يشكل إنتاج الحليب بالمغرب إحدى الركائز الأساسية للأمن الغذائي الوطني، غير أن المعطيات الأخيرة حول تراجع القطيع الوطني وضعف المردودية أعادت طرح إشكالية بنيوية تتجاوز الأرقام الظرفية نحو سؤال أعمق يتعلق بقدرة المنظومة الإنتاجية على ضمان الاكتفاء والاستقرار، فبين انخفاض أعداد الأبقار المنتجة، وتزايد الاعتماد على الحليب المجفف المستورد، يبرز تحدي تحقيق توازن مستدام بين العرض المحلي وحاجيات الاستهلاك المتنامية.
وهذه الإشكالية لا ترتبط فقط بضعف الإنتاج، بل تمتد إلى طبيعة تنظيم السلسلة من التجميع إلى التصنيع، وأدوار المتدخلين في التأطير والمراقبة والدعم، وعلى رأسهم وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، ما يعيد النقاش بشأن أدوار المتدخلين في القطاع، بخصوص إمكانية استعادة الثقة في المنظومة الوطنية للحليب واللحوم.
-أرقام مقلقة
يوضح أحمد بوكريزية، الكاتب العام لفدرالية تجمع قطاع الأجبان والمنتجات الفلاحية، أن عملية إحصاء القطيع الوطني كشفت عن تسجيل ما يفوق المليوني رأس من الأبقار، من بينها أزيد من 1.5 مليون أنثى، وغير أن هذا الرقم في تقديره، لا يعكس وفرة إنتاجية فعلية، بل يخفي مؤشرات بنيوية تدعو إلى القلق، خصوصا في ظل انخفاض عام بنسبة 30 في المئة في أعداد الأبقار.
وأشار بوكريزية في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن حوالي 30 في المئة من الإناث المحصاة عبارة عن عجلات صغرى يقل عمرها عن سنة، وهو ما يعني أنها غير منتجة للحليب في الوقت الراهن، وبذلك فإن العدد الفعلي للأبقار المنتجة يتقلص بشكل كبير، ما ينعكس مباشرة على حجم الحليب الخام المتوفر بالسوق الوطنية.
وأضاف أن ما يقارب مليون بقرة فقط تدخل ضمن الفئة القادرة على الإنتاج، موزعة بين حوالي 500 ألف بقرة “كروازية” لا يتجاوز إنتاجها 10 لترات يوميا، و500 ألف بقرة أصيلة قد يفوق إنتاجها 30 لترا يوميا، معتبرًا أن هذا التفاوت في الإنتاجية، يجعل الكميات الإجمالية غير كافية لتغطية الطلب الوطني المتزايد.
-إنتاج غير كاف
يرى بوكريزية أن هذه المعطيات الرقمية تفسر بوضوح سبب عجز الإنتاج الوطني من الحليب الخام عن تلبية حاجيات المستهلك المغربي حاليا، فحتى مع احتساب الإنتاج اليومي للأبقار ذات المردودية المرتفعة، فإن مجموع الكميات يظل دون مستوى الطلب، خاصة في ظل تزايد الاستهلاك.
وأكد أن شركات تصنيع الحليب أصبحت تعتمد بشكل كبير على استيراد الحليب المجفف من الخارج لسد هذا الخصاص، وذلك بموافقة الحكومة والقطاع الوصي
وأوضح الكاتب العام لفدرالية تجمع قطاع الأجبان والمنتجات الفلاحية، أن هذا الخيار لم يكن مرفوقا بإجراءات كافية لحماية المنتوج المحلي أو تحفيز الكسابة على الاستمرار في نشاطهم.
وربط بين هذا الوضع وبين تراجع القطيع الوطني، معتبرا أن ضعف الدعم الموجه للمنتجين الصغار والمتوسطين، وإغلاق عدد كبير من التعاونيات، ساهما في مغادرة عدد من الكسابة للميدان، وهو ما أثر بدوره على إنتاج اللحوم الحمراء ورفع أسعارها في السوق.
-جدل الاستيراد
يبرز بوكريزية أن تصاعد الاعتماد على استيراد الحليب المجفف واللحوم الحمراء أشعل نقاشا واسعا في المنابر الإعلامية والمواقع الإخبارية، حيث عبر عدد من المواطنين عن تخوفهم من جودة بعض المنتجات المستوردة.
ولفت إلى أنه فئات واسعة تداولت مخاوف مرتبطة بطرق الذبح أو القتل في بعض البلدان المصدرة، سواء بالكهرباء أو الرصاص، وفق ما يروج في النقاش العمومي.
وأردف أن الحليب المجفف بدوره أصبح موضوع تساؤلات، حيث يتخوف بعض المغاربة من احتمال احتوائه على مكونات غير مرغوب فيها أو مواد غريبة، في ظل انتشار أخبار غير مؤكدة حول إضافات صناعية أو بيولوجية.
واعتبر الكاتب العام لفدرالية تجمع قطاع الأجبان والمنتجات الفلاحية، أن هذه المخاوف، بصرف النظر عن مدى دقتها، تعكس أزمة ثقة حقيقية لدى جزء من المستهلكين.
وشدد على أن الكسابة المغاربة لا يتوفرون على مختبرات متطورة أو مخزونات بيولوجية تمكنهم من التلاعب بالمنتج، في إشارة إلى أن الإنتاج المحلي رغم محدوديته، يبقى في نظر الكثيرين أكثر أمانا.
وأشار إلى أن المغرب لا يملك، بدوره، مخزونا من الفيروسات أو مختبرات لدسها في المنتجات، في رد ضمني على بعض الشائعات المتداولة.
-مسؤوليات متداخلة
يؤكد بوكريزية أن مختلف المتدخلين في القطاع عبروا عن مواقفهم بخصوص الوضع الحالي، من بينهم الهيئة الوطنية للأطباء البياطرة والرابطة البيطرية المغربية، اللتان تعلمان بحسبه، بحجم النقص الحاد في القطيع الوطني، كما تحدثت جمعيات وفدراليات حماية المستهلك عن تداعيات الوضع على الأسعار والجودة.
وأشار أيضا إلى جمعية مصنعي الأعلاف المركبة (AFAC)، موضحا أن مبيعات الأعلاف الموجهة لإنتاج الحليب عرفت تراجعا ملحوظا، وهو ما يعكس تقلص أعداد الأبقار المنتجة.
واعتبر الكاتب العام لفدرالية تجمع قطاع الأجبان والمنتجات الفلاحية، أن هذه المؤشرات كلها كانت موضوع نقاش منذ سنة 2015، حين كان الكسابة يدافعون عن حقوقهم قبل انسحاب عدد منهم من القطاع.
وانتقد ما وصفه بسيطرة شركات تصنيع الحليب على الفدرالية البيمهنية للحليب، معتبرا أن هذا الواقع أثر على توازن تمثيلية الفاعلين داخل المنظومة، وأضعف صوت المنتجين الصغار.
ودعا إلى ضرورة إعادة النظر في حكامة القطاع وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن شفافية أكبر في تدبير الدعم والبرامج الموجهة لتنمية السلسلة.
-سيناريو الإيقاف
يطرح بوكريزية فرضية توقف الحكومة ووزارة الفلاحة عن استيراد الحليب المجفف واللحوم الحمراء بشكل فوري، متسائلا عن الكيفية التي ستتحدد بها أسعار المنتوجين المحليين في هذه الحالة.
وأردف الكاتب العام لفدرالية تجمع قطاع الأجبان والمنتجات الفلاحية، أن العرض الوطني، حسب الأرقام المتوفرة، قد لا يكون كافيا، ما قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار.
وتساءل في هذا السياق، عما إذا كان المستهلك المغربي سيتقبل أثمنة جديدة قد تكون أعلى بكثير مما هو معمول به حاليا، خاصة في ظل ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة، فالمعادلة في نظره، لا تتعلق فقط بالإنتاج، بل أيضا بالقدرة الشرائية والتوازنات الاجتماعية.
وأكد على ضرورة فتح نقاش معمق وربما تحقيق لتحديد أسباب ضياع القطيع الوطني وتراجع الإنتاج، معتبرا أن تشخيص الاختلالات بدقة هو المدخل الأساسي لإعادة بناء الثقة في القطاع، وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء، بما يحمي الأمن الغذائي ويوازن بين مصلحة المنتج والمستهلك.



تعليقات الزوار ( 0 )