يُعدّ السجن أحد أبرز المجالات الموازية التي تُمارَس من خلالها السلطة السياسية، ليس فقط كفضاء للعقاب القانوني، بل كأداة استراتيجية لضبط المجال السياسي والتحكم في دينامياته. فمنذ نشأة الدولة الحديثة، ارتبط السجن عضوياً بالسياسة، إذ استُخدم كآلية مركزية للحد من انتشار الأفكار المعارضة، ولتحجيم الفاعلين السياسيين الذين يشكّلون تهديداً محتملاً لاستقرار النظام القائم. ويكتسي هذا الارتباط بعداً خاصاً في التجربة المغربية، حيث شكّلت السجون والمعتقلات، عبر التاريخ، جزءاً لا يتجزأ من آليات الصراع السياسي وإدارة التوازنات السلطوية.
لا يُنظر إلى السجن هنا باعتباره مجرد مؤسسة تأديبية، بل باعتباره مجالاً سياسياً مصغّراً، يتقاطع ويتفاعل باستمرار مع المجال السياسي الرسمي. ففي داخله تتبلور قيادات فكرية، وتتشكّل شبكات تنظيمية، وتتداول أفكار مناوئة للسلطة، ما يجعله مجالاً مضاداً، وإن لم يكن منقطعاً، عن الحقل السياسي العام. وقد أفرزت التحولات السياسية في المغرب حالات متكررة انتقل فيها فاعلون من السجن إلى مراكز القرار، أو العكس، بما يعكس الطبيعة الدينامية للعلاقة بين السلطة والسجن.
السجن في التاريخ السياسي المغربي
يكشف التاريخ السياسي للمغرب عن حضور مكثف للسجن كأداة من أدوات الصراع على السلطة. فقد ارتبط بناء السجون، منذ العهد السلطاني، بمحاولات تحييد الخصوم السياسيين أو تصفيتهم. ولم تكن هذه الممارسة معزولة عن أشكال أخرى من العنف السياسي، كالإعدام والتمثيل بالجثث، التي استُخدمت لترسيخ هيبة السلطة وبث الرعب في صفوف المعارضين.
تشكل وقائع مثل التنكيل ببوحمارة، أو سجن واغتيال مولاي عبد الكبير الكتاني، أمثلة دالة على توظيف السجن في حسم الصراعات السياسية. ومع دخول المغرب مرحلة الاستقلال، لم يختف هذا الدور، بل اتخذ أشكالاً أكثر حداثة وتنظيماً، حيث لعبت مخافر الشرطة والمعتقلات السرية والسجون المدنية دوراً محورياً في الصراع الذي نشب بين القوى السياسية التي أفرزها السياق الاستقلالي.
لقد أصبحت أماكن مثل دار بريشة، ودار المقري، ودرب مولاي الشريف، وسجن لعلو، والسجن المركزي بالقنيطرة، ومعتقلات أكدز وتازمامارت، محطات مفصلية في تاريخ الصراع السياسي بالمغرب. ولم تكن هذه الفضاءات مجرد أماكن للاعتقال، بل أدوات حاسمة لإعادة ترتيب موازين القوى وترسيخ منطق الاحتكار السياسي.
المخفر كمجال لتعذيب المعارض السياسي
خلال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات، اتسمت العلاقة بين السلطة والمعارضة بطابع صراعي حاد، انتقل من دائرة التنافس السياسي المشروع إلى منطق العنف والقوة. وقد ساهم غياب مأسسة حقيقية للعبة السياسية، واستمرار هيمنة الثقافة المخزنية التقليدية، في تعميق هذا الصراع، حيث لم يُنظر إلى المعارضة بوصفها مكوناً مشروعاً من مكونات النظام السياسي، بل كخطر يجب تحييده.
في هذا السياق، تحوّلت مخافر الشرطة إلى فضاءات للاستنطاق السياسي العنيف، حيث لم يكن الهدف هو التحقيق القضائي بقدر ما كان تفكيك التنظيمات المعارضة وانتزاع الاعترافات. وتشير شهادات العديد من المعتقلين إلى أن مرحلة الحراسة النظرية كانت تتسم بغياب تام لأبسط الحقوق الإنسانية، من تعصيب الأعين، وتقييد الأيدي، ومنع الكلام، وسوء التغذية، وفرض أوضاع جسدية مهينة، إلى جانب التعذيب الجسدي الممنهج.
لم يكن الاستنطاق مجرد إجراء أمني، بل مبارزة سياسية يسعى فيها النظام إلى فرض هيمنته الرمزية والمادية، بينما يحاول المعتقل الصمود والحفاظ على قناعاته. وغالباً ما كانت الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب تُستخدم لتفكيك التنظيمات المعارضة، وبث الشكوك داخل صفوفها، وتحقيق نصر سياسي ومعنوي على الخصم.
المخفر كمجال للتأديب السياسي
يتخذ التعذيب في السياق المخزني بعداً تأديبياً قائماً على تصور أبوي–تيوقراطي للسلطة، حيث يُنظر إلى المعارض باعتباره شخصاً ضلّ عن “الطريق المستقيم” ويجب إعادته إليه. وتجسّد هذا المنطق في ممارسات رمزية، مثل إجبار المعتقلين على مناداة جلاديهم بـ“الحجاج”، بما يحمله ذلك من دلالات دينية وسياسية ترسّخ الخضوع والامتثال.
لقد تحوّل التعذيب، في هذا الإطار، إلى وسيلة لإعادة تشكيل وعي المعارض، وإجباره على التوبة العلنية، ليس فقط عن مواقفه السياسية، بل عن خروجه عن المرجعية الإيديولوجية الرسمية. وهكذا، لم يعد الجسد فقط موضوعاً للعقاب، بل وسيلة لإعادة إنتاج الطاعة والانضباط.
المخفر كمجال للتنكيل السياسي
إلى جانب الاستنطاق والتأديب، شكّل التعذيب وسيلة للتنكيل الممنهج بجسد المعارض، بهدف وسمه بعلامات دائمة تُجسّد بطش السلطة. فقد تنوّعت أساليب التعذيب بين الشبح، والجلد، والخنق بالماء، والكهرباء، وغيرها من الممارسات التي ترمي إلى كسر الإرادة وإشاعة الرعب.
يحيل هذا التفنن في التنكيل إلى ممارسات تاريخية أقدم، حيث كان التمثيل بجسد المعارض يتم علناً لإظهار قوة السلطان. غير أن الدولة الحديثة استبدلت العلنية بالسرية، مع الحفاظ على الهدف نفسه: بث الخوف ومنع أي تفكير في التمرد. وقد تحوّلت الندوب الجسدية والنفسية التي يحملها المعتقلون بعد الإفراج عنهم إلى رسائل غير مكتوبة تحذر الآخرين من عواقب الانخراط السياسي.
المعتقل كمجال لتغييب المعارض السياسي
في ظل انسداد الأفق السياسي، لجأت المعارضة إلى العمل السري، ما دفع السلطة إلى اعتماد الاختطاف والاعتقال السري كآليات مضادة. وتميّزت هذه العمليات بالمباغتة والسرية التامة، حيث يُعتقل المعارض دون إذن قضائي، ويُودَع في أماكن مجهولة، دون علم عائلته أو محاميه.
ساهم هذا الأسلوب في تعميق شعور العزلة لدى المعتقلين، وإقناعهم بانعدام أي حماية قانونية أو اجتماعية، ما يسهل إخضاعهم نفسياً وجسدياً. كما تحوّلت المعتقلات السرية إلى فضاءات لمحو الهوية السياسية، حيث يُختزل المعتقل في رقم، وتُطمس ملامحه الفردية والتنظيمية، في محاولة لتفكيك الروابط التي تشدّه إلى جماعته السياسية.
المعتقل كمجال للتصفية السياسية
لم يقتصر دور المعتقلات السرية على التغييب والعزل، بل شكّلت في حالات كثيرة غطاءً لممارسات ترمي إلى التصفية الجسدية للمعارضين. فقد أنكر الخطاب الرسمي، لسنوات طويلة، وجود معتقلين سياسيين، وجرى تقديمهم كمجرمي حق عام، فيما أُخفي الأخطرون منهم في معتقلات غير معروفة، لم يُكشف عنها إلا في أواخر التسعينات.
يعكس هذا الإخفاء تصوراً سياسياً قائماً على نفي الشرعية عن أي معارضة تتجاوز الخطوط المرسومة من طرف النظام. ولم يكن التعذيب، في هذا السياق، مجرد وسيلة ضغط، بل أداة لمحو الوجود السياسي، وأحياناً البيولوجي، للخصم.
خاتمة
إن قراءة ملف السجون والاعتقال السياسي بالمغرب لا يمكن أن تظل حبيسة المقاربة الإدارية أو الحقوقية الضيقة التي تختزل الانتهاكات في “تجاوزات” فردية قابلة للتعويض. فهذه الممارسات كانت نتاج تصور سياسي يقوم على الإجماع الإيديولوجي والاحتكار العملي للسلطة، ولا يعترف بالاختلاف أو النقد الجذري.
ورغم ما تحقق خلال العقود الأخيرة من إصلاحات قانونية ومؤسساتية، وما راكمته تجربة العدالة الانتقالية من مكاسب، فإن ضمان عدم تكرار الانتهاكات يظل رهيناً بإعادة هيكلة عميقة للعلاقة بين السلطة والمعارضة، على أساس الاعتراف بالتعدد والاختلاف، وترسيخ ضمانات فعلية لحماية الفاعلين السياسيين، مهما كانت مرجعياتهم. فبدون ذلك، يظل شبح السجن السياسي حاضراً كإمكانية كامنة في بنية السلطة.






تعليقات الزوار ( 0 )