تشهد الأسواق المغربية مع حلول شهر رمضان ارتفاعًا لافتًا في الإقبال على الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين، باعتباره عنصرًا أساسيًا في المائدة الرمضانية ووجبة في متناول فئات واسعة من المستهلكين، وغير أن هذا الطلب المكثف يطرح في المقابل تحديات حقيقية مرتبطة بمدى احترام شروط الصيد القانوني، وضمان توازن العرض والطلب دون المساس باستدامة الثروة السمكية.
وفي ظل قرارات رسمية بإغلاق بعض المناطق البحرية بسبب هيمنة صغار السردين غير البالغة، كما وقع في نطاق “المخزون C”، تبرز تساؤلات مشروعة حول حدود الاستغلال الموسمي، ومدى التزام مختلف المتدخلين بالقواعد المنظمة، وما إذا كان الضغط الاستهلاكي الظرفي قد يتحول إلى عامل تهديد طويل الأمد للمخزون البحري، بما يحمله ذلك من كلفة بيئية واقتصادية على السواء.
-قانون فوق الجميع
يشدد سعيد لبطرون، المندوب الجهوي للكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة بسيدي إفني، على أن الثروة السمكية “ليست قربانًا لموسم رمضان”، في إشارة واضحة إلى رفضه تحويل الطلب الموسمي المرتفع إلى مبرر لتجاوز الضوابط القانونية المنظمة لقطاع الصيد البحري.
وأوضح لبطرون في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن بيع الأسماك التي لم تبلغ الحجم التجاري القانوني يعد مخالفة صريحة لمقتضيات قانون الصيد البحري رقم 1.73.255 كما تم تغييره وتتميمه، فضلاً عن كونه خرقًا للتوجيهات الصادرة عن كتابة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري، التي تحدد بدقة الأحجام الدنيا المسموح بصيدها وتسويقها، حماية للتوازن البيولوجي وضمانًا لاستمرارية النشاط المهني.
وأضاف أن أي تساهل مع هذه الممارسات، سواء بدافع الربح السريع أو تحت ضغط الطلب المتزايد خلال رمضان، يشكل ضربًا في العمق لقواعد الاستدامة، ويقوض الجهود المبذولة للحفاظ على المخزون السمكي الوطني، الذي يمثل ركيزة اقتصادية واجتماعية لآلاف الأسر.
-خسارة مضاعفة
يرى لبطرون أن صيد وتسويق الأسماك الصغيرة قبل بلوغها مرحلة النضج البيولوجي لا يمثل فقط مخالفة قانونية، بل هو أيضًا اعتداء مباشر على مستقبل المخزون السمكي، مبرزًا أن كل سمكة تصاد قبل أن تنضج وتتكاثر تعني خسارة بيئية آنية وخسارة اقتصادية مؤجلة.
ولفت المندوب الجهوي للكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة بسيدي إفني، إلى أن الخسارة البيئية تتجلى في تقليص القدرة الطبيعية للمخزون على التجدد، خاصة في ظل التقلبات الهيدرو-مناخية التي تؤثر على فترات التفريخ ونسب البقاء.
وأضاف أن الخسارة الاقتصادية فتظهر لاحقًا في شكل تراجع في الكميات المصطادة، وارتفاع في الأسعار، وتضرر مباشر للبحارة الصغار والتجار الذين يعتمدون على استقرار المخزون لضمان استمرارية نشاطهم.
وأكد أن الاستمرار في التغاضي عن هذه السلوكيات سيؤدي حتمًا إلى تراجع الكتلة الحيوية للأسماك السطحية الصغيرة، وفي مقدمتها السردين، بما ينعكس سلبًا على سلاسل الإنتاج والتوزيع، ويقوض فرص العيش الكريم لعدد كبير من الفاعلين في القطاع.
-إغلاق وقائي
في سياق متصل، أشار لبطرون إلى أن قرار كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بإغلاق المنطقة الجنوبية المعروفة بـ“المخزون C” أمام الصيد إلى غاية متم شهر يونيو القادم، يندرج في إطار إجراءات استعجالية لحماية صغار السردين، التي تتركز في أعماق تقل عن 50 مترًا.
وأبرز أن هذا القرار جاء بناءً على نتائج التتبع العلمي الذي أنجزه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، والذي أظهر هيمنة ملحوظة لصغار السردين غير البالغة في هذه المنطقة، مع تسجيل نسبة مرتفعة من الأفراد التي لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الجنسي.
واعتبر أن هذا الإغلاق يعكس وعيًا مؤسساتيًا بخطورة الاستغلال المفرط للفئة غير البالغة، ويؤكد أن حماية المخزون ليست خيارًا ظرفيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة النشاط على المديين المتوسط والبعيد، خاصة في ظل تأثيرات تغير درجة حرارة المياه على دينامية الكتلة الحيوية وتجددها.
-مسؤولية جماعية
يشدد المندوب الجهوي للكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة بسيدي إفني على أن حماية الثروة السمكية مسؤولية جماعية لا تقتصر على جهة دون أخرى، موضحًا أنها تبدأ من البحار الذي يرفض صيد الأسماك الصغيرة، وتمر عبر التاجر الذي يمتنع عن تسويقها، ولا تنتهي عند الإدارة المكلفة بالمراقبة والزجر.
وأردف أن المستهلك بدوره يتحمل جزءًا من هذه المسؤولية، من خلال رفض اقتناء الأسماك التي تقل عن الحجم القانوني، بما يسهم في خلق طلب واعٍ يحد من الإغراءات المرتبطة بالربح السريع.
وفي السياق ذاته، أبرز أن السوق في نهاية المطاف، تحكمه دينامية العرض والطلب، وأي تغيير في سلوك الاستهلاك ينعكس مباشرة على أنماط التزويد.
وأكد أن شهر رمضان، باعتباره شهر بركة وأخلاق، لا ينبغي أن يتحول إلى موسم لتبرير التجاوزات، بل يجب أن يكون مناسبة لترسيخ قيم المسؤولية والتضامن، بما في ذلك حماية الموارد الطبيعية التي تمثل ملكًا للأجيال الحالية والقادمة.
-استدامة أولاً
يعتبر لبطرون تصريحه أن استمرار بعض الممارسات الموسمية غير المنضبطة سيؤدي لا محالة إلى نتائج عكسية، من قبيل ارتفاع الأسعار مستقبلاً وتفاقم هشاشة الفاعلين الصغار في القطاع، مشيرًا إلى أن الاستنزاف اليوم يعني الندرة غدًا، والندرة تعني اضطرابًا في السوق وتراجعًا في القدرة الشرائية.
ويرفع في هذا السياق شعارًا واضحًا: “لا لحرق البحر باسم الطلب الموسمي، ولا لذبح المستقبل من أجل ربح ظرفي، نعم لصيد مسؤول يحترم القانون ويحمي حق الأجيال القادمة في ثروة سمكية مستدامة”.
وبين ضغط الموائد الرمضانية وضرورات التوازن البيئي، يظل الرهان الحقيقي، كما يؤكد لبطرون، هو ترسيخ ثقافة صيد رشيد يضع الاستدامة في صلب المعادلة، حتى لا يتحول الإقبال الموسمي على السردين والأسماك السطحية الصغيرة من نعمة اقتصادية إلى أزمة بيئية يصعب تداركها.



تعليقات الزوار ( 0 )