كشف تقرير تحليلي مطول أنجزته المجلة الإسبانية المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية “أتالايار” عن بروز المغرب كأحد أبرز الفاعلين داخل الترتيبات الدولية الجديدة الرامية إلى تثبيت الاستقرار في قطاع غزة، في سياق مبادرة دولية تقودها الولايات المتحدة تجمع بين الأمن وإعادة الإعمار والمسار السياسي للسلام.
ويضع التقرير المملكة في موقع متقدم داخل ما يعرف بـ“مجلس السلام”، وهو الإطار الدولي الذي جرى إطلاقه خلال اجتماع رفيع المستوى بواشنطن في فبراير 2026، بهدف إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة عبر مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الأمنية والإنسانية والمؤسساتية.

وبحسب التقرير، لا تقتصر مساهمة المغرب على الدعم الدبلوماسي أو الإنساني، بل تمتد إلى أدوار عملياتية محتملة داخل القوة الدولية المرتقبة لتحقيق الاستقرار، وهي قوة ينتظر أن تتولى مهام حساسة تشمل التنسيق الأمني، وتدريب الأجهزة الشرطية، والمساهمة في إعادة بناء المؤسسات المحلية.
وقد أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، خلال الاجتماع الافتتاحي، أن المشاركة المغربية تأتي بتعليمات مباشرة من الملك محمد السادس، الذي يدعم الجهود الدولية لإعادة إعمار غزة وإطلاق مسار حقيقي للسلام في الشرق الأوسط، ما يعكس، وفق التقرير، قرارا استراتيجيا للدولة وليس مجرد تحرك دبلوماسي ظرفي.
ويرى تحليل “أتالايار” أن خصوصية الدور المغربي تنبع من قدرته على الربط بين ثلاثة مراكز نفوذ رئيسية في الملف: الولايات المتحدة، وإسرائيل، والعالم العربي، دون أن يفقد موقعه السياسي الداعم للقضية الفلسطينية.
فالمغرب، وفق التقرير، يُعد الدولة العربية الوحيدة التي تجمع بين ثلاث ميزات أساسية: علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل منذ اتفاق التطبيع سنة 2020، شراكة استراتيجية متقدمة مع واشنطن، وخبرة عسكرية في مهام دولية متعددة تحت مظلة التعاون الدولي. هذه المعادلة تقلّص كلفة التنسيق داخل أي قوة أمنية تعمل في بيئة حساسة مثل غزة.
ويشير التقرير إلى أن التصميم العام لمجلس السلام يرتكز على قيادة أمريكية مباشرة، حيث تقود واشنطن الإطار السياسي والأمني لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، بينما تتوزع الأدوار بين التمويل الخليجي والمساهمات العسكرية الآسيوية وخبرات التدريب الإقليمية.
وفي هذا السياق، ينظر إلى المغرب كشريك يتمتع بقدرة عالية على “التشغيل البيني” مع القوات الأمريكية، نتيجة سنوات من التعاون العسكري والتدريبات المشتركة وتبادل الخبرات الأمنية، وهو عامل اعتبره التقرير حاسماً في اختيار الشركاء المحتملين داخل القوة الدولية المرتقبة.
المقاربة المغربية داخل المبادرة لا تقتصر على البعد الأمني فقط، إذ أعلن بوريطة أن المملكة ستدعم جهود الاستقرار في مجالات الأمن والصحة وتعزيز قيم التسامح والتعايش، مستندة إلى دور المغرب التاريخي كرئيس للجنة القدس وموقعه التقليدي كوسيط معتدل في قضايا الشرق الأوسط.
ويبرز التقرير أن إدراج الأمن ضمن مجالات التدخل المغربي يضع الرباط عمليا في صلب المرحلة الانتقالية، حيث تتطلب إعادة الاستقرار إدارة دقيقة للتوازنات الميدانية في ظل استمرار الدور العسكري الإسرائيلي والتحكم في المعابر.
ويربط التقرير أيضا بين الحضور المغربي في ملف غزة والتقارب الاستراتيجي المتزايد بين الرباط وواشنطن، خاصة بعد الدعم الأمريكي لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، معتبرا أن المشاركة المغربية في ترتيبات الأمن الإقليمي تعزز موقع المملكة كشريك موثوق في الملفات الحساسة ضمن الأجندة الدولية.
كما يمنح هذا الدور المغرب بعدا إضافيا على مستوى صورته الدولية، خصوصا مع اقتراب تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، حيث تعد قضايا الاستقرار الإقليمي والتعاون الأمني عناصر أساسية في تعزيز مكانة الدول المستضيفة للأحداث العالمية الكبرى.

ورغم مركزية الدور المغربي، يشير التقرير إلى أن المشروع الدولي يعتمد على مساهمات متنوعة، تشمل تمويلا خليجيا كبيرا، ومشاركة آسيوية محتملة بقوات عسكرية، إضافة إلى دور مصر والأردن في تدريب الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
غير أن التحليل يخلص إلى أن المغرب يحتل موقعا وسيطا فريدا داخل هذه المعادلة، إذ لا يعد أكبر ممول ولا صاحب أكبر قوة عسكرية، لكنه يشكل حلقة الربط السياسية والأمنية بين الأطراف المتباينة، وهو ما يمنحه وزنا نوعيا في مرحلة تثبيت الاستقرار
ويعكس هذا التطور، وفق التقرير، انتقال الدبلوماسية المغربية من أدوار الوساطة التقليدية إلى المشاركة المباشرة في هندسة حلول الأمن الإقليمي، في سياق دولي يبحث عن شركاء قادرين على الجمع بين الشرعية السياسية والقدرة العملياتية.




تعليقات الزوار ( 0 )