
إذا أردنا قراءة ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بعد صعود محمد شوكي إلى الواجهة القيادية، فلا يمكن الاكتفاء بالتحليل التنظيمي السطحي، لأن التحولات التي تمر بها الأحزاب المرتبطة بشخصية قيادية قوية غالبا ما تكون لحظات كاشفة لطبيعة السلطة داخلها، ولمدى استقلال المؤسسات عن الزعامة الفردية. فعالم الاجتماع ماكس فيبر حين تحدث عن السلطة الكاريزمية كان يقصد تلك القدرة الاستثنائية التي تجعل الأتباع لا يرتبطون بالحزب بقدر ما يرتبطون بالشخص، وحين يغيب هذا الشخص تبدأ التنظيمات في اختبار حقيقي لمدى تماسكها الذاتي.
فحزب التجمع الوطني للأحرار منذ إعادة بنائه خلال العقد الأخير، لم يكن مجرد جهاز انتخابي تقليدي بل أصبح فضاء سياسيا أعيد تشكيله حول قيادة مركزية قوية تمثلت في عزيز أخنوش، بما امتلكه من نفوذ اقتصادي وشبكات علاقات سياسية وقدرة على ضبط التوازنات الداخلية، وهو ما جعل عددا كبيرا من الأعيان والفاعلين المحليين يقفزون من إطارات حزبية اخرى ويدخلون حزبه عبر بوابة الزعامة لا عبر التراكم التنظيمي أو الهوية الفكرية.
وعند انتقال القيادة إلى محمد شوكي تظهر إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة الرأسمال الرمزي داخل الحزب، فعالم الاجتماع التنظيمي بيير بورديو يميز بين الرأسمال الاقتصادي والرأسمال الرمزي ويشير إلى أن الزعيم السياسي يحتاج إلى الاعتراف الجماعي الذي يمنحه شرعية القيادة، والمشكلة الكبرى أمام شوكي ليست في الكفاءة التقنية أو الخبرة المالية، بل في محدودية الحضور الجماهيري وغياب تلك الهالة القيادية التي تجعل المناضلين والأعيان يرون فيه مركز جذب.
وفي السياق المغربي حيث تلعب الشخصية القيادية دورا محوريا في صناعة التحالفات الانتخابية، يصبح ضعف الكاريزما عاملا حاسما في إعادة تموضع النخب المحلية، فالمفكر الايطالي أنطونيو غرامشي تحدث عن مفهوم الهيمنة باعتبارها القدرة على الجمع بين الإقناع والقوة التنظيمية، وأي قيادة لا تمتلك القدرة على إنتاج خطاب تعبوي جامع تصبح رهينة البيروقراطية الحزبية لا صانعة لها.
إن المسألة لا تتعلق بمدة انتماء محمد شوكي للحزب فحسب بل بنمط صعوده السريع داخل الهرم التنظيمي، وهو ما قد يفسر داخل بعض الدوائر كنتاج لترتيبات قيادية أكثر منه نتيجة صراع انتخابي داخلي، وقد تطرق العالم روبرت ميخلز في حديثه عن القانون الحديدي للأوليغارشية، فرأى أن الأحزاب تميل إلى إعادة إنتاج نخب مغلقة تحافظ على استمرارية السلطة عبر توافقات داخلية، لكن هذا النمط يحمل في طياته مخاطر فقدان الحيوية التنظيمية عندما يغيب القائد الذي كان يضبط توازنات المصالح. وفي حالة حزب الأحرار فالثابت أن الكثير من الأعيان ومن صقور الحزب لم يكونوا منخرطين في مشروع سياسي متكامل بقدر ما كانوا جزءا من شبكة نفوذ مرتبطة بقيادة أخنوش، ومع تغير رأس الهرم قد يجد هؤلاء أنفسهم في حالة بحث عن مواقع سياسية جديدة داخل أحزاب أخرى توفر لهم نفس الامتيازات أو فرص التموقع الانتخابي.
إن إخضاع ما يقع اليوم داخل حزب التجمع الوطني للأحرار إلى التحليل المقارن مع تجارب حزبية أخرى في المغرب يظهر أن الأحزاب التي بنيت حول شخصيات قوية عانت بعد مغادرة زعمائها من ظاهرة التفكك التدريجي أو إعادة الاصطفاف، وفي هذا الصدد فإن الفيلسوف ميشيل فوكو عندما تحدث عن السلطة باعتبارها شبكة علاقات متحركة لا مركزا ثابتا، كان يلمح إلى أن غياب مركز الجذب يعيد توزيع القوة داخل البنية، وهو ما قد يحدث داخل الأحرار حيث تبدأ القيادات الجهوية في اختبار حدود ولائها للقيادة الجديدة، وهذه الدينامية قد تؤدي إلى انتقال عدد من المنتخبين والأعيان إلى أحزاب أخرى ذات فرص انتخابية أفضل، خاصة في ظل المنافسة الشديدة على المواقع المحلية والبرلمانية.
وأما على مستوى هندسة الحكومة المقبلة، فإن ضعف الحضور القيادي لرئيس الحزب قد ينعكس في تراجع قدرة الأحرار على فرض أجندته داخل التحالفات، إن جيوفاني سارتوري أحد أبرز منظري الأنظمة الحزبية، يرى أن قوة الحزب في المفاوضات الحكومية ترتبط بوزنه الانتخابي وبكاريزما قيادته وقدرته على المناورة السياسية، فإذا فقد الحزب جزءا من أعيانه ونخبه المحلية فمن المرجح بل والأكيد أن ينخفض رصيده الانتخابي، ويجعله أقرب إلى موقع الشريك الثانوي بدل القائد للتحالفات، وفي المغرب حيث تلعب الاعتبارات التوافقية دورا كبيرا في تشكيل الحكومات، قد يصبح حزب التجمع الوطني للأحرار أقل تأثيراً في توزيع الحقائب وفي تحديد أولويات السياسات العمومية.
ثم أنه عند النظر إلى مستقبل الحزب انتخابيا يظهر سيناريو تراجع واضح، ذلك أن النظريات المتعلقة بـإرهاق الحزب الحاكم تشير إلى أن الأحزاب التي تقود الحكومة تواجه صعوبة في الحفاظ على زخمها الشعبي بسبب تراكم الانتقادات وتحملها مسؤولية القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وعندما يضاف إلى ذلك عامل انتقال القيادة إلى شخصية ذات حضور جماهيري محدود، فإن القدرة على تعبئة الناخبين تتقلص بشكل ملحوظ، وهنا يمكن استحضار تحليلات يورغن هابرماس حول الشرعية التواصلية حيث يحتاج القائد السياسي إلى بناء علاقة خطابية مع الجمهور، وهو عنصر لا يزال ضعيفا في تجربة محمد شوكي مقارنة بسلفه.
والقول بأن الحزب لن يحصل على المرتبة الأولى أو حتى الثانية فهو أمر يستند إلى قراءة مجموعة من المؤشرات المحتملة، منها تراجع الجاذبية القيادية والاحتمال شبه المؤكد لمغادرة عدد من الأعيان، أضف للأمر بروز منافسين أكثر تنظيما وأكثر حضورا شعبيا، إضافة إلى حالة التآكل الطبيعي التي تصيب الأحزاب الحكومية، وإذا تحققت موجة انتقالات نحو أحزاب أخرى، فإن ذلك سيؤدي إلى تفكك القاعدة الانتخابية التي كانت تقوم على شبكات محلية قوية، فالعالم ريمون آرون كان يؤكد أن النخب السياسية تتحرك وفق منطق المصالح أكثر من منطق الولاء الإيديولوجي، وهو ما يفسر إمكانية إعادة الاصطفاف الحزبي بسرعة عندما تتغير موازين القوة.
صفوة القول أن المسار الذي قد يسلكه حزب التجمع الوطني للأحرار في ظل قيادة محمد شوكي يبدو محفوفا بتحديات ثقيلة تتجاوز مسألة التنظيم الداخلي إلى سؤال الشرعية القيادية وقدرة الرئيس الجديد على بناء زعامة قادرة على تعويض غياب الشخصية المؤسسة للمرحلة السابقة، ومن دون كاريزما سياسية واضحة ومن دون شبكة ولاءات مستقلة قد يجد الحزب نفسه في مرحلة انتقالية طويلة تتسم بإعادة توزيع القوة داخله وخارجه، ومع كل انتقال محتمل للأعيان والقيادات الجهوية إلى أحزاب أخرى، تتقلص فرصه في الحفاظ على موقع الصدارة الانتخابية، ومع أن السياسة بطبيعتها مفتوحة على المفاجآت فإن المؤشرات التي يمكن استقراؤها من تجارب الأحزاب المماثلة ومن النظريات الكلاسيكية في تحليل النخب والقيادة توحي بأن الحزب مقبل على مرحلة تراجع قوي ولو كان بشكل نسبي قد تجعله بعيدا عن المراتب الأولى في أي استحقاقات انتخابية مقبلة إذا لم يتمكن من إنتاج زعامة جديدة قادرة على استعادة الثقة وبناء مشروع تعبوي جامع.



تعليقات الزوار ( 0 )