أسفرت عملية أمنية واسعة شارك فيها أكثر من 250 عنصرًا عن تفكيك شبكة إجرامية عابرة للقارات، بعد اكتشاف نفق سري عالي التعقيد يربط بين المغرب ومدينة سبتة، مكن من تهريب كميات ضخمة من المخدرات بعيدًا عن أعين المراقبة، حيث أفضت هذه العملية إلى اعتقال 27 شخصًا، وحجز أزيد من 17.2 طنًا من الحشيش و88 كيلوغرامًا من الكوكايين، إضافة إلى أكثر من 1.4 مليون يورو ومعدات لوجستية متطورة، ما يؤكد حجم وخطورة هذه الشبكة التي وصفت بـ”شبكة الشبكات”.
ويعكس نجاح هذه العملية مستوى متقدما من التنسيق الأمني المغربي الإسباني في مواجهة الجريمة المنظمة، حيث أسهم تبادل المعلومات والتدخل الميداني المتزامن في تفكيك البنية اللوجستية للنفق من الجانبين، كما يبرز هذا التعاون الثنائي كآلية حاسمة للتصدي لتحولات شبكات التهريب التي باتت تعتمد تقنيات هندسية معقدة، بما يعزز الأمن الإقليمي ويؤكد نجاعة الشراكة بين الرباط ومدريد في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
-تحول نوعي
يعتبر محمد الطيار، الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن العملية الأمنية المشتركة بين المغرب وإسبانيا تكشف عن تحول عميق في أساليب التهريب الدولي، بعد ضبط نفق معقد يربط بين مدينة سبتة المحتلة وباقي التراب الوطني، استخدم لتمرير كميات كبيرة من المخدرات بعيدا عن أعين المراقبة التقليدية.
وأبرز الطيار في تصريح لجريدة “الشعاع”، أنه لا تبرز أهمية هذه العملية فقط من خلال حجم المحجوزات أو عدد الموقوفين، بل أيضًا من خلال طبيعة الوسائل المعتمدة، والتي تعكس قفزة نوعية في أدوات الجريمة المنظمة.
وأوضح أن هذا التطور يعكس انتقال الشبكات الإجرامية من الاعتماد على الوسائل التقليدية؛ كالقوارب السريعة أو المسالك البرية، إلى تبني بنى تحتية سرية تتسم بالتعقيد والدقة، وهو ما يؤشر على مرحلة جديدة من التحديات الأمنية.
ولفت الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، إلى أن هذا التحول يعيد طرح سؤال جاهزية الأجهزة الأمنية لمواكبة هذا النوع من التهديدات المتطورة، التي تتطلب إمكانيات تقنية واستخباراتية متقدمة.
وأضاف أن هذه العملية تؤكد في عمقها، أن الجريمة المنظمة لم تعد مجرد نشاط عشوائي، بل أصبحت بنية منظمة تشتغل وفق تخطيط محكم ورؤية استراتيجية، بما يجعلها قادرة على التكيف السريع مع مختلف الضغوط الأمنية المفروضة عليها.
-“ابتكار إجرامي”
يشير محمد الطيار إلى أن لجوء هذه الشبكات إلى حفر أنفاق متطورة يفسر بارتفاع مستوى الضغط الأمني على المسارات التقليدية، سواءً البرية أو البحرية، وهو ما يدفعها إلى البحث عن بدائل أكثر سرية وأقل عرضة للرصد.
ونبه رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، إلى أن الأنفاق في هذا السياق، تمثل خيارًا استراتيجيًا يتيح تمرير الشحنات في ظروف آمنة نسبيًا، بعيدًا عن أعين الرقابة.
وأبرز أن بناء مثل هذه الأنفاق يتطلب استثمارات مالية ضخمة ومدة زمنية طويلة لإنجازه، ما يدل على توفر هذه الشبكات على إمكانيات لوجستية وتقنية عالية، فضلاً عن خبرات هندسية متخصصة.
واعتبر الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، أن ما سبق ذكره؛ يعكس بدوره طبيعة التحول الذي تعرفه الجريمة المنظمة، من أنشطة تقليدية إلى منظومات احترافية تعتمد على التكنولوجيا والتخطيط طويل الأمد.
ولفت إلى أن هذه المعطيات تشير إلى أن هذه الشبكات لم تعد مجرد مجموعات محلية معزولة، بل أصبحت كيانات عابرة للحدود، تشتغل وفق تقسيم دقيق للأدوار، وتستفيد من خبرات متعددة، ما يعقد من مهمة تفكيكها ويستدعي مقاربات أمنية أكثر شمولية ومرونة.
-تنسيق متقدم
يشدد محمد الطيار على أن هذا الملف يعكس تحولاً نوعيًا في طبيعة التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا، حيث لم يعد هذا التعاون يقتصر على تبادل المعلومات الاستخباراتية، بل تطور ليشمل تنسيقًا ميدانيًا مباشرًا وعمليات مشتركة تستهدف البنيات التحتية للشبكات الإجرامية.
وأكد أن هذا التكامل بين الجانبين؛ سواءً على مستوى التحليل الاستخباراتي أو التدخل العملياتي، يعزز من فعالية الجهود الأمنية ويزيد من فرص تفكيك الشبكات المعقدة.
وأبرز رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن هذا التعاون يكرس مستوى عالي من الثقة بين الرباط ومدريد، ويؤسس لشراكة استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
وأضاف أن هذا الأمر لا يقتصر على محاربة تهريب المخدرات فقط، بل يمتد ليشمل مجالات أخرى كالتصدي للإرهاب والهجرة غير النظامية، ما يجعله نموذجًا إقليميًا في تدبير القضايا الأمنية العابرة للحدود؛ خاصة في منطقة تتسم بحساسية جيوسياسية كبيرة كغرب المتوسط.
-رهانات مستقبلية
يعتبر محمد الطيار أن هذا النوع من العمليات ينذر بمرحلة جديدة في إدارة الأمن بمنطقة غرب المتوسط، حيث ستتجه الدول إلى تعزيز استخدام التكنولوجيا في المراقبة، وتطوير أدوات الرصد المبكر، إلى جانب تكثيف التعاون الإقليمي والدولي.
وأوضح أن تعقيد الشبكات الإجرامية يفرض اعتماد مقاربات استباقية قائمة على تحليل المخاطر والتنبؤ بالتهديدات، بدل الاكتفاء بردود الفعل التقليدية، وهو ما يتطلب استثمارات أكبر في مجال الاستخبارات والتكوين والتجهيزات التقنية.
ولفت إلى أن هذا التحول يطرح تحديات على المستوى الدولي، من حيث ضرورة إعادة النظر في سياسات مكافحة الجريمة المنظمة، بما يواكب قدرتها المتزايدة على التكيف والابتكار.
وأكد الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، على أن المواجهة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت رهانًا استراتيجيًا يهم استقرار الدول وأمنها على المدى البعيد.



تعليقات الزوار ( 0 )