تشهد العلاقات الاقتصادية بين المغرب وألمانيا مرحلة جديدة من الزخم، مع تزايد اهتمام الشركات الألمانية بالاستثمار في الأقاليم الجنوبية للمملكة، في تحول يعكس رهانات استراتيجية مشتركة تتجاوز التعاون التقليدي نحو بناء شراكة اقتصادية عميقة وممتدة جغرافياً نحو القارة الإفريقية.
وبحسب معطيات اقتصادية حديثة، برزت جهة الداخلة وادي الذهب والأقاليم الجنوبية عموما كوجهة استثمارية صاعدة، مدفوعة بعوامل متعددة تشمل الاستقرار السياسي، والبنية التحتية المتطورة، والرؤية الاستراتيجية للمغرب في ربط اقتصاده بعمقه الإفريقي، خاصة عبر المبادرات الملكية ذات البعد الأطلسي.
وفي ظل تحولات جيوسياسية تؤثر بشكل متزايد على قرارات الاستثمار العالمية، أصبح المغرب شريكا مفضلا لعدد متزايد من الفاعلين الاقتصاديين الألمان، الذين يرون فيه منصة موثوقة للولوج إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية على حد سواء.
وخلال فعاليات اقتصادية احتضنتها برلين مؤخرا، عبّرت مؤسسات تمثل المقاولات الصغرى والمتوسطة في ألمانيا عن اهتمام متزايد بفرص الاستثمار في المغرب، خصوصا في مناطقه الجنوبية التي باتت تنظر إليها كمجال واعد للمشاريع طويلة الأمد.
كما عززت زيارات ميدانية لوفود اقتصادية ألمانية إلى مدينة الداخلة هذا التوجه، حيث اطلعت على بيئة استثمارية مواتية، تشمل تجهيزات لوجستية حديثة، ودعماً مؤسساتيا محليا، فضلا عن إمكانيات نمو واعدة في عدة قطاعات.
وتتوزع اهتمامات الشركات الألمانية على مجموعة من القطاعات الحيوية، في مقدمتها الصناعة، وصناعة السيارات، والتكنولوجيا المتقدمة، والخدمات اللوجستية، إلى جانب الصناعات الدوائية.
ففي المجال الصناعي، تواصل مجموعات ألمانية توسيع حضورها عبر مشاريع جديدة وتوسعة منشآت قائمة، ما يعزز من اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية. كما يشهد قطاع السيارات دينامية لافتة، مع استثمارات ضخمة مرتقبة توفر آلاف مناصب الشغل.
أما في قطاع التكنولوجيا، فتتجه شركات ألمانية إلى تطوير مراكز للبرمجيات والحلول الرقمية، إلى جانب مشاريع لتكوين الكفاءات المحلية في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ما يعكس توجهاً نحو اقتصاد قائم على المعرفة.
وفي المجال اللوجستي، تخطط شركات كبرى لإقامة منصات متطورة تدعم سلاسل التوريد، مستفيدة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب كبوابة نحو إفريقيا.
المؤشرات الاقتصادية تعكس قوة العلاقات الثنائية بين الرباط وبرلين، حيث يتجاوز عدد الشركات الألمانية العاملة في المغرب 300 شركة، توفر نحو 35 ألف فرصة عمل.
كما سجلت الاستثمارات الألمانية المباشرة نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، لتبلغ نحو 2.1 مليار يورو في 2024، ما يجعل ألمانيا من بين أبرز المستثمرين الأجانب في المملكة.
وفي المجال التجاري، بلغ حجم المبادلات بين البلدين حوالي 7.4 مليار يورو في 2025، مع توازن نسبي بين الصادرات والواردات، ما يعكس دينامية متصاعدة في العلاقات الاقتصادية.
وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الاقتصادي، أمين سامي، أن التوجه نحو الأقاليم الجنوبية يعكس تحولا نوعيا في الرؤية الاستثمارية، حيث لم تعد هذه المناطق هامشية، بل أصبحت محورا استراتيجيا ضمن مشاريع الربط القاري، خاصة في ظل مبادرات تهدف إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي.
وأوضح سامي في حديث مع جريدة “الشعاع”، أن هذه الدينامية تتيح فرصا مزدوجة، من خلال تعزيز التنمية المحلية وخلق فرص الشغل، وفي الوقت ذاته تمكين الشركات الأجنبية من توسيع نطاق أعمالها في أسواق جديدة.
وتستند الشراكة المغربية الألمانية إلى إطار قانوني ومؤسساتي متين، يشمل اتفاقيات لحماية الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي، إضافة إلى شراكات في مجالات الطاقة والمناخ، ما يعزز من استدامة هذا التعاون.
ويرى الخبير الاقتصادي، أن الأقاليم الجنوبية للمغرب مرشحة لتكون أحد أبرز مراكز الجذب الاستثماري في المنطقة، في وقت تسعى فيه برلين إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية، ويواصل فيه المغرب ترسيخ موقعه كفاعل اقتصادي محوري يربط بين أوروبا وإفريقيا.



تعليقات الزوار ( 0 )