يشهد قطاع الصحة بالمغرب نقاشا متزايدا حول إدخال التكنولوجيا الطبية المتقدمة إلى المستشفيات العمومية، وذلك عقب الجدل الذي أثارته صفقة اقتناء نظام متطور للجراحة الروبوتية متعددة التخصصات لفائدة المستشفى الجديد التابع للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط، بقيمة تقديرية تصل إلى 39,6 مليون درهم.
وبين الترحيب بالتقدم التكنولوجي والتحذير من تداعيات الكلفة المرتفعة، برزت تساؤلات حول شروط الحكامة والشفافية في تدبير مثل هذه الاستثمارات الصحية الكبرى.
وفي مذكرة تحليلية صادرة عن المرصد المغربي لحماية المستهلك، دعا المرصد إلى ضرورة ضمان المنافسة العادلة والشفافية في تدبير هذه الصفقة، مؤكدا أن إدخال الجراحة الروبوتية يمثل خطوة مهمة في تحديث المنظومة الصحية الوطنية، لكنه يقتضي في المقابل تدبيرا دقيقا للمال العام واحتراما صارما لمبادئ الصفقات العمومية.

وتعتمد أنظمة الجراحة الروبوتية الحديثة على منظومة تقنية متكاملة تسمح للجراح بإجراء عمليات دقيقة عبر أذرع روبوتية يتم التحكم فيها من خلال منصة رقمية متطورة.
وتتميز هذه التقنية برؤية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة وتكبير بصري كبير، إضافة إلى القدرة على تصفية اهتزاز اليد البشرية وتحويل حركات الجراح إلى حركات دقيقة للأدوات الجراحية داخل جسم المريض.
وتتكون هذه الأنظمة عادة من أربع وحدات رئيسية تشمل منصة تحكم الجراح، وعربة المريض التي تضم الأذرع الروبوتية، وبرج الرؤية الجراحية المخصص لمعالجة الصور الطبية، فضلا عن أدوات جراحية دقيقة يتم استبدالها بعد عدد محدود من العمليات.
ويؤكد مختصون أن هذه التقنية توفر مزايا طبية مهمة، من بينها تقليص النزيف أثناء الجراحة، تقليل مدة الاستشفاء، وتسريع تعافي المرضى، فضلا عن تحسين دقة التدخلات الجراحية المعقدة.
ورغم أهمية هذه التكنولوجيا، يشدد خبراء الاقتصاد الصحي على أن الكلفة الفعلية لأنظمة الجراحة الروبوتية لا تقتصر على ثمن الشراء فقط.
فإلى جانب تكلفة الاقتناء التي تتراوح عالمياً بين 20 و40 مليون درهم، تبرز مصاريف إضافية مرتبطة بالصيانة والتكوين والأدوات الجراحية المستهلكة.
وتتراوح كلفة الصيانة السنوية عادة بين 1,5 و3 ملايين درهم، فيما قد تصل تكلفة الأدوات الجراحية المرتبطة بكل عملية إلى ما بين 20 ألفاً و40 ألف درهم. كما تتطلب هذه التكنولوجيا برامج تدريب متخصصة للأطباء والممرضين والتقنيين، قد تصل كلفتها الأولية إلى نحو مليون درهم.
وبحسب تقديرات المرصد، فإن الكلفة الإجمالية لنظام جراحة روبوتية واحد خلال عشر سنوات من الاستغلال قد تتراوح بين 70 و90 مليون درهم، تبعاً لعدد العمليات المنجزة سنوياً.
ومن الناحية الاقتصادية، تشير المعطيات الدولية إلى أن إدخال الجراحة الروبوتية قد يرفع تكلفة العملية الجراحية الواحدة بما يتراوح بين 10 آلاف و30 ألف درهم إضافية مقارنة بالجراحة التقليدية.
وإذا تم استخدام النظام لإجراء حوالي 300 عملية جراحية سنويا، فقد تصل الكلفة الإضافية السنوية إلى ما بين 3 و9 ملايين درهم. كما أن توزيع تكلفة الاستثمار على عدد العمليات المنجزة قد يعني إضافة نحو 26 ألف درهم لكل عملية خلال عشر سنوات.
وتفرض هذه المعطيات التفكير في الأثر المالي على ميزانيات المستشفيات العمومية، وعلى منظومة التأمين الصحي، خاصة في ظل تعميم التغطية الصحية الإجبارية بالمغرب.
ومن بين النقاط التي أثارت النقاش أيضا ما يتعلق بدفتر التحملات الخاص بالصفقة، حيث تشير معطيات متداولة إلى أن بعض المواصفات التقنية قد تتطابق بدرجة كبيرة مع خصائص نظام جراحي معين متداول في السوق الدولية، وهو ما قد يحدّ من نطاق المنافسة بين المصنعين.
وفي هذا السياق، يشدد المرصد المغربي لحماية المستهلك على ضرورة احترام مقتضيات المرسوم المنظم للصفقات العمومية، الذي ينص على ضمان تكافؤ الفرص بين الموردين وتفادي أي شروط تقنية قد تقيد المنافسة.
ويرى أن مثل هذه الاستثمارات الكبرى في القطاع الصحي تستدعي رقابة متعددة المستويات، سواء من خلال الرقابة البرلمانية أو عبر المؤسسات الدستورية المختصة بمراقبة المال العام.
وفي هذا الإطار، يمكن لعدد من المؤسسات أن تلعب دورا محوريا في تتبع مثل هذه الصفقات، من بينها المجلس الأعلى للحسابات، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إضافة إلى مجلس المنافسة، وذلك لضمان احترام مبادئ الشفافية وحسن تدبير الموارد العمومية.
ويجمع المتدخلون على أن إدخال الجراحة الروبوتية إلى المستشفيات العمومية يمثل خطوة مهمة نحو تحديث النظام الصحي وتعزيز جودة الخدمات الطبية. غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرتبطا بمدى احترام قواعد الحكامة الجيدة، وضمان المنافسة العادلة، واعتماد مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الكلفة الإجمالية للاستثمار وليس فقط ثمن الاقتناء.
ويبقى الهدف الأساسي، بحسب المتابعين، هو تحويل هذه التكنولوجيا المتقدمة إلى أداة حقيقية لتحسين جودة العلاج وضمان ولوج عادل للتقنيات الطبية الحديثة لفائدة المواطن المغربي، في إطار تدبير شفاف ومسؤول للمال العام.




تعليقات الزوار ( 0 )