في قراءة نقدية للمستجدات التشريعية الأوروبية، سلط حسن بنطالب، الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، الضوء على “الميثاق الأوروبي الجديد بشأن الهجرة واللجوء” وإعادة صياغة “مدونة حدود شنغن”.
وهذه الدراسة، التي نشرتها منصة “ميغرابريس” (Migrapress) الرقمية، المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة بالمغرب، -التي توصلت جريدة “شعاع” بنسخة منها-، تتجاوز القراءة التقنية للنصوص لتكشف عن بنية سياسية وأمنية تكرس منطق “الارتياب” وتجريم المهاجرين، وخاصة المنحدرين من دول القارة الإفريقية.
ويبرز بنطالب أن أوروبا بصدد هندسة جديدة للهجرة تسعى لترسيخ ما يسمى بـ”خيال عدم الدخول”، حيث يعتبر المهاجر المتواجد فعليًا على الحدود كأنه لم يدخل قانونيًا، مما يشرعن سلب حريته وإخضاعه لآليات فرز بيومترية معقدة.
-تجريم الهجرة
يرى حسن بنطالب أن الميثاق الأوروبي الجديد والمراجعات القانونية المرتبطة به تكرس تصورًا نمطيًا يربط المهاجر بالخطر الأمني أو التهديد الوبائي أو الإرهابي.
وأضاف أن هذا المنطق الارتيابي يستخدم سياسيًا لتبرير منع الوصول إلى التراب الأوروبي وتكثيف عمليات الإبعاد القسري، ضارباً بعرض الحائط مقتضيات حق اللجوء واتفاقية جنيف لسنة 1951.
ولفت إلى أن المهاجرين؛ وغالبيتهم من الأفارقة، يصبحون أهدافًا لمراقبة دائمة واحتجاز منهجي ومعاملات تمييزية على كافة مستويات الحدود الخارجية والداخلية للاتحاد.
وأبرز الباحث أن إصلاح مدونة “شنغن” يسهل اليوم إعادة العمل بالمراقبة الدائمة على الحدود الداخلية، وهو إجراء يستهدف بشكل أساسي الأشخاص “المعنصرين” وغير الأوروبيين.
وأردف أن الآليات الجديدة تسمح بعمليات “إرجاع” مبسطة بين الدول الأعضاء دون ضمانات إجرائية قوية، مما يكرس نهاية فعلية لحرية التنقل للأجانب، لاسيما المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء.
وهذا التوجه وفق الباحث يحول الفضاء الأوروبي إلى منطقة فرز أمني تعتمد على العرق واللون كمعايير غير معلنة للرقابة، موضحًا أنه سيتم استغلال محاربة “المهربين” كذريعة لتمرير إجراءات قمعية تطال المهاجرين أنفسهم، وتؤدي إلى تصاعد المتابعات القضائية ضد المتطوعين والمدافعين عن حقوق الإنسان وفرق الإنقاذ في عرض البحر.
وأشار إلى أن هذا الحصن الأوروبي لا يكتفي ببناء الجدران المادية، بل يشيد “جدران قانونية” تجرم التضامن الإنساني وتشرعن العنف المؤسساتي ضد الفئات الأكثر هشاشة.
-الفرز البيومتري الإجباري
يفرض نظام “التصفية” الجديد مراقبة مسبقة على الحدود قد تصل مدتها إلى 7 أيام، تشمل فحوصات صحية وأمنية دقيقة تعتمد على جمع البيانات البيومترية وربطها بقواعد بيانات متعددة مثل (Eurodac) و(SIS).
واللافت في هذا النظام هو إمكانية إخضاع الأطفال ابتداءً من سن السادسة لأخذ البصمات، مع احتمال اللجوء إلى الإكراه الجسدي لضمان التسجيل الرقمي.
وهذا الإجراء وفق الباحث بنطالب، يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الطفل ويحول القاصرين إلى أرقام في سجلات أمنية مبكرة، حيث تكمن خطورة “استمارة التصفية” في كونها غير قابلة للطعن قضائياً، مما يشرعن استجوابات تعسفية قد تنتهي برفض تسجيل طلبات اللجوء أو الإبعاد السريع دون سبل انتصاف فعالة.
وتتحول إجراءات اللجوء على الحدود إلى مساطر معجلة تعتمد بشكل أساسي على “الجنسية” كمعيار للفرز، مما يسهل إقصاء الملفات القادمة من دول ذات معدلات حماية منخفضة.
وهذا النظام يفرغ حق اللجوء من محتواه الإنساني ويحوله إلى قرارات إدارية جافة تُتخذ في سياقات احتجازية، إضافة إلى أن الطعون المقدمة ضد هذه القرارات ليست بالضرورة موقفة للتنفيذ، مما يسمح بطرد الأشخاص قبل الفحص الكامل لحقوقهم.
ويؤدي هذا “المتصل” من الفرز والاحتجاز والإرجاع إلى إبقاء الشخص تحت تصرف السلطات في ظروف قد تمتد إلى 24 شهراً من الحرمان من الحرية.
وهذه الظروف القاسية تزيد بشكل دراماتيكي من مخاطر الصدمات النفسية، والإيذاء الذاتي، وحالات الانتحار بين المهاجرين العالقين في “نقاط الانتظار” الحدودية.
-المغرب حلقة عازلة
يجد المغرب نفسه اليوم في قلب ضغوط أوروبية تهدف إلى تصدير مراقبة الحدود نحو الضفة الجنوبية، حيث إن السياسات الأوروبية الجديدة تعتمد بشكل متزايد على دول العبور، وفي مقدمتها الرباط، لتسريع عمليات الفرز والإبعاد خارج الحدود الرسمية للاتحاد.
ويكمن الخطر في تحول التراب الوطني المغربي إلى “فضاء عازل” (Espace tampon) للفرز والاحتجاز تحت وطأة الضغوط السياسية والمالية، مما يهدد السيادة الوطنية على ملف الهجرة.
وهذا التشدد الأوروبي يضع “الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء” (SNIA) التي أطلقها المغرب عام 2013 أمام تحديات وجودية، فبينما يروج المغرب لسياسة أكثر إدماجاً وأنسنة، تضغط بروكسيل نحو تعزيز المقاربة الأمنية وتفكيك المخيمات والترحيل القسري.
ويرى بنطالب أن تماهي المغرب مع التطلعات الأمنية الأوروبية يهدد بتحويل استراتيجيته الوطنية من أداة للإدماج المستدام إلى مجرد آلية لإدارة تجمعات مهاجرة عالقة ومحرومة من آفاق العبور أو الحماية.
وكما أن تصنيف المغرب كـ”بلد منشأ آمن” من طرف الاتحاد الأوروبي يحمل تداعيات سلبية على المواطنين المغاربة أنفسهم، فهذا التصنيف، رغم أنه يعزز صورة الاستقرار السياسي للمملكة، فإنه يستخدم لإخضاع طالبي اللجوء المغاربة لمساطر معجلة تؤدي لرفض شبه تلقائي وطرود سريعة، متجاهلة الأسباب البنيوية التي تدفع الشباب المغربي للهجرة.
ومن خلال هذا التصنيف الأوروبي المذكور، يصبح المواطن المغربي بدوره ضحية لهذا التنسيق الأمني الذي يغلب مسألة “الضبط” على “الحماية”.
-هشاشة المهاجرين الأفارقة
يؤدي تشديد الرقابة في المتوسط والمسارات التقليدية إلى تحويل التدفقات نحو المحور الأطلسي، مما يجعل المغرب الوجهة الأكثر ضغطاً.
والمهاجرون الأفارقة يجدون أنفسهم اليوم في “تأثير القمع المزدوج”؛ فالدخول إلى أوروبا أصبح شبه مستحيل في ظل “حصن” الفرز والاحتجاز، والبقاء في المغرب أصبح محفوفاً بخطر الترحيل والعنف الحدودي.
ولفت الباحث بنطالب أن هذه الفئة، تواجه اليوم هشاشة مركبة: غياب آفاق الحماية في الشمال، وصعوبات متزايدة في الوصول إلى الحقوق الأساسية في الجنوب.
وهذا التباين الصارخ بين خطاب المغرب “الإفريقي الإنساني” والمقاربة الأمنية “المعنصرة” للاتحاد الأوروبي يخلق توترات معيارية عميقة.
وكلما وافق المغرب على أجرأة الأولويات الأمنية الأوروبية على أراضيه، زادت مخاطر اعتباره شريكاً في “عنف بنيوي” يمارس ضد الأشقاء الأفارقة، حيث إن هذا الوضع لا يمس فقط كرامة الأشخاص المتنقلين، بل يضرب في الصميم القوة الناعمة للمغرب داخل عمقه الإفريقي.
ويري الباحث في مجال الهجرة واللجوء، أن الميثاق الأوروبي الجديد يمثل تحولاً جذرياً نحو تطبيع سلب الحرية وتجريم الحركية البشرية.
ويوصي التقرير الفاعلين المغاربة بضرورة حماية الاستراتيجية الوطنية للهجرة من الانزلاق الأمني الكامل، والحد من ممارسات الاحتجاز غير الرسمي.
ويعتبر أن التحدي الحقيقي أمام المغرب يكمن في رفض أي تفويض لسياسات “الفرز والاحتجاز” الأوروبية التي تتنافى مع التزاماته الدستورية والدولية، لضمان عدم تحوله إلى مجرد حلقة في سلسلة من العنف الحدودي المستورد.






تعليقات الزوار ( 0 )