تألقت فرقة مسرح الحال على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط، من خلال عرضها الجديد لمسرحية “لافاش”، وسط حضور جماهيري غفير تفاعل بحرارة مع عمل مسرحي مزج بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية، مقدّمًا صرخة فنية في وجه الاستغلال ونفوذ المال والجاه.
ينبني العرض على حبكة درامية تكشف ما تخلفه البيروقراطية وتحالف السلطة بالمال من مآسٍ اجتماعية، حيث يتصدر المحقق، الذي جسّد دوره عبد الكبير الركاكنة، المشهد كشخصية محورية سرعان ما تتحول إلى ضحية لمنظومة مختلة قبل أن تتصاعد الأحداث في نسق تشويقي متماسك.
تشتغل المسرحية على مفارقات اجتماعية حادة، واضعة شخصياتها في مواجهة حقيقة مريرة تحاصرها سطوة النفوذ وقيود الطابوهات. وتتمحور الوقائع حول شخصية رحمة، التي كانت تعمل لدى الحاج النافذ، قبل أن يرغمها على علاقة غير شرعية نتج عنها حمل، واعدًا إياها بالزواج، ثم متنصلًا من مسؤوليته خلال التحقيق مدعيًا عدم معرفته بها.
في موازاة ذلك، يجد المحقق نفسه ممزقًا بين حياته الشخصية وواجبه المهني؛ إذ يتخلى عن حفل خطوبته ويخسر ما اقترضه لتجهيزاته، متفرغًا للتحقيق في اختفاء بقرة الحاج. غير أن خيوط القضية تتشابك حين تُظهر التحاليل المخبرية أن زوج رحمة، المتهم بسرقة البقرة، يعاني العقم، ما يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة حول حقيقة الحمل.
اعتراف رحمة بأن صاحب البقرة هو من تسبب في حملها يفضح طبيعة العلاقة المختلة بين السيد والخماس، حيث يتحول الجسد إلى امتداد لسلطة الأرض. ومع اكتشاف المحقق لوشم مميز في جسد الإقطاعي، مطابق لوصف الضحية، يسقط قناع البراءة عن الحاج، لتتكشف معالم الحقيقة المؤجلة.
غير أن السؤال الساخر الذي يظل معلقًا في فضاء العرض: “شكون لي حمَّل البقرة؟” يمنح المسرحية ذروتها الرمزية، إذ تتحول البقرة إلى استعارة لوطن مستباح، وعدالة عرجاء تبحث عن متهم ضعيف لتبرئة الأقوياء.
بهذا الاشتغال الرمزي، تقدم “لافاش” عملاً مسرحيًا ناقدًا يعرّي منطق السلطة، ويكشف آليات صناعة الاتهام حين يصبح الفقير الحلقة الأضعف، والحقيقة ضحية موازين قوة غير متكافئة.



تعليقات الزوار ( 0 )