تشهد الساحة الدولية تحولات عميقة في ظل الحرب الدائرة في إيران، حيث لم يعد الصراع محصورا في بعده الإقليمي أو المرتبط بالبرنامج النووي، بل تحول إلى مواجهة ذات أبعاد استراتيجية تمس بنية النظام العالمي الناشئ.
وفتحت الضربات التي استهدفت منشآت عسكرية وبنية تحتية ومراكز قرار داخل إيران، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى، الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم موازين القوى الدولية.
وبحسب تحليل نشره مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (ME Council) بتاريخ 8 أبريل 2026، فإن ما يحدث يتجاوز كونه حربا تقليدية، ليشكل محاولة مباشرة لضرب القلب الجغرافي لمشروع أوراسي تقوده كل من الصين وروسيا، ويهدف إلى تقليص الهيمنة الغربية على النظام الدولي.
وتحتل إيران موقعا فريدا يجعلها حلقة وصل بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط والمحيط الهندي، حيث يمنحها هذا الموقع دورا محوريا في مشاريع كبرى، أبرزها مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب الذي تراهن عليه موسكو لتجاوز القيود الغربية.
وضمن هذا السياق، عملت الصين على تطوير موانئ إيرانية وتحويلها إلى مراكز لوجستية تربط خطوط السكك الحديدية الممتدة من شرق آسيا نحو أوروبا.
وذهب التقرير بالقول إن روسيا تعتمد على الأراضي الإيرانية كمعبر استراتيجي نحو الأسواق الهندية، خاصة بعد تقييد طرقها التقليدية بفعل العقوبات.
وأوضح، أن استهداف إيران عسكريا لا يقتصر على إضعاف دولة بعينها، بل يؤدي إلى تعطيل شبكة ترابط جغرافي واقتصادي تمتد عبر القارة الأوراسية بأكملها.
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الحيوية في الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط، إذ أن قرار إغلاقه أدى إلى تراجع حاد في حركة الناقلات وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل.
ووضع هذا التطور الدول الكبرى، وعلى رأسها الصين، أمام معضلة حقيقية، إذ تعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة القادمة عبر هذا المضيق.
وكانت النتيجة المباشرة ضغطا اقتصاديا على حلفاء إيران أنفسهم، ما كشف تناقضا داخل منظومة التحالفات التي يفترض أنها تدعم طهران.
وكشفت الأيام الأولى للحرب عن غياب رد عملي من الصين وروسيا، رغم التصريحات المنددة بالهجمات. وهذا الموقف أبرز ضعفا بنيويا في ما يوصف بمحور “التعددية القطبية”، حيث تظل العلاقات بين أطرافه محكومة باعتبارات اقتصادية وسياسية دون أن ترتقي إلى مستوى تحالفات عسكرية ملزمة.
وشدد التقرير على أن غياب الدعم الميداني لإيران في لحظة حرجة يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذا المحور على توفير مظلة أمنية حقيقية لشركائه، خصوصا في مواجهة قوة عسكرية غربية مباشرة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى نمط أوسع من التحركات الدولية، يستهدف مراكز أساسية في الشبكات الاقتصادية البديلة للنظام المالي الغربي. من فنزويلا إلى إيران، تتعرض نقاط ارتكاز مشاريع غير الدولار لضغوط متزايدة.
وتمنح السيطرة على الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الولايات المتحدة نفوذا مباشرا على تدفقات الطاقة نحو آسيا، ما يعزز موقعها في مواجهة محاولات بناء نظام مالي وتجاري مواز.
وتمثل الحرب الحالية اختبارا حقيقيا لمستقبل التعددية القطبية، حيث إن قدرة الولايات المتحدة على تعطيل مشاريع الربط الأوراسي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، سواء عبر إبطاء صعود قوى منافسة أو دفعها نحو خيارات أكثر تصادمية.
في المقابل، قد تدفع هذه الضغوط الصين وروسيا إلى تسريع البحث عن بدائل أكثر استقلالية، سواء على مستوى الطاقة أو الممرات التجارية أو الأنظمة المالية.
ويرى مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، أن المشهد الدولي يدخل مرحلة من عدم اليقين، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية مع الاقتصادية والجيوسياسية بشكل غير مسبوق، لافتا إلى أن استمرار الحرب أو توسعها قد يعيد رسم خريطة التحالفات ويغير قواعد اللعبة العالمية.




تعليقات الزوار ( 0 )