في ظل عالم مليء بالتحديات الجيوسياسية والمناخية، يبرز المغرب كنموذج ناجح للاقتصادات الناشئة التي تحول الصعوبات إلى فرص. أحدث تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي نشرت في ماي الجاري 2026، تُجسد هذه الرواية الإيجابية بوضوح.
التقارير تشيد بمرونة الاقتصاد المغربي وقدرته على الصمود أمام الجفاف المتكرر والاضطرابات العالمية، مع تسارع النمو الاقتصادي وتقدم الإصلاحات الهيكلية. ومع ذلك، لا تتجاهل التقارير الاختلالات الهيكلية – خاصة في سوق الشغل والإنتاجية – بل تحولها إلى فرص استراتيجية لتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة، خاصة مع الاستعداد لكأس العالم 2030 وانطلاقة الطاقة الخضراء.
النمو الاقتصادي القوي والمرونة الاستثنائية: إنجازات تُسجل في التاريخ
يصف صندوق النقد الدولي الاقتصاد المغربي بأنه مرن وقوي، حيث تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.8% خلال الربع الأول إلى الثالث من 2025، مدعوماً بانتعاش الإنتاج الزراعي والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية. يتوقع التقرير استمرار هذا الزخم بمعدل 4.4% في 2026 و4.5% في 2027، مع متوسط 4% على المدى المتوسط. هذا النمو يفوق التوقعات السابقة ويعكس نجاح السياسات الاقتصادية في تعويض تأثير الجفاف من خلال الطلب الداخلي القوي والمشاريع الكبرى.
أما التضخم، فيبقى منخفضاً جداً عند 0.8% في 2025، مما سمح لبنك المغرب بالحفاظ على سياسة نقدية محايدة وداعمة للنمو. العجز المالي استقر عند 3.5% من الناتج المحلي في 2025 (أفضل من المتوقع)، والدين العام ينخفض تدريجياً نحو 60.5% بحلول 2031. الحساب الجاري اتسع قليلاً إلى 2.1% بسبب الواردات الاستثمارية، لكنه مدعوم بإيرادات قوية من السياحة والتحويلات. الاحتياطيات الأجنبية تبقى كافية تماماً، مما يعزز الثقة الدولية في الاقتصاد المغربي.
البنك الدولي يضيف طبقة إيجابية أخرى: النمو غير الزراعي بلغ 3.8% في 2024 رغم الجفاف، مدفوعاً بالصناعة والاستثمار الإجمالي. التقرير يشيد بالنموذج التنموي الجديد الذي يترجم إلى إصلاحات ملموسة في الحماية الاجتماعية وحوكمة المؤسسات العمومية والبيئة الأعمال.
البنية التحتية الضخمة: محرك رئيسي لعائدات اقتصادية قوية ومستدامة
أبرز ما يلفت النظر في تقارير 2026 هو التركيز على برنامج تسريع الاستثمار العمومي في البنية التحتية (2024-2030)، الذي يبلغ 11.9% من الناتج المحلي لعام 2024 (حوالي 190 مليار درهم). يشمل توسيع السكك الحديدية، المطارات، الطرق، الملاعب، والبنية السياحية والحضرية – كلها مرتبطة بكأس العالم 2030.
صندوق النقد الدولي يقدم نمذجة اقتصادية دقيقة تؤكد أن هذه الاستثمارات سترفع الناتج المحلي الحقيقي بنحو 2% بحلول 2030 و3% على المدى الطويل، مع مساهمة كبيرة في الإنتاجية الكلية للعوامل. تحسينات البنية التحتية ساهمت بالفعل بنحو 20% من نمو الإنتاجية منذ 2005. التقرير يؤكد أن الكفاءة في التنفيذ هي المفتاح: زيادة الكفاءة بنسبة 20% ترفع العائد إلى 3.5-4% دون زيادة الدين. هذه العائدات القوية تجعل البنية التحتية ليست مجرد إنفاق عام، بل استثمار استراتيجي يولد نمواً مستداماً ويفتح أبواب الاستثمار الخاص في قطاعات واعدة مثل الطاقة الشمسية اللامركزية والنسيج منخفض الكربون والاستزراع البحري، مما يجذب مليارات الدولارات ويخلق عشرات الآلاف من الوظائف.
البنك الدولي يرى في هذه المشاريع ذيلاً إيجابياً يعزز الزخم، ويؤكد أنها تمثل فرصة تاريخية لرفع الإنتاجية وتحقيق عائدات اقتصادية قوية إذا تم تنفيذها بكفاءة عالية.
انتقادات سوق الشغل والبطالة: تحدٍ هيكلي يتطلب إصلاحات عاجلة لتحقيق تنمية شاملة
رغم الإشادة بالنمو القوي، توجه التقارير انتقادات بنّاءة وصريحة إلى سوق الشغل ومعدلات البطالة، معتبرة إياها التحدي الأكبر الذي يحول دون ترجمة النمو الاقتصادي إلى رفاهية اجتماعية واسعة. تشير التقارير إلى أن البطالة تبقى مرتفعة عند 13% في 2025 (بانخفاض طفيف من 13.3% في 2024)، مع بطالة الشباب الشديدة ومعدلات NEET (الشباب غير العاملين ولا يدرسون ولا يتدربون) قريبة من 25%. كما أن النمو أنتج في المتوسط 215 ألف وظيفة أقل سنوياً مما يلزم للحفاظ على استقرار معدل التوظيف خلال الفترة 2000-2024، وارتفع هذا العجز إلى 370 ألف وظيفة سنوياً بين 2020-2024.
يُبرز التقريران انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل إلى 19% فقط (رغم ارتفاع مستويات التعليم)، والخسائر الكبيرة في الوظائف الريفية بسبب الجفاف والتحول الهيكلي في الزراعة. كذلك، يشكل الاقتصاد غير الرسمي نحو 69% من العمالة، مع وجود عدم تطابق واضح بين المهارات والاحتياجات السوقية. ومع ذلك، تؤكد التقارير أن هذه الاختلالات ليست عقبة نهائية، بل فرصة ذهبية لإصلاحات هيكلية عميقة يمكن أن تخلق 1.7 مليون وظيفة إضافية بحلول 2035 وترفع الناتج المحلي بنحو 20% فوق الخط الأساسي.
الجانب البنّاء: الانتقادات والاختلالات كفرص للإصلاح
بالإضافة إلى سوق الشغل، تنتقد التقارير نموذج الاستثمار العام الثقيل الذي يشكل نصف إلى ثلثي الاستثمار الإجمالي، مما يؤدي إلى ازدحام القطاع الخاص وضعف الإنتاجية. كما تشير إلى ضعف المنافسة في أكثر من 25% من القطاعات، والتأثير المناخي الذي يفاقم الاختلالات الريفية. هذه الانتقادات ليست سلبية؛ بل هي دعوة لتسريع الإصلاحات.
الطريق إلى الأمام: إصلاحات تحول الرؤية إلى واقع
التقارير تتفق على أن المغرب يملك كل المقومات للانتقال من نمو مستقر إلى نمو تحولي. التوصيات تركز على أسواق عمل أكثر شمولاً (شباب ونساء)، تعزيز المنافسة وفتح الاستثمار الخاص، استثمار عمومي أكثر تأثيراً وكفاءة، وقطاعات خضراء وتصديرية. البنك الدولي وافق بالفعل على قرض 500 مليون دولار في أبريل 2026 لدعم خارطة طريق الوظائف والنمو الأخضر.
المغرب.. قصة نجاح مستمرة تتحدى النقائص
تقارير 2026 ليست مجرد وثائق فنية؛ هي شهادة دولية على أن المغرب يبني اقتصاداً حديثاً وشاملاً. النمو القوي، البنية التحتية الضخمة، والإصلاحات الجريئة تضع المملكة على مسار واعد. والتحديات المرصودة – خاصة في الشغل والإنتاجية – ليست عقبات، بل محركات لإصلاحات أعمق ستطلق العنان لإمكانيات هائلة. مع كأس العالم 2030 والطاقة الخضراء، يبدو المستقبل أكثر إشراقاً من أي وقت مضى. المغرب ليس فقط صامداً.. بل هو صاعد نحو الريادة الإقليمية والعالمية.


تعليقات الزوار ( 0 )