كشف تقرير تحليلي نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” أن اعتماد الولايات المتحدة على الحروب الوقائية ساهم في إضعاف موقعها الدولي، بدل تعزيز أمنها، في ظل تداعيات استراتيجية أثبتت محدوديتها على المدى الطويل.
وأوضح الكاتب جوناثان ستيفنسون، الذي سبق له العمل في مجلس الأمن القومي خلال إدارة باراك أوباما، أن اللجوء إلى القوة العسكرية في غياب تهديد وشيك، ومع توفر بدائل دبلوماسية، غالبا ما يقود إلى نتائج غير مستقرة ويقوض الأهداف المعلنة للتدخل.
وسلط المقال الضوء على الحرب الأمريكية على إيران، معتبرا أنها تندرج ضمن هذا النمط من التدخلات، حيث أشار إلى استقالة مسؤول سابق في مركز مكافحة الإرهاب، احتجاجا على قرار شن الحرب رغم غياب تهديد مباشر للولايات المتحدة.
واعتبر الكاتب أن نموذج الحرب الوقائية ليس جديدا، مستحضرا التدخل الأمريكي في العراق سنة 2003، الذي وصفه بأنه مثال واضح على هذا النوع من الحروب، بصرف النظر عن الجدل المرتبط بامتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل.
وفي هذا السياق، أشار إلى ما عرف بـ”عقيدة بوش”، التي مزجت بين مفهوم الحرب الوقائية والضربة الاستباقية، وهو ما أثار جدلا قانونيا واسعا، خاصة في ظل توسيع مبررات استخدام القوة خارج إطار التهديدات المباشرة.
وأوضح أن تلك المرحلة جاءت في سياق ما بعد هجمات 11 شتنبر 2001، حيث ساد القلق من تكرار هجمات مماثلة، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى تبني مقاربة هجومية لتفادي المخاطر المحتملة، حتى في ظل غياب دلائل قاطعة على تهديد وشيك.
وأضاف أن هذا التوجه فرض قراءة موسعة لقواعد القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، عبر تبرير التدخلات العسكرية كإجراءات وقائية، رغم الجدل الذي صاحب هذا الطرح داخل الأوساط القانونية والسياسية.
وأشار التقرير إلى أن هذه المقاربة استمرت عبر إدارات أمريكية متعاقبة، من جورج بوش إلى باراك أوباما ثم دونالد ترامب وجو بايدن، حيث تم توظيفها في عمليات مكافحة الإرهاب، خاصة عبر الطائرات المسيرة والعمليات الخاصة خارج الحدود.
ورغم أن هذه السياسات ساهمت جزئيا في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في بؤر النزاع، مثل العراق وأفغانستان، إلا أنها أثارت تساؤلات أخلاقية وقانونية، خصوصا مع توسع نطاق العمليات العسكرية دون توافق دولي واضح.
كما لفت الكاتب إلى أن البيئة الدولية تغيرت بشكل كبير، مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، ما جعل هذه الاستراتيجية أكثر خطورة في ظل غياب التوازنات التقليدية التي كانت تحكم العلاقات الدولية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الكونغرس الأمريكي كآلية دستورية للحد من قرارات السلطة التنفيذية المتعلقة بالحرب، رغم أن المحاولات الأخيرة لتقييد صلاحيات البيت الأبيض في هذا المجال لم تحقق نتائج حاسمة.
وأكد التقرير أن تزايد الانتقادات داخل الولايات المتحدة، سواء من التيار الليبرالي أو المحافظ، يعكس قلقا متناميا من تداعيات السياسات التدخلية، خاصة في ظل ما تسببه من عدم استقرار دولي وتراجع في صورة واشنطن كقوة عالمية.
وختم التحليل بالتأكيد على أن الجمع بين النزعة الأحادية واستخدام القوة العسكرية، مع تراجع الاعتماد على التحالفات الدولية، أدى إلى إضعاف النفوذ الأمريكي، في وقت باتت فيه الحاجة ملحة لإعادة التوازن بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية في إدارة الأزمات الدولية.



تعليقات الزوار ( 0 )