تشهد المملكة خلال الأسابيع الأخيرة تقلبات جوية حادة وانتقالات سريعة بين أجواء باردة وتساقطات ثلجية بالمرتفعات، وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة بعدد من المناطق الداخلية والساحلية، في مشهد مناخي بات يثير قلق المتتبعين والفاعلين البيئيين، حيث تأتي هذه التحولات في سياق تحذيرات متزايدة من تنامي الظواهر المناخية المتطرفة وتأثيراتها المباشرة على الموارد الطبيعية والتوازنات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة المغرب على التكيف مع واقع مناخي جديد يتسم بتكرار موجات الحر والجفاف وتراجع الموارد المائية؛ خاصة مع تسجيل درجات حرارة تفوق المعدلات الموسمية المعتادة بعدد من الأقاليم، كما تطرح هذه التحولات تساؤلات حول جاهزية القطاعات الحيوية لمواجهة تداعيات التغير المناخي، في ظل تزايد الضغوط على الماء والفلاحة والصحة والاقتصاد الوطني.
مؤشرات مقلقة
يرى المصطفى العيسات، الخبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، أن الانتقال السريع والمفاجئ من أجواء شتوية قاسية إلى حرارة شبه صيفية لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح يعكس واقعًا مناخيًا جديدًا يفرض نفسه بقوة على المغرب والمنطقة ككل.
وأوضح العيسات في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذه التحولات المناخية المتسارعة تثير العديد من التساؤلات المرتبطة بتأثيرات التغير المناخي على التوازنات البيئية والاقتصادية، وكذا حول مدى جاهزية القطاعات الحيوية لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
وأكد على أن مختلف المؤشرات العلمية والمعطيات المناخية تؤكد تسارع وتيرة التغير المناخي بالمغرب، مبرزًا أن سنة 2022 سجلت درجات حرارة قياسية تجاوزت المعدل المناخي العادي للفترة الممتدة ما بين 1981 و2010 بحوالي 1.63 درجة مئوية، وهو ما يعكس منحى تصاعديًا مقلقًا في درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة.
وأردف أن المغرب باعتباره جزءًا من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يعد من أكثر المناطق تأثرًا بالاحتباس الحراري على الصعيد العالمي، مشيرًا إلى أن التذبذب الحاد بين البرد القارس والحر الشديد أصبح سمة بارزة للمشهد المناخي الوطني، بفعل عوامل طبيعية مرتبطة بظواهر مناخية عالمية مثل “النينو”، إلى جانب عوامل بشرية ناتجة عن الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية وارتفاع الانبعاثات الكربونية.
ضغط مائي
فيما يتعلق بالانعكاسات البيئية، يشدد العيسات على أن أزمة الماء أصبحت في صلب التحديات المناخية التي تواجه المغرب؛ خاصة في ظل تراجع التساقطات المطرية وتزايد فترات الجفاف، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حقينة السدود التي سجلت مستويات مقلقة خلال السنوات الأخيرة.
وأبرز أن المياه الجوفية بدورها تعرف استنزافًا متواصلاً بسبب الاستغلال المفرط، ما يفاقم من أزمة الإجهاد المائي التي تعيشها المملكة.
ويرى أن التغير المناخي لا يهدد فقط الموارد المائية، بل يطال كذلك السواحل المغربية التي تعرف تراجعًا مستمرًا بفعل التعرية البحرية وارتفاع مستوى سطح البحر.
وفي هذا السياق، يشير الخبير البيئي إلى أن الخط الساحلي الأطلسي يتراجع بحوالي 12 سنتيمترًا سنويًا، وهو معطى يعكس حجم التحديات البيئية المرتبطة بالتغيرات المناخية، وما تفرضه من ضرورة تبني سياسات أكثر صرامة لحماية النظم البيئية الهشة وضمان استدامة الموارد الطبيعية.
اقتصاد هش
على المستوى الاقتصادي، يؤكد العيسات أن القطاع الفلاحي يعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالتقلبات المناخية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالتساقطات المطرية والموارد المائية، موضحًا أن الجفاف المتكرر أدى إلى فقدان نحو 20 %من المساحات المزروعة، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي ويرفع من كلفة استيراد المواد الأساسية.
وأردف أن التأثيرات المناخية لا تتوقف عند الفلاحة فقط، بل تمتد لتشمل قطاعات حيوية أخرى مثل السياحة والصناعة، حيث تؤثر موجات الحر وتآكل الشواطئ على جاذبية الوجهات السياحية، في وقت ترتفع فيه تكاليف الإنتاج الصناعي نتيجة ندرة المياه والطاقة.
وحذر من التداعيات الاجتماعية لهذه التحولات؛ خاصة ما يرتبط بفرص الشغل والهشاشة الاقتصادية بالمناطق القروية، معتبرًا أن استمرار التغيرات المناخية بالوتيرة الحالية قد يؤدي إلى تعميق الفوارق المجالية والاجتماعية إذا لم تتم مواكبتها بسياسات تنموية وبيئية فعالة.
تهديد صحي
في الجانب الصحي، يلفت العيسات إلى أن موجات الحر المتكررة أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة؛ خصوصًا بالنسبة للفئات الهشة كالأطفال والمسنين والأشخاص المصابين بالأمراض المزمنة، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع من مخاطر الإصابة بضربات الشمس والجفاف والإجهاد الحراري.
ولفت إلى أن التغيرات المناخية تسهم كذلك في تفاقم الأمراض التنفسية، نتيجة تزايد العواصف الترابية وحرائق الغابات التي أصبحت أكثر حدة مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الرطوبة.
ويرى الخبير أن هذه التطورات تضع ضغطًا إضافيًا على المنظومة الصحية الوطنية، وتفرض تعزيز قدرات الوقاية والتأهب الصحي؛ خاصة خلال فترات الحرارة المرتفعة والكوارث المناخية المتكررة.
رهانات التكيف
في مواجهة هذه التحديات، يؤكد العيسات أن المغرب أطلق خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الاستراتيجيات والبرامج الرامية إلى تعزيز قدرته على التكيف مع التغيرات المناخية، مشيرًا إلى أن مشاريع تحلية مياه البحر أصبحت تمثل أحد أهم الحلول الهيكلية لضمان الأمن المائي بالمملكة.
وأبرز في هذا الإطار أن تسع محطات لتحلية المياه دخلت حيز الخدمة بطاقة إنتاجية تصل إلى 147 مليون متر مكعب سنويًا، ضمن برنامج وطني ضخم للتزود بالماء تصل كلفته الاستثمارية إلى حوالي 115 مليار درهم خلال الفترة الممتدة ما بين 2020 و2027.
وأوضح أن المغرب يواصل رهانه على الطاقات المتجددة؛ خاصة الطاقة الشمسية والريحية، بهدف تقليص البصمة الكربونية وتعزيز الاقتصاد الأخضر، إلى جانب تطوير نماذج فلاحية مستدامة قادرة على مواجهة التقلبات المناخية وضمان صمود القطاع الفلاحي.
خيار وجودي
يشدد العيسات على أن مواجهة التغير المناخي لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت رهانا وجوديًا يفرض اعتماد مقاربة شمولية تدمج البعد البيئي في مختلف السياسات العمومية والقطاعية، مع ضرورة تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتوسيع استعمال تقنيات الري الحديثة وترشيد استهلاك المياه.
وأكد على أهمية حماية الواحات والمناطق الجبلية والنظم البيئية الهشة، باعتبارها مجالات أكثر عرضة لتداعيات التغيرات المناخية، داعيًا إلى تعزيز البحث العلمي والتعاون الإقليمي والدولي لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.
وأشار الخبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة والمناخ إلى أن المشهد المناخي الحالي بالمغرب، بما يحمله من تناقضات بين الثلوج وموجات الحر المبكرة، يؤكد على أن التغير المناخي لم يعد مجرد تحذيرات علمية أو سيناريوهات مستقبلية، بل تحول إلى واقع ملموس يفرض تعبئة وطنية شاملة للحفاظ على مقومات التنمية المستدامة وضمان حقوق الأجيال القادمة.




تعليقات الزوار ( 0 )