رغم التحسن النسبي الذي عرفه الموسم الفلاحي بفضل التساقطات المطرية الأخيرة، ما يزال الجدل متواصلاً حول أسعار الأضاحي، وسط تساؤلات متزايدة من المواطنين بشأن أسباب استمرار الغلاء رغم الحديث عن وفرة القطيع الوطني، وبين من يعتبر أن الأسعار مبالغ فيها، ومن يربطها بارتفاع تكاليف التربية والعلف، تتواصل النقاشات داخل الأسواق وعلى منصات التواصل الاجتماعي مع اقتراب عيد الأضحى.
وفي مقابل التركيز على أثمنة الأضاحي، يطرح مهنيون ومختصون ضرورة التمييز بين وفرة العرض وبين الكلفة الحقيقية للإنتاج؛ خاصة بعد سنوات متتالية من الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع مردودية النشاط الفلاحي المرتبط بتربية الماشية، كما يثير المختصون عددًا من السلوكيات المرتبطة بالشراء والتعامل مع الأضحية بعد اقتنائها، محذرين من ممارسات قد تؤثر على صحة الأضحية وجودتها.
“الكساب”
يبرز عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي والخبير في الإنتاج الحيواني، أن دفاعه المتكرر عن “الكساب” لا يعني بأي شكل من الأشكال انحيازًا لفئة معينة أو استفادة شخصية من قطاع تربية الأغنام، موضحًا أنه مواطن مغربي مثل باقي المواطنين ويقتني أضحيته بدوره من السوق، وليس مالكًا لقطعان أو تاجرًا للأغنام كما يروج البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح البوتشيشي في تصريح لجريدة “الشعاع، أن دفاعه عن الكسابين نابع من معرفته البسيطة بالعالم القروي وبالظروف التي يعيشها مربو الماشية، مشيرًا إلى أن الثمن المرتفع للخروف لا يعني بالضرورة أن الكساب يحقق أرباحًا كبيرة، لأن العملية ترتبط بتكاليف ومصاريف متعددة تتراكم على مدار أشهر طويلة من التربية والتغذية والعناية.
وأضاف أن قطاع تربية الأغنام يضم فئتين أساسيتين؛ الأولى تتعلق بالمربين الذين يمتلكون النعاج وتتم الولادات داخل ضيعاتهم، والثانية تضم من يشترون الخرفان الصغيرة ويقومون بتسمينها لمدة قد تصل إلى أربعة أو ستة أشهر، معتبرًا أن هذه الفئة تعتمد على هذا النشاط كمورد رئيسي للعيش والاستثمار داخل العالم القروي.
تكلفة مرتفعة
يشدد البوتشيشي على أن السنوات الأخيرة اتسمت بالجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الأضاحي.
وأردف أن التساقطات المطرية التي عرفها الموسم الحالي لن يكون لها تأثير فوري على خرفان عيد هذه السنة، لأن الأضاحي الموجهة للعيد تكون قد بلغت مراحل متقدمة من التربية قبل نزول الأمطار.
وأوضح أن الخروف الذي يولد خلال أشهر فبراير أو مارس أو أبريل لا يمكن اعتماده مباشرة كأضحية، لأنه لم يبلغ السن المطلوب بعد، وبالتالي فإن الأضاحي المعروضة حاليا تمت تربيتها خلال فترة كانت فيها تكاليف الأعلاف مرتفعة والجفاف قائمًا، وهو ما يفسر استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة نسبيًا.
وأشار إلى أن الحديث عن وفرة القطيع يجب ألا يختلط مع الحديث عن الكلفة، لأن وجود أعداد كافية من الأغنام لا يعني تلقائيًا انخفاض الأسعار.
وأكد على أن المعطيات الرسمية تشير إلى توفر ما بين ثمانية وتسعة ملايين رأس من الأغنام، في حين أن حاجيات المغاربة خلال عيد الأضحى تتراوح بين ستة وسبعة ملايين رأس، وهو ما يعني أن العرض متوفر من حيث العدد.
منطق السوق
يوضح الخبير في الإنتاج الحيواني أن السوق يخضع لمنطق العرض والطلب، مشيرًا إلى أن عددًا من المواطنين يفضلون انتظار الأيام الأخيرة قبل شراء الأضحية على أمل انخفاض الأسعار؛ غير أن هذا السلوك قد يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية.
وأضاف أن توافد أعداد كبيرة من المشترين في وقت واحد خلال الساعات الأخيرة يفتح المجال أمام المضاربين والسماسرة للتحكم في السوق ورفع الأسعار؛ خاصة إذا كان عدد المشترين يفوق عدد الأضاحي المتوفرة داخل السوق في لحظة معينة.
وضرب مثالاً بدخول ألفي رأس من الأغنام إلى أحد الأسواق مقابل حضور عشرة آلاف شخص للشراء، معتبرًا أن هذا الوضع يخلق ضغطًا كبيرا يؤدي إلى ارتفاع الأثمان بشكل سريع، في حين قد تعرف أسواق أخرى أسعارًا أقل حسب وفرة العرض وحجم الطلب بكل منطقة.
الأعلاف والدعم
يؤكد البوتشيشي على أن الأعلاف ما تزال تشكل العبء الأكبر على الكساب، رغم الدعم الذي قدمته الدولة في مادة الشعير، موضحًا أن عددًا من المربين لم يستفيدوا فعليًا من هذا الدعم بالشكل المطلوب.
وأشار إلى أن سعر الشعير المدعم كان في حدود درهمين سابقًا، قبل أن يرتفع خلال الموسم الحالي إلى حوالي ثلاثة دراهم وسبعين سنتيمًا أو أربعة دراهم في بعض المناطق، كما ارتفعت أسعار مواد أخرى مثل النخالة والفول والصوجا، ما أدى إلى زيادة تكاليف التسمين والتربية.
وأردف أن أثمنة التبن بدورها بلغت مستويات قياسية خلال السنوات الماضية، إذ وصلت “البالة” إلى حوالي ستين درهمًا، قبل أن تتراجع نسبيًا هذا الموسم إلى ما بين خمسة وعشرين وثلاثين درهمًا بفضل تحسن الموسم الفلاحي وخروج عدد من المحتكرين لبيع المخزون المتوفر لديهم.
نصائح مهمة
ووجه المستشار الفلاحي مجموعة من النصائح للمواطنين بعد اقتناء الأضحية، داعيًا إلى تجنب تقديم الخبز وبقايا الخضر للحولي مباشرة بعد جلبه إلى المنزل، لأن ذلك قد يضر بصحته ويتسبب في مشاكل صحية غير مرغوب فيها.
وأوضح أن الأضحية تكون مرهقة بعد النقل والتواجد داخل السوق، لذلك تحتاج إلى فترة راحة تتراوح بين أربع وست ساعات، مع الاكتفاء في البداية بتقديم التبن فقط وقليل من الماء، قبل الشروع تدريجيًا في تقديم الشعير بكميات معتدلة بعد التأكد من استقرار حالته الصحية.
كما نصح بضرورة الاكتفاء بالماء خلال الأربع والعشرين أو الست والثلاثين ساعة الأخيرة قبل يوم العيد، مع التوقف عن تقديم العلف والتبن، معتبرًا أن هذا الإجراء يساعد على الحفاظ على راحة الأضحية وتفادي عدد من المشاكل المرتبطة بعملية الذبح وجودة الأضحية يوم العيد.



تعليقات الزوار ( 0 )