تحمل شعارات الدول دلالات رمزية وسياسية عميقة، فهي ليست مجرد رسومات للزينة، بل تعبر عن تاريخ الدولة وهويتها وقيمها وطبيعة السلطة فيها. وغالبا ما تختار عناصر الشعار بعناية لتعكس رسائل موجهة إلى المواطنين وإلى الخارج.. وهكذا تستعمل الدول في شعاراتها الرسمية مجموعة واسعة من الرموز الحيوانية والنباتية والدينية والتاريخية، وذلك للتعبير عن هويتها السياسية والثقافية والتاريخية. وبالتالي ، فمن أشهر الرموز المستعملة: رسم النسر الذي يرمز عادة إلى القوة والسيادة والهيبة العسكرية والقدرة على التحليق فوق الخصوم. حيث نجده في شعارات دول عديدة مثل مصر والعراق وألمانيا والولايات المتحدة، مع اختلاف المعاني التاريخية من بلد إلى آخر.
والصقر كما في الإمارات العربية المتحدة والكويت. أو شجرة الأرز في لبنان التي ترمز إلى الاستمرارية والتجذر. أو ورقة القيقب في كندا رمز للهوية الوطنية. كما تلجأ دول أخرى إلى الرموز الدينية والحضارية كالهلال والنجمة في عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة. والصليب في بعض الدول ذات التراث المسيحي. أو الشمس في دول عديدة باعتبارها رمزاً للحياة والتجدد. أو الأدوات والأسلحة كالسيوف في المملكة العربية السعودية التي ترمز إلى القوة والعدالة والدفاع عن الدولة. أو الرماح والدروع في بعض الدول الإفريقية والآسيوية تعبيراً عن التراث التاريخي. كما يعد الأسد من أقدم الرموز السياسية في العالم، وقد استُخدم للدلالة على القوة والشجاعة والسيادة والملكية. حيث من أبرز الدول التي تتبنى الأسد رمزاً في شعارها الرسمي:
المغرب: أسدان يحيطان بالدرع الملكي.وهولندا: أسد يحمل سيفاً وحزمة سهام.وبلجيكا: الأسد الذهبي هو العنصر المركزي في الشعار.و لوكسمبورغ: أسد أحمر متوج.وفنلندا: أسد متوج يحمل سيفاً.و بلغاريا: ثلاثة أسود في الشعار الوطني.و سريلانكا: الأسد هو الرمز الوطني الأبرز ويظهر في العلم والشعار. ويرجع انتشار تبني الدول لشعارالأسد إلى عدة أسباب: من أهمها اعتباره الأسد “ملك الحيوانات” في المخيال الإنساني.و ارتباطه بالشجاعة والقوة العسكرية.وكذا حضوره في التراث الملكي والأرستقراطي. بالإضافة إلى سهولة توظيفه رمزياً في الشعارات والأعلام والأختام..
وتؤدي الشعارات عدة وظائف من أهمها إضفاء الشرعية على السلطة من خلال ربطها بالتاريخ أو الدين أو التقاليد الوطنية. وبناء الهوية الوطنية عبر خلق رمز مشترك يجمع المواطنين. بالاضافة إلى التعبير عن فلسفة الدولة؛ فالدول الثورية تميل إلى رموز الشعب والكفاح، بينما تبرز الملكيات التيجان أو الرموز السلالية. كما تعكس هذه الشعارات إبراز المكانة الدولية وإظهار القوة أو الاستقرار أو الخصوصية الحضارية. لذلك يمكن اعتبار شعارات الدول بمثابة “لغة سياسية بصرية” تختزل في صورة واحدة ما تريد الدولة قوله عن نفسها: من أين جاءت، وكيف ترى نفسها، وما القيم التي ترغب في إبرازها أمام مواطنيها والعالم. وهكذا تتمثل وظيفة الشعار الرسمي للمملكة بالمغرب في تجسيد الهوية الوطنية وتكريس شرعية النظام الملكي
-الشعار الرسمي كتجسيد للهوية الوطنية
اعتمدت المملكة المغربية شعارها الرسمي الحالي بشكل تدريجي مع ترسخ مؤسسات الدولة الحديثة بعد الاستقلال سنة 1956. فالصيغة المعروفة اليوم للشعار الملكي ارتبطت أساساً بفترة حكم محمد الخامس ثم جرى تثبيتها واستعمالها رسمياً من طرف الدولة المغربية المستقلة. فمن الناحية التاريخية، لم يكن للمغرب قبل الحماية الفرنسية والإسبانية شعار دولة موحد بالمعنى الأوروبي الحديث، بل كانت الشرعية السياسية تُجسد أساساً في شخص السلطان والأختام السلطانية والرايات المخزنية. ومع بناء الدولة الحديثة خلال القرن العشرين ظهرت الحاجة إلى شعار رسمي يمثل المملكة في الوثائق الرسمية والمؤسسات والسفارات.
لذلك يمكن القول إن الشعار الحالي للمملكة المغربية يعود في شكله الحديث إلى مرحلة الاستقلال في عهد الملك محمد الخامس حيث تم اعتماد الشعار الرسمي الحالي للمملكة المغربية في 14 غشت 1957، أي بعد حوالي سنة من حصول المغرب على الاستقلال حيث ارتبط بشرعية الكفاح من أجل الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية.
وقد جاء ذلك في إطار بناء الرموز السيادية للدولة المغربية الحديثة إلى جانب العلم والمؤسسات الوطنية. حيث أصبح أحد أهم رموز السيادة المغربية إلى جانب العلم والنشيد الوطني . وعلى الرغم من أنه لا توجد وثائق منشورة على نطاق واسع تشرح بالتفصيل مسطرة اختيار الشعار المغربي الحالي أو تحدد اسم مصممه بشكل قاطع، لكن يجمع المؤرخون على أن هذا الشعار جاء في سياق بناء رموز الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال. إذ لا توجد، بحسب ما هو متاح من المصادر التاريخية المتداولة، معلومة موثقة ومتفق عليها تحدد بشكل قاطع اسم الشخص الذي صمّم شعار المملكة المغربية الحالي. فخلافاً لبعض الدول التي تحتفظ بأرشيف واضح حول مصممي أعلامها وشعاراتها، فإن الشعار المغربي ارتبط بمرحلة بناء مؤسسات الدولة بعد الاستقلال في عهد محمد الخامس، دون أن يبرز في المصادر الرسمية اسم مصمم واحد يُنسب إليه الشعار. لذا يرجح بعض الباحثين أن الشعار لم يكن ثمرة عمل فنان منفرد بقدر ما كان نتاج عمل إداري ورمزي أشرفت عليه دوائر الدولة والقصر الملكي، بهدف تجميع عناصر تمثل: الملكية (التاج) ، و السيادة والقوة (الأسدان)، والجغرافيا الوطنية (جبال الأطلس)، و الهوية المغربية (النجمة الخماسية) ، و المرجعية الإسلامية (الآية القرآنية).لذلك فإن السؤال: “من صمم شعار المملكة؟” لا يملك إلى اليوم جواباً تاريخياً موثقاً ومشهوراً مثلما هو الحال بالنسبة لبعض الأعلام والشعارات الوطنية الأخرى. أما القرار النهائي باعتماده فقد تم في عهد الملك محمد الخامس خلال مرحلة تأسيس مؤسسات الدولة المستقلة، قبل أن يصبح الشعار الرسمي المستعمل في الوثائق والإدارات والسفارات والقوات المسلحة إلى اليوم. وقد روعي في تصميم الشعار الرسمي للمملكة المغربية الجمع بين عناصر تمثل:
*الشرعية الملكية عبر التاج الملكي.
*القوة والسيادة عبر الأسدين الحارسين للدرع.
*الوحدة الترابية والجغرافية عبر جبال الأطلس.
*الهوية الوطنية عبر النجمة الخماسية الخضراء المرتبطة بالعلم المغربي.
*البعد الديني عبر الآية القرآنية: “إن تنصروا الله ينصركم”.

ويبدو أن اختيار الأسدين لم يكن اعتباطياً، فـ”أسد الأطلس” كان حيواناً رمزياً ارتبط بالمغرب عبر قرون، كما ظهر الأسد في الزخارف والعمارة والفنون المغربية التقليدية. أما العبارة القرآنية الموجودة أسفل الشعار فتُبرز أحد الأبعاد التقليدية للملكية المغربية باعتبارها مؤسسة تستمد جزءاً من مشروعيتها من المرجعية الإسلامية وإمارة المؤمنين. وبالتالي ، فمن الناحية السياسية، جاء الشعار بعد الاستقلال ليعبر عن فكرة مهمة هي استمرارية الدولة المغربية؛ فهو لم يقطع مع الرموز التاريخية للملكية، وفي الوقت نفسه استعمل لغة الشعارات الحديثة المتعارف عليها دولياً (درع، تاج، حيوانات حارسة، شعار مكتوب).لذلك يمكن القول إن الشعار المغربي لم يُختر على أساس عنصر واحد، بل صُمم ليكون خلاصةً لثلاثة أبعاد رئيسية:
-تجذر المؤسسة الملكية في التاريخ السياسي للمغرب
-الهوية الإسلامية المغربية.
-والخصوصية التاريخية والجغرافية للمغرب.
وهكذا يتكون الشعار الرسمي للمملكة من عناصر ذات دلالات رمزية:
*الأسدان: يرمزان إلى القوة والحماية والسيادة. وفي الحالة المغربية، حيث يكتسب الأسد دلالة إضافية لأنه يرتبط بـ أسد الأطلس الذي كان يعيش في جبال الأطلس المغربية حتى القرن العشرين، فأصبح رمزاً وطنياً يجمع بين القوة والسيادة والخصوصية الطبيعية للمغرب.
*التاج الملكي: يرمز إلى النظام الملكي واستمرارية الدولة.
*الشمس المشرقة: ترمز إلى الأمل والنهضة والمستقبل.
*جبال الأطلس: ترمز إلى الجغرافيا المغربية ووحدة البلاد.
*النجمة الخماسية الخضراء: ترمز إلى الدولة المغربية وتوجد أيضاً في العلم الوطني.
*الشعار يحمل العبارة القرآنية: “إن تنصروا الله ينصركم” (سورة محمد، الآية 7).
-الشعار الرسمي كتكريس للشرعية الملكية
تجدر الإشارة أن قضية الشعار لم يسبق أن أثارت أي جدل سياسي كبير كالذي أثير حول بعض القضايا الدستورية أو السياسية الأخرى. كقضية وضع الدستور أو كقضية الملكية التي تسود وتحكم. فاعتماده جاء في سياق سياسي تمثل في الاجماع حول استكمال رموز السيادة بعد الاستقلال. و ترسيخ مكانة المؤسسة الملكية. و بناء صورة الدولة المغربية الحديثة. فخلال هذه الفترة كان الإجماع الوطني حول الملك محمد الخامس واستعادة الاستقلال قوياً نسبياً، لذلك لم تبرز نقاشات علنية واسعة حول الشعار نفسه .فبخلاف بعض الدول التي شهدت الشعارات والأعلام نقاشات حادة بعد الثورات أو تغير الأنظمة السياسية، بقي الشعار مستقراً ولم يُطرح بجدية مشروع رسمي لتغييره منذ اعتماده.
لكن هذا لا يعني أن الشعار لم يكن موضوع ملاحظات أو قراءات نقدية لاحقاً. فبعض الباحثين والمثقفين قدموا قراءات نقدية للشعار من زوايا مختلفة خاصة بعد دستور 2011، الذي نص على تعدد روافد الهوية المغربية (العربية الإسلامية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية)، حيث ظهرت أحياناً تساؤلات أكاديمية حول مدى قدرة الشعار، الذي يعود إلى سنة 1957، على تجسيد هذا التنوع الرمزي. وهكذا يمكن فهم الشعار الرسمي للمملكة المغربية باعتباره أحد الأدوات الرمزية التي تساهم في تكريس الشرعية السياسية للمؤسسة الملكية، إلى جانب الدستور والبيعة وإمارة المؤمنين والطقوس الرسمية والاحتفالات الوطنية. فمن المعروف في علم السياسة، أن الأنظمة السياسية لا تعتمد على القوانين والمؤسسات فقط، بل أيضاً على الرموز التي تمنح السلطة حضوراً دائماً في الفضاء العام. فالشعار الرسمي الموجود على الوثائق والإدارات والمحاكم والعملات والطوابع والسفارات يجعل الدولة حاضرة بصرياً في الحياة اليومية. وبالتالي فالشعار الرسمي للمملكة يكرس ثلاث مستويات من الشرعية:
*شرعية سياسية تتمثل في تصدر التاج الملكي الشعار، وهو العنصر الأكثر وضوحاً فيه، حيث يعكس المكانة المحورية للمؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي. فوجود التاج في أعلى الشعار يضع المؤسسة الملكية في قلب البناء الرمزي للدولة، ويؤكد أن الملكية ليست مجرد جهاز من أجهزة الحكم، بل مؤسسة تمثل استمرارية الدولة ووحدتها. كما أن وجود الأسدين الحارسين حول الدرع يرمز تقليدياً إلى القوة والحماية والسيادة، ويعزز صورة الدولة باعتبارها محمية ومستقرة تحت قيادة العرش. مما يعزز صورة السلطة الملكية باعتبارها ضامنة للاستقرار ووحدة البلاد.
*شرعية دينية تتمثل في عبارة “إن تنصروا الله ينصركم” العنصر الذي يربط رمز الدولة بالمرجعية الإسلامية التي تشكل أحد أسس الشرعية التاريخية للملكية المغربية، خاصة في ظل مكانة الملك باعتباره أمير المؤمنين وفق الدستور. فالعبارة: “إن تنصروا الله ينصركم” تمنح الشعار بعداً دينياً ينسجم مع المكانة الدستورية للملك باعتباره أمير المؤمنين. وهنا تتداخل الشرعية السياسية مع الشرعية الدينية التي تميز النظام الملكي المغربي تاريخياً.
*شرعية وطنية تتمثل في الشمس وجبال الأطلس والنجمة الخماسية التي ليست مجرد عناصر زخرفية، بل تقدم صورة عن: وحدة التراب الوطني ، واستمرارية الدولة المغربية ، و ارتباط النظام السياسي بالمجال الوطني والتاريخ المغربي. حيث يربط الشعار بين الدولة المغربية المعاصرة والتاريخ الطويل للمؤسسة الملكية. فوجود رموز ثابتة عبر الزمن يرسخ فكرة أن الملكية ليست ظاهرة حديثة، بل امتداد لتاريخ سياسي متواصل.
وهكذا يرى الباحثون في الرمزية السياسية أن الشعارات الرسمية لا “تخلق” الشرعية بمفردها، لكنها: تجسدها بصرياً ، وتساعد على ترسيخها في الوعي الجماعي ، وتمنح المؤسسات السياسية هوية يمكن التعرف عليها بسهولة. ولهذا فإن الشعار الرسمي يؤدي وظيفة تتجاوز الجانب الفني، إذ يقدم صورة مختصرة للدولة كما تريد أن تُعرف نفسها: ملكية، إسلامية المرجعية، ذات تاريخ عريق وسيادة وطنية مستمرة. وبالتالي ، فيمكن اعتبار هذا الشعار الرسمي جزءاً من منظومة رمزية أوسع تُسهم في تدعيم الشرعية السياسية للمؤسسة الملكية، إلى جانب المؤسسات الدستورية والتاريخية والدينية التي يقوم عليها النظام السياسي بالمغرب. فشعار الدولة بالمملكة المغربية ليس مجرد رسم أو رمز، بل هو “سردية بصرية” تختزل تاريخ الدولة، وطبيعة نظامها السياسي، والقيم التي تريد إبرازها لمواطنيها وللعالم الخارجي. وهكذا يجمع هذا الشعار الرسمي للمملكة بين الرموز التقليدية المغربية (التاج، الآية القرآنية، الأسد) وبين عناصر الشعارات الحديثة المتعارف عليها دولياً (الدرع والشعار الرسمي)، مما يعكس الجمع بين الأصالة والحداثة. كما يسهم الشعار في ترسيخ فكرة أن المغرب:
دولة ذات سيادة ، وملكية دستورية ذات جذور تاريخية، و دولة تستند إلى مرجعية إسلامية، و كيان وطني موحد رغم تعدد مكوناته الثقافية واللغوية. فبعد دستور 2011، الذي نص على تعدد مكونات الهوية المغربية وروافدها العربية الإسلامية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، أصبح الشعار يُقرأ أيضاً باعتباره رمزاً لوحدة هذه المكونات داخل إطار الدولة المغربية الواحدة، حتى وإن كان الشعار نفسه أقدم من هذا الدستور. لذلك يمكن اعتبار شعار المملكة الرسمي أداة رمزية تجمع بين الشرعية التاريخية للملكية، والمرجعية الإسلامية للدولة، ووحدة التراب الوطني، واستمرارية الكيان المغربي عبر مختلف المراحل التاريخية. كما يمكن النظر إلى شعار المملكة المغربية باعتباره أحد الرموز التي تسهم في تكريس شرعية السلطة الملكية إلى جانب رموز أخرى مثل العرش والعلم والبيعة والأختام الملكية والخطاب الملكي.. فالشعار يمنح السلطة صورة بصرية موحدة تربط المواطنين بمؤسسات الدولة، وتعزز حضور الملكية في الفضاء العام عبر الوثائق الرسمية والإدارات والمحاكم والمؤسسات العمومية. ومع ذلك، فإن الشرعية الملكية في المغرب لا تستند إلى الشعار وحده، بل إلى مجموعة من المرتكزات:
*الشرعية التاريخية المرتبطة بالدولة العلوية.
*الشرعية الدينية المرتبطة بإمارة المؤمنين.
*الشرعية الدستورية المنصوص عليها في الدساتير المتعاقبة.
*الشرعية السياسية المرتبطة بدور المؤسسة الملكية في الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها.
من هنا ، يمكن القول إن الشعار لا يخلق الشرعية الملكية بحد ذاته، بل يجسدها بصرياً ورمزياً ويحولها إلى صورة رسمية تختزل مكانة المؤسسة الملكية داخل الدولة المغربية.






تعليقات الزوار ( 0 )