نادراً ما تُقرأ كأس أمم إفريقيا باعتبارها بطولة قارية فحسب؛ فهي في الوعي الكروي الإفريقي امتحان شامل لقدرة القارة على التنظيم، وجودة البنيات التحتية، ونضج المنظومات الكروية، بقدر ما هي منافسة رياضية.
وفي النسخة المقامة بالمغرب، اكتسب هذا الامتحان أبعاداً إضافية، بحكم كون المملكة شريكاً في تنظيم كأس العالم 2030، ما جعل كل تفصيل، داخل الملعب وخارجه، موضع تقييم دولي غير معلن.
وفي هذا السياق، رأت صحيفة الغارديان البريطانية، في تحليل للكاتب المتخصص في شؤون كرة القدم جوناثان ويلسون، أن كأس إفريقيا الحالية تشكّل مؤشراً واضحاً على أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو الجاهزية لاحتضان كأس العالم، سواء من حيث جودة الملاعب، أو مستوى التنظيم، أو البنية السياحية واللوجستية المصاحبة للبطولة.
وعلى مستوى البنيات الرياضية، قدّم المغرب صورة مطمئنة. المدن الست التي تحتضن مباريات كأس إفريقيا تُعدّ جميعها ضمن قائمة المدن المرشحة لاحتضان مباريات مونديال 2030.
وبدت ملاعب الرباط وطنجة في جاهزية شبه كاملة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مشروع تشييد ملعب ضخم بالدار البيضاء بسعة تناهز 115 ألف متفرج، إلى جانب برامج تأهيل واسعة لملاعب أكادير ومراكش وفاس.
ورغم التساقطات المطرية الكثيفة التي ميّزت بعض فترات البطولة، حافظت أرضيات الملاعب على مستوى تقني عالٍ، ما ساهم في تقديم مباريات متوازنة ومنظمة.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تبلغ ثمانية منتخبات من أصل العشرة الأولى إفريقياً دور ربع النهائي، في بطولة بدت نتائجها، إلى حد بعيد، منسجمة مع تصنيف المنتخبات.
وشكّلت شبكة النقل أحد أبرز عناصر نجاح التنظيم. القطار فائق السرعة “البراق” الرابط بين الرباط وطنجة قدّم نموذجاً متقدماً، مع تطلعات لتمديده نحو الدار البيضاء ومراكش قبل 2030.
كما أظهرت القطارات التقليدية جودة مقبولة، وإن كانت مرشحة لضغط كبير في حال تنظيم كأس العالم، خصوصاً في ظل محدودية الرحلات الجوية الداخلية وعدم وصول السكك الحديدية إلى مدن جنوبية مثل أكادير.
في المقابل، أبان القطاع الفندقي عن قدرة واضحة على استيعاب تدفق الجماهير دون تسجيل ارتفاعات غير مبررة في الأسعار، مستفيداً من خبرة سياحية راكمها المغرب خلال السنوات الماضية. غير أن اختبار المونديال سيبقى أكثر تعقيداً، بالنظر إلى الحجم الاستثنائي للجماهير المنتظرة.
ورغم الصورة الإيجابية العامة، سجّلت البطولة نقطة ضعف لافتة تتعلق بولوج الجماهير إلى بعض الملاعب. ففي الرباط ومراكش، برزت مخاوف حقيقية من اختناقات خطيرة، بسبب محدودية المداخل وضعف الربط الطرقي والسككي، خصوصاً في ملعب مراكش الواقع خارج النطاق الحضري.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن هذه المشاهد، حتى في مباريات لم تبلغ طاقتها الاستيعابية القصوى، دقّت ناقوس إنذار مبكر بضرورة معالجة ملف السلامة الجماهيرية قبل 2030.
ورياضيًا، عكست البطولة مؤشرات إيجابية حول تطور كرة القدم الإفريقية. فبعد أن كسر المغرب حاجز ربع النهائي في مونديال قطر 2022 ببلوغه نصف النهائي، بات الشعور سائداً بأن منتخبات القارة بدأت تستعيد مكانتها في القمة، بعد سنوات من اتساع قاعدة المنافسة دون ارتفاع حقيقي في مستوى النخبة.
وقدّمت المنتخبات الأربعة التي بلغت نصف النهائي مستويات متفاوتة لكنها واعدة. السنغال ما تزال تبحث عن توازن مثالي في خط الوسط، مصر استعادت شيئاً من شخصيتها الهجومية بقيادة محمد صلاح، نيجيريا أبهرت بأسلوبها الهجومي القائم على السرعة والقوة، فيما بدا المغرب فريقاً منظماً، وإن كان مثقلاً بضغط التوقعات الجماهيرية.
ورغم التحسن الفني، لا تزال الإشكالات الإدارية حاضرة بقوة. إقالة مدربين عقب الخروج المبكر، توترات في المدرجات، احتجاجات على التحكيم، وأزمات مكافآت اللاعبين، كما في حالة نيجيريا، كلها مظاهر تعكس فجوة مستمرة بين موهبة اللاعبين وضعف الحكامة في عدد من الاتحادات.
وأشار التقرير إلى، تقدم كأس إفريقيا بالمغرب بات صورة مزدوجة: نجاح تنظيمي واضح، وجاهزية بنيوية متقدمة، يقابلهما تحدٍ حقيقي في ما يتعلق بتدبير الحشود والسلامة الجماهيرية. ومع ذلك، تبدو المؤشرات العامة مطمئنة، سواء على مستوى قدرة المغرب على التنظيم، أو على مستوى تطور كرة القدم الإفريقية نفسها.



تعليقات الزوار ( 0 )