تتزايد النقاشات حول قدرة الاقتصاد المغربي على تحقيق التوازن بين وتيرة النمو ومتطلبات التشغيل، في ظل مؤشرات البنك الدولي التي تكشف عن فجوة متنامية بين خلق الثروة وإحداث فرص العمل، وهذه المفارقة تعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النمو المعتمد، ومدى انعكاسه على مختلف الفئات الاجتماعية؛ خاصة الشباب والنساء.
وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى قراءة أعمق للاختلالات البنيوية التي تعيق تحويل الدينامية الاقتصادية إلى فرص شغل مستدامة، بما يفرض إعادة التفكير في أدوار الفاعلين الاقتصاديين، من دولة وقطاع خاص، وكذا في آليات التوزيع والإدماج الاقتصادي، ضمن رؤية أكثر توازنًا وعدالة.
❖ النموذج التنموي
يرى محمد أفزاز، الخبير والمحلل الاقتصادي المقيم في قطر، أن المغرب انتقل خلال السنوات الأخيرة من نموذج تنموي سابق إلى نموذج جديد؛ مدعومًا بتقارير ومواكبة دولية تهدف إلى دعم شروط تنزيل هذا التحول.
ولفت أفزاز في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن هذا الانتقال، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة تجاوز كل الإشكالات البنيوية التي رافقت التجارب السابقة، بل يعكس استمرار بعض التحديات في ثوب جديد.
وأكد على أن هذه التقارير تندرج ضمن سياق تعزيز مخرجات النموذج التنموي الجديد، لكنها في الآن ذاته تسلط الضوء على واقع اقتصادي مركب، يحتاج إلى مزيد من التقييم والتقويم لضمان تحقيق الأهداف المرجوة منه.
وشدد على أن النموذج المغربي؛ سواءً في صيغته السابقة أو الحالية، لا يمكن وصفه بالفشل، بل هو نموذج حقق نجاحات نسبية، لكنه في حاجة إلى تعديلات عميقة تجعله أكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية والاستفادة من التجارب المقارنة.
❖ مفارقة النمو
يبرز أفزاز أن الاقتصاد المغربي ما يزال يعيش مفارقة واضحة بين النمو الاقتصادي ونتائجه على مستوى التشغيل، حيث لا ينعكس هذا النمو بشكل كافٍ على خلق فرص العمل.
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذه المفارقة تعكس إشكالية أعمق تتعلق بتوزيع ثمار النمو بين مختلف الفاعلين والفئات.
وأردف أن هذه الوضعية تؤكد وجود فجوة بين النمو والتنمية، أي بين تحقيق أرقام اقتصادية إيجابية وبين استفادة المواطنين منها بشكل مباشر؛ خاصة فيما يتعلق بفرص الشغل وتحسين مستوى العيش.
وأشار إلى أن الاقتصاد المغربي يخلق سنويًا حوالي 215 ألف فرصة عمل، وهو رقم يظل دون المستوى المطلوب لضمان استقرار معدلات التشغيل، مما يكرس عجزًا بنيويًا ينعكس في ارتفاع معدلات البطالة.
❖ الاستثمار العمومي
يشدد أفزاز على أن النمو في المغرب ظل مدعومًا بشكل أساسي بالاستثمارات العمومية، وهو خيار كان ضروريًا خلال العقود الماضية لتطوير البنية التحتية وإطلاق مشاريع كبرى، حيث ساهم هذا التوجه في تحقيق نوع من الاستقرار الماكرو-اقتصادي.
وأردف أن هذا النمط من الاستثمار رغم إيجابياته، لم يترجم بشكل كافٍ إلى رفع الإنتاجية، ما يطرح إشكالية مردودية هذه الاستثمارات على مستوى خلق القيمة المضافة وفرص العمل.
وأكد على أن تجاوز هذا التحدي يتطلب التحول نحو نموذج استثماري أكثر توجهًا نحو الإنتاجية، بما يضمن تحقيق توازن بين تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
❖ الإنتاجية والتشغيل
يربط أفزاز بشكل مباشر بين ضعف الإنتاجية والعجز في خلق فرص العمل، معتبرًا أن أي نمو لا يترجم إلى إنتاجية مرتفعة سيظل عاجزاً عن امتصاص البطالة، لافتًا إلى أن الإنتاجية هي المحرك الأساسي لخلق وظائف مستدامة.
وأضاف أن غياب هذا الترابط في الحالة المغربية أدى إلى استمرار معدلات بطالة مرتفعة، رغم حجم الاستثمارات، ما يعكس خللاً في هيكلة الاقتصاد وطبيعة القطاعات المستفيدة من هذه الاستثمارات.
وأوضح أن تحقيق إنتاجية أعلى؛ من شأنه أن يخلق دينامية اقتصادية قادرة على توليد فرص شغل كافية، وتحسين مستويات الدخل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
❖ تحديات هيكلية
من بين أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد المغربي، يبرز أفزاز هيمنة القطاع غير المهيكل على خلق فرص العمل، في مقابل ضعف مساهمة القطاع المنظم، وهو ما يؤثر سلبًا على جودة الوظائف واستدامتها.
وأشار إلى ضعف مشاركة النساء والشباب في سوق الشغل، رغم كونهما يشكلان رافعة تنموية أساسية، وهو ما يحرم الاقتصاد من طاقات بشرية مهمة قادرة على تعزيز النمو.
وأردف أن هناك أيضًا تحديات مرتبطة بعدم ملاءمة مخرجات التعليم مع متطلبات السوق، ما يفسر صعوبة إدماج الخريجين، فضلاً عن محدودية دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة وضعف الابتكار لدى الشركات الكبرى.
❖ إصلاحات مطلوبة
يدعو أفزاز إلى إصلاحات تشريعية تضمن استقرار العلاقة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، بما يعزز ثقة المستثمرين ويشجع على التوسع والاستثمار.
وشدد الخبير والمحلل الاقتصادي على ضرورة مراجعة النظام الضريبي لتخفيف العبء على الشركات وتحفيزها على إعادة استثمار أرباحها.
وأكد على أهمية تقليص مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في الولوج إلى التمويل البنكي، بما يتيح لهذا الأخير فرصًا أكبر للنمو وخلق الوظائف.
ونادى بإدماج الشباب والنساء من خلال سياسات موجهة، وتطوير مناهج التعليم، ودعم البحث والابتكار، إلى جانب تعزيز دور المقاولات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركاً أساسياً للتشغيل.
❖ بيئة الأعمال
يشير أفزاز إلى أهمية توفير بيئة استثمارية مستقرة تقوم على المنافسة العادلة ومحاربة الاحتكار، بما يعزز ثقة المستثمرين ويشجعهم على توجيه استثماراتهم نحو قطاعات منتجة.
وأكد على ضرورة تمكين مؤسسات المنافسة من أداء دورها بشكل فعال، لضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
وشدد على أن غياب هذه الشروط قد يدفع المستثمرين إلى الانسحاب أو توجيه استثماراتهم نحو أنشطة أقل إنتاجية، ما ينعكس سلبًا على النمو والتشغيل.
❖ رهان المناخ
يلفت أفزاز إلى تأثير التغيرات المناخية على الاقتصاد المغربي؛ خاصة في ظل ارتباط جزء مهم من النمو بالقطاع الفلاحي، حيث إن التقلبات المناخية تؤثر بشكل مباشر على فرص العمل في العالم القروي.
وأكد على أن مواجهة هذا التحدي تتطلب تطوير نماذج فلاحية أكثر استدامة، مثل توسيع الزراعات السقوية والرهان على الزراعة العضوية ذات القيمة المضافة العالية.
وشدد على أن هذا الرهان يشكل فرصة لتعزيز سلاسل القيمة الفلاحية، والاستجابة للطلب الدولي، بما يساهم في دعم النمو وخلق فرص الشغل.





تعليقات الزوار ( 0 )