في خضم التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، تبرز تداعيات الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران كمنعطف جيوسياسي حاسم لا يقتصر تأثيره على الشرق الأوسط وحده، بل يمتد إلى ضفتي المتوسط، حيث يعيد ترتيب موازين القوة والنفوذ، ويمنح فاعلين إقليميين أدواراً متقدمة، في مقدمتهم المغرب.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة “إل كونفيدنشال” الإسبانية، فإن الشرق الأوسط يتجه، بعد هذه التطورات، إلى ترسيخ نفسه كمنطقة نفوذ أمريكية خالصة، في ظل قيادة دونالد ترامب، وما يرافق ذلك من فرض معادلات جديدة في العلاقات الدولية، يكون فيها الموقع الجيوسياسي والقدرة على التموقع الاستراتيجي أهم من الخطاب السياسي أو المواقف المبدئية.
يرى كاتب المقال أن ما يجري يمثل إعادة تعريف شاملة للخريطة الجيوسياسية، حيث نجحت الولايات المتحدة، عبر ضرب إيران بالشراكة مع إسرائيل، في ترجيح كفة حلفائها الإقليميين، وفتح الباب أمام مرحلة قد تشهد تحولات سياسية كبرى، من بينها احتمال تغيير النظام في طهران.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كأحد أكثر الدول استفادة من هذا التحول، إذ راكم، خلال السنوات الأخيرة، رصيدا دبلوماسيا متقدما في واشنطن، جعله شريكا موثوقا في ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار في شمال إفريقيا والساحل.
وتشير الصحيفة إلى أن الرباط أحسنت قراءة التحولات الدولية، ونجحت في التموقع “في الجانب الصحيح من التاريخ”، وفق التعبير الوارد في المقال.
في المقابل، ترسم “إل كونفيدنشال” صورة قاتمة لوضع إسبانيا، التي تبدو، بحسب التحليل، غارقة في نقاشات داخلية وسجالات سياسية وإعلامية، في وقت تتغير فيه موازين القوة من حولها بوتيرة متسارعة.
ويعتبر المقال أن مدريد أخفقت في تحويل موقعها الجغرافي وعضويتها الأوروبية إلى نفوذ فعلي، مقارنة بجارها الجنوبي الذي يراكم التأثير بهدوء ودون ضجيج.
ويذهب التحليل إلى أن الفارق بين البلدين لا يكمن في النوايا أو الخطاب، بل في القدرة على استباق التحولات، وبناء تحالفات فعالة مع مراكز القرار الدولية، خصوصاً في واشنطن.
وتخلص الصحيفة إلى أن ما بعد إيران لن يكون كما قبلها، لا في الشرق الأوسط ولا في غرب المتوسط. فمع انتقال مركز الثقل الأمريكي إلى تحالفات محددة، وتراجع أدوار تقليدية، تبرز دول مثل المغرب كقوى إقليمية صاعدة، قادرة على لعب أدوار تتجاوز محيطها المباشر.
أما إسبانيا، فتجد نفسها، وفق التحليل، أمام اختبار صعب: إما إعادة صياغة سياستها الخارجية على أساس واقعي وبراغماتي، أو القبول بدور ثانوي في محيط إقليمي يعاد تشكيله بسرعة.
ويخلص التقرير إلى أن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ، بل القدرة على التموقع الذكي داخل التحولات الكبرى، وهو درس يبدو أن المغرب استوعبه جيدا، بحسبها، بينما لا تزال إسبانيا تبحث عن بوصلة واضحة في عالم يتغير دون انتظار المترددين.



تعليقات الزوار ( 0 )