صدر حديثًا عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، ضمن سلسلة “ترجمان”، الترجمة العربية لكتاب “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة: عصر الإمبراطوريات الجديدة، الخطوط العامة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين” لعالم السياسة الروسي ألكسندر دوغين، بترجمة من الكاتب والمترجم والطبيب السوري إبراهيم إستنبولي ومراجعة الباحث في الشأن الروسي إسكندر الكفوري.[[1]]
يتناول دوغين في كتابه قضايا متنوعة في مجال الجغرافيا السياسية، ويتعرض خلاله بشكل نقدي لتجربة التحديث الغربية في روسيا وعلى الصعيد العالمي، ويشير إلى أن التحديث في بلاده كان تجسيدًا لـ”كولنيالية مفرطة” فرضت المفهوم الاستعماري لنهاية التاريخ بالقوة. ويشير أيضًا إلى أن هناك خطًا آخر موازيا في روسيا ما بعد الحداثة، ألا وهو خط العودة إلى الماضي وإلى التقاليد التاريخية المنتمية إلى عصر الإمبراطورية الغابر.
بحسب دوغين ليس ثمة مكان الآن “للإمبراطورية” في العلوم السياسية في زمن الحداثة؛ حيث احتلت “الدولة القومية” مكانها، ويقول إن المنطق السياسي للحداثة كان يهدف إلى “التغلب على الإمبراطورية” بالمعنى النظري والعملي، وأصبح تدمير الإمبراطوريات الأخيرة – النمساوية المجرية والروسية والعثمانية، نقطة تحول في الدخول النهائي للإنسانية الأوروبية في الحداثة السياسية[[2]]. ويشير كذلك إلى أن الحداثة استطاعت القضاء على المجتمع التقليدي، وأنهت وجود البعد المقدس على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
يقول دوغين: “عندما نتحدث عن “الإمبراطورية” فيما يتعلق بحقائق اليوم، وليس عن العصور التاريخية المتعلقة بما قبل الحداثة، يجب أن نفهم بوضوح أننا نتحدث عن واقع جديد تمامًا، مُرتّبٍ وفقًا لنموذج خاص وخاضع لقوانين مختلفة تمامًا. “الإمبراطورية” في سياق ما بعد الحداثة هي بنية شبكية (وليست مكانية). تلك “الإمبراطورية” لا تتعارض بحال من الأحوال مع “المجتمع المدني”، لكنها تتطابق عمليًا معه. وهي تقوم على إضفاء الطابع المطلق على القيم والمبادئ الليبرالية، وليس بأي حال من الأحوال على أنظمة هرمية قديمة. تمثل استمرارية للحداثة، وتنقلها إلى مستوى جديد أعلى نوعيًا، ولا تقدم أي بديل. هذه “الإمبراطورية” هي في الواقع مرادف للعولمة.
يشير دوغين إلى أنه لا يمكن الآن استخدام مصطلح “امبراطوريات” بصيغة الجمع في الجغرافيا الجديدة، حيث أعادت “إمبراطورية ما بعد الحداثة” هيكلة الفضاء السياسي الكوكبي بطريقة جديدة. كل هذا الفضاء يصبح من الآن فصاعدًا مساحة داخلية للإمبراطورية العالمية التي تضم المعمورة برمتها. ومن هنا تأتي أهمية موضوع العولمة، وتظهر جغرافيا سياسية جديدة، ألا وهي خريطة العولمة التي قدم عالم السياسة الأمريكي توماس بارنيت وصفها الهيكلي، حيث ينقسم العالم، في رأي الأخير، إلى “جوهر” عالمي “النواة “، ومناطق أخرى يتحدد تصنيفها بحسب اتصالها بتلك النواة من عدمه.
كل الهويات غير واضحة في “الإمبراطورية” بحسب دوغين، وتتمثل مهمة الأخيرة في تقوية نفسها باعتبارها الحقيقة الكوكبية الوحيدة، ويكمن سر قوة “الإمبراطورية” العالمية اليوم في أنها تستوعب “المتصل” كأحد عناصرها الديناميكية. ويتحول الواقع في “الإمبراطورية” بجميع هياكله إلى واقع افتراضي وفق دوغين، ومن ثم يصبح الويب بدوره هو الحقيقة الوحيدة.
المعارضة الوحيدة لـ “الإمبراطورية” في مثل هذه الحالة بحسب دوغين هي “الفجوات” والأراضي التي ترفض “الاتصال”. ويشير الأخير إلى أن تلك المناطق هي بمثابة جزر عالقة في ظروف الحداثة الناقصة، أو حتى فيما قبلها، أي ما قبل الحداثة. ويقول إن هذا يشكل مشكلة لـ “النواة”، لأن هذا السلوك يخلق تضاربًا في عمل الشبكة بأكملها، و”الإمبراطورية” بأكملها. ومن هنا فإن الأجندة الرئيسية “للإمبراطورية” هي تضييق رقعة المنطقة غير المتصلة بها.
ختامًا، نشير إلى أن عالم السياسة الروسي ألكسندر دوغين يميل إلى مناهضة هيمنة العولمة الأميركية أحادية القطب وتدشين نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، ويدعو روسيا والصين ودولا أخرى في هذا السياق إلى إقامة تحالف أوراسي يمثل مشروعًا موازيا للعولمة الأميركية.
[[1]] ألكسندر دوغين.. الجغرافيا السياسية في عصر الإمبراطوريات الجديدة، العربي الجديد.
[[2]] نسخة متوفرة باللغة الروسية بصيغة ويب على الرابط التالي:
http://yanko.lib.ru/books/politologiya/dugin-geopolitics_postmodern-a.htm#_Toc185403777






تعليقات الزوار ( 0 )