كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، من خلال مقال للباحث يجيل ليفي، عن ملامح ما يمكن وصفه بـ”سوسيولوجيا الاحتلال” في الضفة الغربية، عبر تحليل دقيق لمقاربة القائد العسكري أفي بلوط، الذي عُيّن على رأس القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي. ويُنظر إلى هذا التعيين، بحسب ليفي، باعتباره مؤشراً على تحول نوعي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث لم يعد هناك فصل واضح بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل باتت إسرائيل تميل إلى اعتماد منطق أمني موحّد يقوم على إدارة صراع دائم منخفض الحدة.
وقال الكاتب إن بلوط، القادم من خلفية استيطانية، يجسد هذا التحول من خلال تصور يقوم على خلق حالة احتكاك مستمرة مع الفلسطينيين، عبر تحويل الفضاءات اليومية، وخاصة القرى، إلى بؤر توتر دائمة. واعتبر أن هذه المقاربة لا تهدف إلى إنهاء الصراع، بل إلى ضبطه وإدارته، بحيث يظل مشتعلاً دون أن ينفجر في شكل مواجهة شاملة.
وأشار ليفي إلى أن بلوط، في حديث مغلق نقلته الصحيفة، يطرح مفهوم “الحرب المستمرة” التي تُدار بعناية، حيث يتم الجمع بين استخدام القوة العسكرية بشكل متواصل، ومنع التصعيد الواسع في الوقت نفسه. ويقوم هذا التصور على ما يُقدَّم باعتباره عمليات “دقيقة” أو “جراحية”، تستهدف من تصفهم المؤسسة العسكرية بـ”المنخرطين في الإرهاب”، في محاولة لإضفاء طابع الشرعية على العنف المستخدم.
غير أن الكاتب يلفت إلى أن هذا الخطاب يخفي بنية أكثر تعقيدا، حيث يتم توسيع دائرة الاشتباه لتشمل فئات واسعة من الفلسطينيين، ما يجعل من السهل إنتاج “أهداف” دائمة للعمليات العسكرية. وبهذا المعنى، لا يعود العنف مجرد رد فعل على تهديد، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة وترسيخها في المجال اليومي.
وفي هذا السياق، اعتبر ليفي أن سياسة إطلاق النار، كما تُفهم من تصريحات بلوط، لا تهدف فقط إلى منع خطر مباشر، بل إلى إنتاج أثر اجتماعي طويل الأمد، من خلال إصابات تُبقي آثارها الجسدية حاضرة، كنوع من الردع الرمزي. ويُدرج هذا المنطق ضمن ما يسميه “إدارة الجسد”، حيث يصبح الجسد الفلسطيني مجالاً لتجسيد السلطة وإعادة إنتاجها.
كما أبرز التقرير أن هذه المقاربة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى المجالين الاجتماعي والاقتصادي، حيث تُستثمر الأوضاع المعيشية الصعبة، وعلى رأسها البطالة، كآلية للضغط غير المباشر. فهذه الظروف تدفع بعض الفلسطينيين إلى المخاطرة في سبيل العمل، ما يُستخدم لاحقاً كجزء من منظومة الردع، في إطار ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد السيطرة”.
وتوقف ليفي عند العلاقة المعقدة بين الجيش والمستوطنين، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية تسعى إلى احتكار العنف وضبطه، بما يضمن استمراريته ضمن قواعد محسوبة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى العنف الذي يمارسه بعض المستوطنين خارج هذا الإطار باعتباره تهديداً لشرعية العنف المؤسسي، وليس رفضاً له من حيث المبدأ.
وأضاف أن بلوط يحاول الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، من خلال توجيه انتقادات لما يُعرف بـ”الإرهاب اليهودي”، في محاولة لإعادة ضبط سلوك المستوطنين، وضمان خضوعهم لقواعد الدولة. فالمشكلة، وفق هذا التصور، ليست في وجود العنف، بل في خروجه عن السيطرة المؤسسية.
وخلص الكاتب إلى أن القائد العسكري في هذا السياق لا يؤدي فقط دورا أمنيا، بل يضطلع أيضاً بوظيفة أقرب إلى “عالم اجتماع”، حيث يعمل على تنظيم العلاقات داخل المجال الذي يسيطر عليه، وتحديد من يملك حق استخدام القوة، وفي أي سياق، وبأي حدود. وبهذا المعنى، تصبح إدارة الاحتلال عملية مركبة تجمع بين العنف المادي والتنظيم الاجتماعي، في إطار ما وصفه ليفي بـ”هندسة السيطرة”، التي تهدف إلى ضمان استمرار النظام القائم دون الانزلاق إلى فوضى غير قابلة للتحكم.



تعليقات الزوار ( 0 )