، ليس مجرد إعلان تضامني ظرفي، بل هو جزء من رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز التماسك العربي في مواجهة التحديات المشتركة.
وأشار إلى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل السياسي للنزاع الإقليمي حول الصحراء تؤكد أن هناك تقاطعا واضحا بين الموقف الخليجي والرؤية التي يدافع عنها المغرب داخل المنتظم الدولي، وهو ما يعزز موقع الرباط دبلوماسيا ويمنحها دعمًا سياسيا مهما داخل العالم العربي.
-رسائل سياسية
يؤكد الوردي أن اختيار المغرب لاحتضان الدورة المقبلة للاجتماع الوزاري المشترك مع مجلس التعاون الخليجي يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز الطابع البروتوكولي لهذه الاجتماعات، فاستضافة الرباط لهذا اللقاء تعكس مستوى الثقة الذي تحظى به المملكة لدى الدول الخليجية، كما تعكس في الوقت ذاته رغبة مشتركة في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين.
ويرى أن هذه الخطوة تحمل أيضا رسائل واضحة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين، مفادها أن العلاقات بين المغرب ودول الخليج ليست مجرد علاقات دبلوماسية عادية، بل هي علاقات مبنية على أسس استراتيجية تتعلق بالأمن والاستقرار والتنمية المشتركة، مبرزا أن المغرب أصبح اليوم فاعلا مهما في التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الدولي.
وفي هذا الإطار، يشير إلى أن السياسة الخارجية المغربية، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، قامت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز شبكة التحالفات الاستراتيجية مع مختلف الشركاء، سواء في العالم العربي أو في القارة الإفريقية أو على المستوى الدولي، وهذا ما يفسر حسب رأيه، المكانة الخاصة التي أصبح يحتلها المغرب داخل العديد من التكتلات الإقليمية.
وأردف أن استضافة المغرب لهذا الاجتماع تعكس أيضا اعترافا خليجيا بالدور الذي تلعبه الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن الاستقرار الإقليمي، فالرباط تبنت دائما مواقف واضحة ضد التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول، وضد أي ممارسات يمكن أن تهدد الأمن الجماعي في المنطقة.
-توازنات إقليمية
يربط الوردي هذا التقارب المتواصل بين المغرب ودول الخليج بالسياق الجيوسياسي الذي تعرفه المنطقة، خاصة في ظل التوترات المتزايدة المرتبطة بالدور الإقليمي لإيران، فالمواقف التي عبرت عنها الدول الخليجية خلال الاجتماع الأخير تعكس في نظره، نوعا من التنسيق السياسي في مواجهة ما تعتبره هذه الدول تهديدات لأمنها واستقرارها.
ولفت إلى أن المغرب بدوره تبنى مواقف واضحة في دعم أمن واستقرار دول الخليج، وهو ما يعكس طبيعة التضامن العربي الذي تسعى الرباط إلى ترسيخه في سياستها الخارجية، فالعلاقات بين المغرب ودول الخليج لا تقوم فقط على المصالح الاقتصادية أو السياسية، بل تستند أيضا إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة.
وأكد على أن الخطاب السياسي المغربي ظل دائما يدعو إلى احترام مبادئ القانون الدولي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو الموقف الذي يتقاطع مع رؤية العديد من الدول الخليجية التي تواجه تحديات أمنية مرتبطة بالصراعات الإقليمية، ولذلك فإن التنسيق بين الطرفين يشكل أحد عناصر التوازن في المنطقة.
واستطرد أن هذا التقارب يعكس أيضا رغبة مشتركة في تعزيز العمل العربي المشترك في مواجهة التحولات المتسارعة في النظام الدولي، فالمغرب الذي يربط بين عمقه العربي وامتداده الإفريقي، يمكن أن يلعب دورا محوريا في بناء جسور التعاون بين مختلف الفضاءات الجيوسياسية التي ينتمي إليها.
-آفاق التعاون
يشدد الوردي على أن العلاقات بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي مرشحة لمزيد من التطور خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التقارب السياسي الكبير بين الطرفين، فإلى جانب التنسيق الدبلوماسي، هناك أيضا فرص واسعة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري في مجالات متعددة.
وأشار في هذا السياق إلى أن العديد من الدول الخليجية تعتبر المغرب بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، في حين يرى المغرب في دول الخليج شريكا مهمًا في دعم المشاريع التنموية والاستثمارية الكبرى، وهذا التلاقي في المصالح الاقتصادية يعزز البعد الاستراتيجي للعلاقات بين الجانبين.
وأبرز أن التعاون بين المغرب ودول الخليج لا يقتصر على المجالات الاقتصادية أو السياسية فقط، بل يشمل أيضا مجالات الأمن والدفاع ومكافحة الإرهاب، وهي قضايا أصبحت تحظى بأهمية متزايدة في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة العربية.
وشدد على أن العلاقات المغربية الخليجية تمثل نموذجا للتضامن العربي القائم على الثقة والتنسيق الاستراتيجي، حيث أثبتت هذه العلاقات قدرتها على الصمود في مختلف الظروف، سواء في الأوقات العادية أو في لحظات الأزمات، وهو ما يعكس متانة الروابط التي تجمع بين الرباط والعواصم الخليجية ويؤكد أن الشراكة بين الطرفين مرشحة لمزيد من التعزيز في المستقبل.



تعليقات الزوار ( 0 )