استضاف بودكاست “معهم حيث هم”، الذي يعده ويقدمه الزميل الإعلامي نورالدين لشهب، الأكاديمي والباحث المغربي المقيم بكندا الدكتور هشام تيفلاتي، في حلقة غنية امتدت بين السيرة الفكرية والمسار الشخصي، وبين قضايا الهجرة والهوية والدين والتطرف والعلمانية وتدبير الاختلاف داخل المجتمعات الغربية. وقد انطلق الحوار من تقديم الضيف بصفته جامعيا وباحثا ورئيسا لمركز يهتم بالتوعية الدينية والمدنية، قبل أن يتوسع النقاش ليشمل صعوبة ترجمة بعض المفاهيم الأكاديمية من الإنجليزية والفرنسية إلى العربية، ومنها مفهوم “الراديكالية” و“التوعية الدينية”، وهي صعوبة اعتبرها تيفلاتي دليلا على أن اللغة لا تنقل الكلمات فقط، بل تنقل خلفيات ثقافية وتاريخية ورؤى للعالم.
وتوقف تيفلاتي عند مساره الشخصي، من التعليم الابتدائي بالمغرب إلى الجامعة في أمريكا وكندا، معتبرا أن تجربته الأولى كرجل تعليم في الابتدائي في مناطق نائية كانت لحظة حاسمة في وعيه بضرورة مواصلة الدراسة وعدم الاكتفاء بالوظيفة.

وأوضح أن الهجرة بالنسبة إليه لم تكن هروبا من المغرب، بل بحثا عن تجربة معرفية ولغوية وميدانية جديدة، مشيرا إلى أن ما حققه في أمريكا وكندا كان من الصعب تحقيقه في السياق المغربي خلال تسعينيات القرن الماضي، دون أن يعني ذلك قطع الصلة بالوطن أو التنكر للأصل.
واحتل سؤال الهوية موقعا مركزيا في الحوار، خاصة في علاقته بأبناء الجالية المغربية المولودين في الغرب، حيث ميز تيفلاتي بين الانتماء والولاء، مؤكدا أن الأبناء الذين ولدوا في كندا أو فرنسا أو أمريكا لا يمكن مطالبتهم بـ“الرجوع” إلى بلد لم يولدوا فيه أصلا، بل المطلوب مساعدتهم على بناء هوية مركبة وسوية، لا هوية ممزقة أو مشوشة.
واعتبر أن الجيل الأول من المهاجرين ارتكب أحيانا أخطاء في تدبير المسألة الهوياتية، حين حاول أن يفرض على أبنائه تمثلا جامدا للانتماء، بدل الاعتراف بأنهم ينتمون أيضا إلى المجتمعات التي ولدوا وتربوا فيها.
وفي موضوع التطرف، شدد تيفلاتي على أن الظاهرة أعقد من أن تختزل في أصل عرقي أو ديني، منتقدا الخطاب الذي يربط كل شاب مولود في أوروبا أو كندا، ووقع في التطرف، ببلد أصول والديه. فالشاب الذي ولد وتعلم وتربى في بلجيكا أو كندا، يقول تيفلاتي، هو ابن ذلك السياق الاجتماعي والتربوي والسياسي، ولا يمكن تحميل بلد الأصل وحده مسؤولية مساره. كما ميز بين عوامل الدفع، مثل التمييز والعنصرية والإقصاء، وعوامل الجذب، مثل الدعاية والتجنيد والآلة الإعلامية للتنظيمات المتطرفة، مؤكدا أن كل حالة تحتاج إلى دراسة دقيقة، ولا يمكن بناء نظرية نهائية واحدة تفسر كل مسارات التطرف.
وكشف تيفلاتي عن جانب من تجربته البحثية الميدانية، خاصة زيارته سنة 2018 إلى شمال سوريا ومخيم الهول، ضمن عمل بحثي حول التطرف شمل المغرب وكندا وأمريكا وألمانيا وتونس. وأوضح أن دراسته لم تكن تنطلق من التصنيفات الجاهزة، بل من محاولة فهم السياقات التي ينتج فيها التطرف، سواء تعلق الأمر بشباب من أصول مغاربية ولدوا في الغرب، أو بحالات اعتناق للإسلام داخل المجتمعات الغربية.

وتطرق الحوار أيضا إلى النموذج الكندي، خاصة في مقاطعة كيبيك، حيث شرح تيفلاتي خصوصية الصراع اللغوي بين الفرنسية والإنجليزية، وتأثيره في سياسات الهوية والتعليم والهجرة. واعتبر أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل وعاء للانتماء ومشروع سياسي وثقافي، مبرزا كيف تسعى كيبيك إلى حماية الفرنسية داخل فضاء شمال أمريكي تهيمن عليه الإنجليزية.
وفي سياق متصل، تناول الضيف قضية العلمانية وقوانين منع الرموز الدينية، معتبرا أن النموذج الفرنسي والكيبيكي يميل إلى فهم الحياد الديني بوصفه إخفاء للدين من المجال العام، بينما ترى نماذج أخرى، مثل كندا الإنجليزية وأمريكا، أن الحياد يقاس بالفعل والممارسة لا بالمظهر. وانتقد تيفلاتي توسيع بعض القوانين التي تستهدف الرموز الدينية، مؤكدا أن المسلمين غالبا ما يتحولون إلى موضوع سهل للاستثمار السياسي والانتخابي، خاصة مع صعود اليمين المتطرف وخطابات الخوف من الإسلام.
ولم يغب المغرب عن النقاش، إذ اعتبر تيفلاتي أن أسئلة اللغة والهوية والعربية والأمازيغية ليست شأنا محليا معزولا، بل جزء من عودة عالمية للهويات القومية. وأكد أن المغرب بلد متعدد الأعراق واللغات والروافد الدينية والثقافية، وأن تدبير هذا التنوع يحتاج إلى نقاش رصين يميز بين البحث عن الحقيقة وبين الاستعمال السياسي للهويات.

وفي الجزء الأخير من الحلقة، قدم تيفلاتي خلاصات من دراسته الميدانية حول جيل Z بالمغرب، موضحا أنها اعتمدت على مراقبة وتحليل نقاشات الشباب داخل منصة “ديسكورد”، إلى جانب مراجعة ما نشر حول هذا الجيل مغربيا وعربيا ودوليا. وأبرز أن من أهم خلاصات الدراسة ضرورة الإنصات إلى الشباب بجدية، وعدم الاكتفاء بتبخيس تعبيراتهم الرقمية أو احتجاجاتهم، لأنهم يمثلون جزءا أساسيا من مستقبل المجتمع. كما دعا إلى الانتباه إلى تحولات التدين عند هذا الجيل، وإلى الاشتغال على الهوية الوطنية والانتماء، خاصة في ظل ارتفاع الرغبة في الهجرة، وضعف الثقة في المؤسسات الرسمية.
واختتم الحوار بنقاش رمزي حول تشجيع أفراد الجالية للمنتخب المغربي أو لمنتخبات بلدان الإقامة، حيث اعتبر تيفلاتي أن الأمر لا ينبغي أن يقرأ دائما باعتباره موقفا سياسيا، بل هو تعبير عن هوية مركبة وتجارب شخصية وعائلية مختلفة. فاللاعب أو المشجع من أصل مغربي قد يختار المغرب لأسباب ثقافية أو وجدانية أو بسبب تجارب تمييز عاشها هو أو والداه، وقد يختار بلد الميلاد والإقامة دون أن يكون ذلك تنكرا لأصله.
بهذه الحلقة، قدم بودكاست “معهم حيث هم” حوارا يتجاوز السيرة الفردية للضيف، ليفتح نافذة واسعة على أسئلة مغربية وعالمية متشابكة: من معنى أن يكون الإنسان مغربيا في المهجر، إلى كيفية تدبير الاختلاف الديني واللغوي، ومن جذور التطرف إلى تحولات الجيل الرقمي الجديد، في نقاش جمع بين التجربة الشخصية والمعرفة الأكاديمية والاحتكاك الميداني.
لمشاهدة الحلقة كاملة المرجو الضغط على الفيديو أسفله




تعليقات الزوار ( 0 )