
لم تعد الصراعات في المنطقة العربية (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) تُدار وفق النموذج التقليدي للمواجهة المباشرة بين الدول، وذلك بسبب ارتفاع تكلفة الحروب، وتداخل المصالح الدولية، وضغط الرأي العام العالمي، وهو ما يدفع القوى الكبرى والإقليمية إلى تبني استراتيجيات أقل كلفة وأكثر مرونة، عبر نقل الصراعات إلى ساحات بديلة ذات هشاشة سياسية وأمنية واضحة، وهو ما يُعرف في أدبيات الجغرافيا السياسية بـ”نظرية الإزاحة”.
هذه النظرية تشير إلى أن الصراع لا يختفي عند استحالة خوضه بشكل مباشر، بل ينقل إلى دول تواجه تحديات انتقالية أو تعاني انقسامات داخلية وضعفا في القرار السيادي، حيث تدار المواجهات بصيغ غير مباشرة مثل الصراعات بالوكالة، والاستنزاف الطويل، والإرباك الأمني والسياسي، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وتمثل سوريا المثال الأبرز لتطبيق نظرية الإزاحة، إذ تحولت الأزمة الداخلية إلى مسرح صراع دولي مفتوح تشارك فيه قوى كبرى وإقليمية، دون مواجهات مباشرة فيما بينها، فيما تحملت الدولة والمجتمع السوري العبء الأكبر للكلفة الإنسانية والسياسية.
لبنان واليمن أيضا يعكسان هذه الظاهرة، حيث يتبدى الصراع في تعطيل مؤسساتي مزمن وانقسامات سياسية عميقة، دون تصاعد إلى حرب شاملة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالمنطقة العربية وحسب، بل هي أداة عالمية لإدارة النزاعات، كما يتضح في مناطق شرق أوروبا ودول الساحل الإفريقي، حيث تُدار صراعات النفوذ عبر جماعات محلية في بيئات هشة.
وأما دولة ليبيا، وبالرغم من عدم وصولها إلى انفجار مماثل مثل سوريا، فهي الأخرى تواجه شروطا بنيوية مشابهة تتيح تطبيق منطق الإزاحة، لأنها دولة ذات موقع استراتيجي حساس، وموارد طاقة مهمة، وتقاطع ملفات الأمن والهجرة والنفوذ الإقليمي في شمال إفريقيا، لكنها تعاني من انقسام سياسي وهشاشة مؤسساتية وتعدد مراكز القرار، ما يجعلها عرضة لأن تتحول إلى ساحة استنزاف صامت عبر تراكم الأزمات وتعطيل الحلول السياسية.
تظهر مؤشرات الإزاحة في ليبيا من خلال تعدد المسارات الدولية المتوازية، واستمرار الانقسام السياسي، وعجز مؤسسات الدولة عن أداء دورها السيادي، مع تسييل قضايا الأمن والطاقة والهجرة لصالح حسابات خارجية، ما يجعل ليبيا حلبة لتفريغ التوترات الإقليمية بدلا من أن تكون لاعبًا فاعلا في إدارتها.
تزداد خطورة هذه الظاهرة في ظل التحولات الدولية والإقليمية، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، حيث يتزايد دور الأطراف الإقليمية الجديدة، وتتعقد توازنات شرق المتوسط، مما يجعل ليبيا جزء من حسابات الصراع غير المباشر، تديره أدوات الإزاحة مثل الإرباك الأمني والتعطيل السياسي وضرب الثقة المؤسسية، مع ما يترتب على ذلك من استنزاف طويل الأمد.
هذه العلاقات لا تُقرأ فقط من زاوية النوايا الثنائية، بل ضمن شبكة مصالح وتوازنات إقليمية معقدة.
نظرية الإزاجة لا تستعمل لتوجيه اتهامات، بل لفهم البيئة المحيطة، وتقدير المخاطر، وبناء سياسات وقائية.
ليبيا اليوم، على سبيل المثال، لا تشهد انفجارا مسلحا مثل سوريا، لكنها تتحرك ضمن إطار هشاشة وبنيوية مشابهة، حيث يهددها استنزاف صامت يضعف سيادتها وقدرتها على التحكم بمصيرها.
كسر هذا المسار، والذي تتبناه القوى الكبرى والإقليمية في استراتيجياتها في البيئات الهشة، يتطلب تحصين الداخل عبر بناء مؤسسات فعالة، وتوحيد مركز القرار، وامتلاك رؤية استراتيجية لإدارة العلاقات الخارجية.






تعليقات الزوار ( 0 )