تشهد منطقة الساحل الإفريقي منذ سنوات تصاعدا مستمرًا في نشاط الجماعات المسلحة، في ظل تراجع سلطة الدول واتساع رقعة النزاعات المسلحة، الأمر الذي جعل المنطقة إحدى أكثر بؤر الإرهاب نشاطًا في العالم.
وبين أبرز هذه الجماعات يبرز تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، المعروف سابقا باسم تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS)، الذي نجح في ترسيخ حضوره داخل المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مستفيدًا من هشاشة الأوضاع الأمنية والانقسامات المحلية.
وتناولت دراسة بحثية حديثة أعدها الباحث ماتيو بيريه (Mathieu Bere)، ونشرتها مجلة أكاديمية متخصصة في دراسات الإرهاب، البنية الداخلية للتنظيم والعوامل التي تحدد سلوكه العسكري والسياسي، إضافة إلى طبيعة علاقاته مع التنظيمات الجهادية الأخرى، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة.
نشأة التنظيم وانفصاله عن القاعدة
توضح الدراسة أن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل لم ينشأ بصورة مستقلة، بل خرج من رحم جماعات كانت تدين بالولاء لتنظيم القاعدة، قبل أن يعلن عدد من قادتها مبايعة تنظيم “داعش”، في إطار موجة الانقسامات التي شهدتها التنظيمات الجهادية عقب صعود تنظيم الدولة في العراق وسوريا.
ورغم تشابه المرجعية الفكرية بين التنظيمين، فإن الدراسة تشير إلى وجود اختلافات واضحة في الرؤية والاستراتيجية وأساليب إدارة الصراع، وهو ما أدى إلى تنافس دموي في كثير من المناطق، خصوصًا داخل مالي وبوركينا فاسو.
استراتيجية توسع تقوم على السيطرة لا مجرد تنفيذ الهجمات
بحسب الدراسة، يعتمد تنظيم داعش في الساحل على استراتيجية مختلفة نسبيًا عن الجماعات المرتبطة بالقاعدة، إذ يسعى إلى فرض سيطرة مباشرة على المناطق الريفية، وإخضاع السكان المحليين لسلطته، بدل الاكتفاء بتنفيذ هجمات متفرقة ضد القوات الحكومية.
ويرى الباحث أن التنظيم يحاول بناء نموذج حكم محلي داخل المناطق التي ينشط فيها، مستفيدًا من غياب مؤسسات الدولة، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على التجنيد وتحصيل الموارد وفرض النفوذ.
استهداف المدنيين أحد أبرز الفوارق
تكشف الدراسة أن تنظيم داعش في الساحل يتبنى نمطًا أكثر عنفًا في اختيار أهدافه مقارنة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
ففي حين تحاول الجماعات المرتبطة بالقاعدة في بعض الحالات الحفاظ على علاقات مع المجتمعات المحلية لتأمين الحاضنة الاجتماعية، لا يتردد تنظيم داعش في تنفيذ هجمات واسعة ضد المدنيين، خصوصًا المجتمعات التي يشتبه في تعاونها مع القوات الحكومية أو الجماعات المنافسة.
وتؤكد الدراسة أن هذا النهج أسهم في ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في مناطق واسعة من الساحل خلال السنوات الأخيرة.
صراع متواصل مع الجماعات المنافسة
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن مواجهات التنظيم لا تقتصر على الجيوش الوطنية والقوات الدولية، بل يخوض أيضا مواجهات مستمرة ضد جماعات متشددة أخرى، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وتوضح الدراسة أن المنافسة بين الطرفين لا ترتبط فقط بالاختلافات العقائدية، وإنما أيضًا بالصراع على النفوذ، وطرق التهريب، ومصادر التمويل، والسيطرة على المجتمعات المحلية.
وأدى هذا التنافس إلى اندلاع معارك دامية بين التنظيمين في عدد من المناطق الحدودية، ما زاد من تعقيد المشهد الأمني في الساحل.
تكتيكات هجومية متنوعة
واعتمد الباحث على تحليل بيانات الهجمات الإرهابية لرصد أنماط العمليات التي ينفذها التنظيم، وأظهرت النتائج أن داعش في الساحل يستخدم مزيجًا من الوسائل العسكرية، تشمل: الكمائن المسلحة ضد القوات العسكرية، والهجمات المباغتة على القواعد الأمنية، والدراجات النارية كوسيلة للحركة السريعة.
وشملت أيضا، العبوات الناسفة والألغام، والاقتحامات الجماعية للقرى والمراكز العسكرية، وتنفيذ عمليات قتل جماعي لترهيب السكان، وتشير الدراسة إلى أن التنظيم يفضل الهجمات السريعة والمكثفة التي تحقق أكبر أثر نفسي وعسكري بأقل خسائر ممكنة.
عوامل تساعد على استمرار نشاط التنظيم
وترى الدراسة أن استمرار تمدد التنظيم يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها: ضعف مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، وهشاشة الحدود بين دول الساحل، والنزاعات العرقية والمحلية، والفقر والبطالة، سهولة تنقل المقاتلين والأسلحة عبر الحدود، محدودية التنسيق الأمني بين الدول.
وتؤكد أن هذه الظروف تمنح التنظيم بيئة مناسبة لإعادة تنظيم صفوفه حتى بعد تعرضه لضربات عسكرية.
تحديات أمام جهود مكافحة الإرهاب
ويشير الباحث إلى أن المقاربة العسكرية وحدها لا تكفي للقضاء على التنظيم، لأن الجماعات المسلحة تستفيد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعاني منها المنطقة.
ويرى أن النجاح في مواجهة الإرهاب يتطلب بناء مؤسسات دولة أكثر فاعلية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الثقة بين السكان والسلطات، إلى جانب تطوير التعاون الاستخباراتي والعسكري بين دول الساحل.
توصيات لتعزيز التعاون الإفريقي
وخلصت الدراسة إلى أن الحد من خطر تنظيم داعش في الساحل يتطلب تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية على عدة مستويات، تشمل التنسيق التشريعي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير آليات التمويل المشترك، ودعم العمليات العسكرية المشتركة، بما يقلص قدرة التنظيمات المسلحة على استغلال الثغرات الحدودية والاختلافات بين الدول.
وترى الدراسة أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونا بوجود استراتيجية شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى معالجة جذور التطرف، وتحسين أوضاع المجتمعات المحلية، بما يقلل من قدرة الجماعات المتشددة على التجنيد والتوسع داخل منطقة الساحل.



تعليقات الزوار ( 0 )