يشهد النقاش الدولي حول مستقبل قطاع غزة تطورًا لافتًا مع بروز مقترحات تتعلق بنشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، في إطار المرحلة التالية لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس.
وهذا الطرح أعاد إلى الواجهة أدوار دول إقليمية ودولية ينظر إليها باعتبارها قادرة على أداء مهام حفظ السلام دون الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة، وهو ما يمنح هذه القوة طابعًا سياسيًا وأمنيًا حساسًا في آن واحد.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “The Jerusalem Post” الإسرائيلية، عن معطيات تفيد بأن المغرب وإندونيسيا مرشحان ليشكلا أكبر مكونين داخل هذه القوة الدولية المرتقبة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدلالات هذا الترشيح، سواءً من زاوية التوازنات الإقليمية أو من منظور إدارة مرحلة ما بعد التهدئة داخل القطاع.
-قوة الاستقرار
بحسب المعطيات المنشورة، فإن القوة الدولية المقترحة ستكلف بمهام ترتبط بحفظ السلام، والإشراف على خطوط التهدئة، ومعالجة بعض القضايا الحدودية، دون أن يشمل تفويضها أي مواجهة مباشرة مع حركة حماس أو مساعٍ لنزع سلاحها.
وهذا الإطار الوظيفي يعكس توجهاً لتفادي تحويل القوة إلى طرف صدامي، والتركيز بدل ذلك على تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق نحو جولات تصعيد جديدة.
والتصور المطروح يضع هذه القوة في موقع “الضامن التقني” للاتفاق، وليس بديلاً عن الأطراف السياسية أو العسكرية، ما يجعل نجاحها مرتبطًا بمدى التزام الأطراف المعنية بالتهدئة، إضافة إلى قدرتها على العمل في بيئة أمنية معقدة ومتقلبة.
-الدول المشاركة
التقرير أشار إلى أن المغرب وإندونيسيا سيكونان أكبر مساهمين محتملين في هذه القوة، إلى جانب دول أخرى مرشحة مثل ألبانيا واليونان.
ونقلت الصحيفة عن مصادر إعلامية إسرائيلية، من بينها ” KAN News”، أن اليونان ستنضم بدورها إلى هذه المبادرة، في حين لا تزال تفاصيل انتشار القوات بالنسبة لبعض الدول غير محسومة.
وهذا التعدد في الأطراف المشاركة يعكس محاولة صياغة قوة ذات طابع دولي متوازن، تجمع بين دول من خلفيات سياسية وجغرافية مختلفة، بما يقلل من حساسية وجودها لدى مختلف الفاعلين، ويمنحها هامشًا أوسع للتحرك.
-الدور الإندونيسي
وفق تقرير لوكالة ” Associated Press” الأمريكية، فإن إندونيسيا تعد الدولة الأكثر تقدمًا من حيث الاستعداد العملي للمشاركة، إذ من المنتظر أن تبدأ مساهمتها الأولية في أبريل، عبر نشر نحو ألف جندي، على أن يصل العدد الإجمالي إلى حوالي ثمانية آلاف جندي بحلول يونيو القادم.
وتعمل جاكرتا حاليًا على تدقيق واختيار العناصر العسكرية المرشحة للمشاركة، مع التأكيد على أن الانتشار سيظل مشروطًا بمدى استقرار الأوضاع الأمنية داخل القطاع، وقد ألمحت السلطات الإندونيسية إلى احتمال تأجيل المهمة في حال تجدد القتال، ما يعكس إدراكًا لحساسية البيئة الميدانية.
-موقع المغرب
إدراج المغرب ضمن أكبر قوتين محتملتين في هذه المهمة يسلط الضوء على موقعه في الترتيبات الإقليمية والدولية المرتبطة بملفات الأمن والاستقرار.
ورغم غياب تفاصيل دقيقة حول توقيت أو حجم الانتشار المغربي، فإن التقارير تشير إلى أنه سيكون فاعلًا رئيسيًا في هيكلة القوة.
وهذا الحضور المحتمل ينسجم مع توجه الرباط نحو الانخراط في مبادرات متعددة الأطراف ذات طابع أمني وإنساني، إضافة إلى علاقاتها الدفاعية الخاصة مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقيات أبراهام سنة 2020، وهو عامل قد يسهم في تسهيل التنسيق العملياتي، دون أن يعني بالضرورة انحيازًا ميدانيًا لأي طرف.
-أبعاد سياسية
توقيت تسريب هذه المعطيات تزامن مع الإعلان عن انضمام إندونيسيا رسميًا للمهمة، وقبيل انعقاد قمة “مجلس السلام” المرتقبة في الولايات المتحدة.
وهذا التزامن يعكس وجود مسار دبلوماسي موازٍ يسعى إلى بناء توافق دولي حول آليات تثبيت وقف إطلاق النار.
وكما أن طبيعة التفويض المحدود للقوة تشير إلى رغبة في تجنب السيناريوهات التي قد تفسر كإعادة احتلال غير مباشر أو تدخل عسكري موسع، والتركيز بدل ذلك على إدارة المرحلة الانتقالية بأقل قدر ممكن من الاحتكاك.
-تحديات ميدانية
رغم الطابع التنظيمي للمبادرة، فإن نشر قوة دولية في قطاع غزة يواجه تحديات معقدة، من بينها هشاشة وقف إطلاق النار، وكثافة الفاعلين المحليين، وصعوبة العمل في بيئة إنسانية وأمنية متداخلة، كما أن أي تأخير أو تردد من الدول المشاركة قد يؤثر على مصداقية المشروع.
وإضافة إلى ذلك، يبقى نجاح المهمة رهينًا بقبول الأطراف المحلية، وتوفير غطاء سياسي دولي واضح، فضلًا عن قواعد اشتباك دقيقة تمنع الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة.
-مشهد إقليمي
طرح قوة استقرار دولية في غزة يعكس تحولًا في مقاربة إدارة النزاعات، حيث يفضل إشراك دول تعتبر “وسطية” أو قادرة على لعب دور توازني.
وإدراج دول مثل المغرب وإندونيسيا واليونان وألبانيا يشير إلى محاولة خلق مزيج جغرافي وسياسي يخفف من الاستقطاب.
كما أن الحديث عن دول أخرى مرشحة، مثل الإمارات ومصر وإيطاليا وأذربيجان وباكستان وقطر وتركيا، يكشف عن رغبة في توسيع قاعدة المشاركة، رغم أن أيًا منها لم ينتقل بعد إلى مرحلة الجاهزية العملية.
-مستقبل المهمة
المسار المقبل لهذه القوة سيعتمد على نتائج المشاورات الدولية، ومستوى الاستقرار على الأرض، ومدى التزام الأطراف بالتهدئة.
وفي حال تحقق الانتشار وفق المخطط، فقد تشكل هذه القوة تجربة جديدة في إدارة النزاعات المركبة، حيث تتداخل الأبعاد الأمنية والإنسانية والسياسية.
ويبرز ترشيح المغرب كجزء من محاولة إعادة صياغة أدوات حفظ الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية، بما يوازن بين متطلبات الأمن وضرورات السياسة، ويعكس تحولات أوسع في هندسة التدخلات الدولية في بؤر التوتر.





تعليقات الزوار ( 0 )