تمثل قضية المقاتلين الأجانب في سوريا إحدى أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، وذلك لتأثيرها المباشر على عدة محاور استراتيجية. فهي تمس في الوقت نفسه بنية السلطة الجديدة التي يحاول أحمد الشرع ترسيخها، ومستقبل الأمن الإقليمي، وطبيعة العلاقة المستقبلية بين سوريا والقوى الغربية، بالإضافة إلى مستقبل التيار السلفي الجهادي ذاته . لم يكن هؤلاء المقاتلون مجرد عناصر هامشية في الحرب السورية، بل تطور دورهم تدريجيا ليصبحوا
قوة عسكرية عابرة للحدود، تمتلك خبرات قتالية وتنظيمية وعقائدية متقدمة، ويحمل بعضها مشروعا أمميا لا يعترف بالدولة الوطنية أصلا .
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية لظاهرة المقاتلين الأجانب في سوريا ما بعد الأسد، مع التركيز على أبعادها المختلفة وتأثيراتها المحتملة على المشهد السوري والإقليمي والدولي. ستتناول الدراسة تصنيف هذه الفصائل، التحديات التي تفرضها على الدولة السورية الجديدة، الضغوط الغربية للتعامل معها، والمخاطر الأمنية والأيديولوجية التي تمثلها، مع الاستفادة من المراجع الأكاديمية والتقارير الحديثة.
من هم المقاتلون الأجانب؟ وما طبيعة فصائلهم؟
يمكن تقسيم المقاتلين الأجانب في سوريا إلى أربع دوائر رئيسية، لكل منها خصائصها وأهدافها:
التيار التركستاني – الإيغوري
يتكون هذا التيار بشكل أساسي من الإيغور القادمين من إقليم شينجيانغ الصيني، وأبرز تنظيماته الحزب الإسلامي التركستاني وفرقة غربة للمجاهدين . يتميزون بعقيدة جهادية صلبة مرتبطة تاريخيا بتنظيم القاعدة، ويمتلكون خبرة عسكرية عالية في حرب الجبال والطائرات المسيرة. يميلون إلى الانضباط التنظيمي، وهدفهم الحقيقي في سوريا لم يكن نهائيا، بل محطة ضمن مشروع أوسع يتعلق بالصراع مع الصين وإقامة تركستان الشرقية الإسلامية .
التيار الأوزبكي والآسيوي الوسطى
يضم هذا التيار مقاتلين من أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، ومن أبرز جماعاته كتيبة الإمام البخاري وكتيبة التوحيد والجهاد . لديهم صلات تاريخية مع حركة طالبان وتأثروا بنموذج الإمارة الإسلامية الأفغانية. يشكل هذا التيار خطورة أمنية عالية بسبب خبرته التقنية، وقدرته على التخفي، وشبكاته العابرة للحدود، والقدرة على العمل في خلايا صغيرة، مما ربط بعض العمليات الخارجية في أوروبا وروسيا واسيا الوسطى بعناصر منه .
تيار القوقاز
يضم هذا التيار شيشانا وداغستانيين، وأبرز فصائله جيش المهاجرين والأنصار وأجناد القوقاز . يمتلكون إرثا قتاليا منذ حروب الشيشان ضد روسيا، ويتفوقون في القنص والعمليات الخاصة والانغماسية. هذا التيار أقل اهتماما بإدارة الدولة وأكثر اهتماما بـالجهاد العسكري ، مما يجعله أقرب ذهنيا إلى القاعدة .
التيار الأوروبي
يشمل هذا التيار فرنسيين وبلقانيين ومهاجرين أوروبيين، ومن أمثلته وفرقة الغرباء بقيادة عمر ديابي . تشكلوا داخل بيئات التهميش والهويات المأزومة في أوروبا، ولديهم خبرة دعائية وإعلامية كبيرة. تكمن خطورتهم ليس فقط في العدد، بل في امتلاك بعضهم جنسيات أوروبية، مما يسهل تحركهم داخل أوروبا نسبيًا .
كتيبة الغرباء إحدى أبرز الفصائل الأجنبية في سوريا، وتتميز بكونها تتألف بشكل أساسي من مقاتلين ناطقين بالفرنسية، معظمهم من أصول فرنسية أو سنغالية-فرنسية . يقود هذه الكتيبة عمر أومسن، المعروف أيضا باسم عمر ديابي، وهو شخصية مثيرة للجدل ذات خلفية إجرامية في فرنسا قبل أن يتحول إلى داعية جهادي ومنظم للمقاتلين الأجانب .
صنفت الولايات المتحدة عمر أومسن كـ إرهابي دولي منذ عام 2016، مما يؤكد على خطورة دوره في تجنيد وتوجيه المقاتلين الأجانب إلى سوريا . تتمركز الكتيبة بشكل رئيسي في محافظة إدلب، وتحديدا في منطقة حارم بالقرب من الحدود التركية، وهي منطقة استراتيجية تشهد توترات مستمرة .
في أواخر عام 2025، واجهت كتيبة الغرباء ضغوطا متزايدة من السلطة السورية الجديدة. ففي أكتوبر 2025، حاصرت القوات السورية مخيم الكتيبة في منطقة الفردان بإدلب، في عملية أمنية تهدف إلى احتواء نفوذ هذه الفصائل. أسفرت المفاوضات عن اتفاق لوقف إطلاق النار، تضمن سحب الأسلحة الثقيلة من الكتيبة وفتح تحقيق جنائي ضد عمر أومسن بتهمة اختطاف طفلة . هذا الحادث يسلط الضوء على التوتر بين السلطة الجديدة والفصائل الأجنبية، ويعكس محاولة دمشق لفرض سيطرتها وتلبية المطالب الدولية.
يمثل المقاتلون الفرنسيون جزءا مهما من الفصائل الأجنبية في سوريا. تشير التقديرات في أوائل عام 2026 إلى أن حوالي 70 إلى 220 مقاتلا فرنسيا لا يزالون متواجدين في سوريا، وينتمي معظمهم إلى كتيبة الغرباء . هؤلاء المقاتلون، الذين انجذبوا إلى الصراع لأسباب أيديولوجية أو شخصية، يمثلون تحدياً أمنياً كبيراً لكل من سوريا والدول الغربية، بما في ذلك فرنسا.
تكمن خطورة هؤلاء المقاتلين في خبرتهم القتالية التي اكتسبوها على مدار سنوات الصراع، وقدرتهم على التكيف، وولائهم الأيديولوجي الذي قد يتعارض مع أي محاولة لدمجهم في هياكل الدولة الوطنية. كما أن عودتهم المحتملة إلى بلدانهم الأصلية تثير مخاوف أمنية جدية بشأن انتشار التطرف والإرهاب .
لماذا يشكل المقاتلون الأجانب معضلة للدولة السورية الجديدة؟
يشكل وجود المقاتلين الأجانب معضلة بنيوية ومعقدة للدولة السورية الجديدة التي يحاول أحمد الشرع بناءها.
تكمن الإشكالية الأعمق في ملف المقاتلين الأجانب في سوريا في أن القضية لم تعد مجرد مسألة أمنية أو عسكرية قابلة للحل عبر الدمج أو التفكيك، بل أصبحت أزمة مرتبطة بطبيعة المشروع السياسي نفسه الذي تحاول السلطة الجديدة بناءه بعد سقوط النظام. فالكثير من هؤلاء المقاتلين تشكل وعيهم داخل بيئة سلفية جهادية عابرة للحدود، ترى أن الانتماء العقدي يتقدم على الانتماء الوطني، وأن فكرة الأمة تتجاوز الدولة الحديثة وحدودها السياسية. ولذلك فإن انتقالهم من مرحلة الجهاد الثوري إلى مرحلة بناء الدولة ليس انتقالا تقنيا سهلا، بل يمثل صداما عميقا بين عقليتين مختلفتين تماما عقلية الدولة التي تقوم على البراغماتية والتوازنات والاعتراف الدولي، وعقلية الجماعة العقائدية التي ترى أن الشرعية تستمد من المنهج لا من المؤسسات أو الإرادة الشعبية.
هذا التناقض يضع السلطة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، تحاول تقديم نفسها كسلطة انتقالية مسؤولة تسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وطمأنة الأقليات والانفتاح على المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى لا تزال تعتمد جزئيا على قوى عسكرية تشكلت تاريخيا خارج منطق الدولة أصلا. ولذلك فإن أي محاولة للانتقال نحو نموذج الدولة الوطنية ستفسر لدى بعض التيارات الجهادية باعتبارها تراجعا عن المشروع الأصلي أو نوعا من الانحراف السياسي الذي حدث سابقا في تجارب حركات إسلامية أخرى عندما دخلت مسار التسويات والاعتراف الدولي.
كما أن إشكالية الولاء تبقى من أخطر التحديات الكامنة. فالمقاتل الجهادي العابر للحدود غالبا لا ينظر إلى نفسه بوصفه جنديا داخل مؤسسة وطنية سورية، بل باعتباره جزءا من مشروع أممي أوسع. ولهذا فإن اندماجه الكامل داخل جيش وطني يخضع لتراتبية مؤسساتية وقوانين دولة وسيادة سياسية يبقى أمرا معقدا نفسيا وفكريا. فالدولة الحديثة تقوم على احتكار العنف وتنظيمه ضمن مؤسسات رسمية، بينما ترى الجماعات الجهادية المسلحة أن الشرعية القتالية قد تبقى مستقلة عن الدولة إذا انحرفت الأخيرة عن التصور العقائدي الذي تتبناه. وهنا يظهر الخطر الحقيقي ليس فقط وجود سلاح خارج السيطرة، بل وجود تصور مواز للشرعية السياسية والدينية.
وفي هذا السياق، فإن محاولات دمج هؤلاء داخل وزارة الدفاع أو الأجهزة الأمنية لا تعني بالضرورة انتهاء المشكلة، لأن البنية الفصائلية التي تشكلت خلال سنوات الحرب لا تختفي بسهولة. فالكثير من الجماعات احتفظت بروابطها الداخلية، وقياداتها التاريخية، وشبكاتها المالية، وعلاقاتها العابرة للحدود، بل وحتى بهويتها الرمزية الخاصة. كما أن اقتصاد الحرب الذي نشأ خلال سنوات الصراع خلق مصالح مستقلة مرتبطة بالمعابر والتمويل والسلاح والتهريب، ما يجعل بعض الفصائل أقل قابلية للذوبان الكامل داخل بنية الدولة الجديدة.
ومن هنا فإن خطر التمرد الداخلي يظل قائما، ليس بالضرورة في شكل مواجهة مباشرة وفورية، بل ربما في صورة انشقاقات تدريجية أو رفض صامت أو إعادة تشكل تيارات أكثر تشددا ترى أن السلطة الجديدة ذهبت بعيدا في البراغماتية السياسية. والتاريخ الجهادي المعاصر يقدم نماذج عديدة لانقسامات حدثت عندما حاولت بعض التنظيمات الانتقال من العمل العقائدي الثوري إلى العمل السياسي الواقعي، حيث ظهرت دائما تيارات تتهم القيادة بـالتفريط أو تمييع المشروع. لذلك فإن السلطة السورية الجديدة لا تواجه فقط تحدي السيطرة الأمنية، بل تواجه أيضا تحدي إعادة إنتاج الشرعية داخل بيئة جهادية اعتادت تعريف الشرعية بمعايير مختلفة عن معايير الدولة الوطنية الحديثة.
أما على المستوى الدولي، فإن وجود آلاف المقاتلين الأجانب يمثل أحد أكبر العوائق أمام إعادة تأهيل سوريا سياسيا ودبلوماسيا. فالغرب لا ينظر إلى الملف باعتباره شأنا داخليا سوريا فقط، بل باعتباره قضية أمن دولي مرتبطة بشبكات عابرة للحدود. ولذلك فإن أي حديث عن رفع العقوبات أو إعادة الإعمار أو التطبيع السياسي سيظل مرتبطا بمدى قدرة السلطة الجديدة على معالجة هذا الملف بصورة مقنعة. فالدول الغربية لا تخشى فقط من وجود مقاتلين متشددين داخل سوريا، بل من تحول سوريا نفسها إلى بيئة إنتاج جديدة للحركات الجهادية العابرة للحدود.
ويعود جزء كبير من هذا القلق إلى التجربة الأوروبية مع الهجمات الإرهابية خلال العقد الماضي، حيث أثبتت التجارب أن البيئة السورية كانت نقطة جذب وتدريب وتعبئة لعدد من المنفذين أو المرتبطين بشبكات إرهابية في أوروبا. ولذلك تنظر العواصم الأوروبية إلى أي تجمع جهادي مستقر داخل سوريا باعتباره تهديدا مؤجلا حتى لو بدا منضبطا مرحليا. فالمشكلة من وجهة نظرها ليست فقط في النوايا الحالية، بل في قابلية هذه الشبكات لإعادة التشكل مستقبلا تحت تأثير التحولات الإقليمية أو الانقسامات الداخلية.
كما أن الغرب لا يزال يتعامل بحذر شديد مع الخطاب البراغماتي لبعض الفصائل الجهادية السابقة، لأن هناك اعتقادا واسعا داخل المؤسسات الأمنية الغربية بأن جزءا من التحولات الخطابية قد يكون تكتيكيا أكثر منه تحولا فكريا جذريا. فالتجارب السابقة مع تنظيمات جهادية مختلفة أظهرت أن تغيير اللغة السياسية أو محاولة الظهور بصورة أكثر اعتدالا لا يعني بالضرورة التخلي الكامل عن البنية الأيديولوجية الأصلية. ولهذا فإن ملف المقاتلين الأجانب يبقى مرتبطا أيضا بمسألة الثقة الدولية، وهي ثقة لم تتشكل بعد بصورة كاملة تجاه السلطة الجديدة وتحالفاتها العسكرية السابقة.
وتزداد حساسية الملف بسبب التخوف من إعادة إنتاج نموذج شبيه بأفغانستان بعد انسحاب السوفييت أو حتى بعد عودة طالبان إلى الحكم، حيث تحولت بعض البيئات الجهادية إلى فضاءات جذب وتدريب عابرة للحدود ساهمت لاحقا في نشوء تنظيمات أكثر راديكالية. ولذلك فإن كثيرا من مراكز التفكير الغربية تنظر إلى سوريا اليوم بوصفها ساحة اختبار: هل ستتحول إلى دولة قابلة للاندماج الإقليمي والدولي، أم إلى نموذج هجين يجمع بين مؤسسات دولة شكلية وشبكات جهادية كامنة تحت السطح؟
أما العامل الإسرائيلي فيضيف طبقة إضافية من التعقيد، لأن إسرائيل تنظر بقلق خاص إلى الجماعات الأجنبية ذات الخبرة القتالية العالية، خصوصا المقاتلين القادمين من القوقاز وآسيا الوسطى الذين راكم بعضهم خبرات في الطائرات المسيرة والصواريخ وحرب العصابات. فبالنسبة لإسرائيل، لا يتعلق الأمر فقط بإيديولوجيا معادية، بل بإمكانية ظهور بيئة غير مستقرة قرب حدودها تضم عناصر ذات خبرات قتالية متقدمة وشبكات دولية يصعب احتواؤها بالكامل. ولهذا فإن إسرائيل تراقب بدقة عملية إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية، وتحاول فهم ما إذا كانت السلطة الجديدة قادرة فعلا على احتكار القوة أم أنها لا تزال مضطرة للتعايش مع مراكز قوة عقائدية مستقلة داخل المشهد السوري الجديد.
الخطر الحقيقي للمقاتلين الأجانب
لا يكمن الخطر الحقيقي للمقاتلين الأجانب في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد في عددهم المجرد، بل في طبيعة التكوين الذي راكموه خلال سنوات طويلة من الحرب، وفي نوع الشبكات والعلاقات والذهنيات التي تشكلت داخل هذا الوسط العابر للحدود. فهؤلاء لم يعودوا مجرد أفراد قدموا للقتال ضمن موجة تعبئة دينية أو أيديولوجية مرتبطة بمرحلة معينة، بل تحول جزء مهم منهم إلى فاعلين يمتلكون خبرة عسكرية وأمنية وتنظيمية معقدة، تجعلهم أحد أكثر الملفات حساسية في مستقبل الدولة السورية الجديدة وفي حسابات الأمن الإقليمي والدولي على السواء.
لقد أفرزت الحرب السورية جيلا جديدا من المقاتلين الجهاديين يختلف عن الأجيال السابقة التي شاركت في أفغانستان أو العراق. فالمقاتل الأجنبي في سوريا راكم خبرة قتالية طويلة داخل بيئة حرب شديدة التعقيد، جمعت بين حرب المدن، والعمليات الانغماسية، وإدارة المناطق، واستخدام الطائرات المسيرة، وصناعة المتفجرات، والتخفي الأمني، والحرب الإعلامية والرقمية. كما أن طول أمد الصراع السوري منح هؤلاء فرصة نادرة للتدرج داخل هياكل تنظيمية متعددة، من الفصائل المحلية إلى التنظيمات العابرة للحدود، الأمر الذي أنتج ما يمكن وصفه بـ(النخبة الجهادية المعولمة). وهذه النخبة لا تمتلك فقط خبرة في القتال التقليدي، بل أيضا في إدارة الشبكات السرية، والتجنيد، والتعبئة العقائدية، والعمل الأمني المضاد، وهي خبرات تجعل تفكيكها أكثر تعقيدا من مجرد إنهاء وجودها العسكري المباشر.
وتزداد خطورة هذه الفئة بسبب الطابع الدولي للشبكات التي بنتها خلال أكثر من عقد من الحرب. فالمقاتلون الأجانب لم يتحركوا بشكل فردي معزول، بل ضمن منظومات لوجستية عابرة للحدود شملت التهريب، والتمويل، وتزوير الوثائق، والاتصال الرقمي، ونقل الأموال، وتأمين الممرات البشرية بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا. وقد سمحت سنوات الحرب الطويلة بتكوين علاقات مع شبكات تهريب محلية وإقليمية، بعضها يرتبط بالجريمة المنظمة أكثر من ارتباطه بالبنية الأيديولوجية التقليدية للتنظيمات الجهادية. وهذا التداخل بين الجهادي والإجرامي يمثل تحديا إضافيا، لأنه يمنح هذه المجموعات قدرة على البقاء حتى في حال انهيار التنظيمات الأم أو تغير الظروف السياسية. كما أن انتشار هؤلاء المقاتلين عبر جنسيات متعددة يجعل من الصعب مراقبتهم أو تتبع تحركاتهم، خاصة مع امتلاك بعضهم وثائق مزورة، أو هويات مزدوجة، أو خبرة طويلة في التخفي والعمل السري.
غير أن العنصر الأكثر خطورة في المرحلة الحالية يتمثل في ما يمكن تسميته بـالإحباط الأيديولوجي. فالكثير من المقاتلين الأجانب دخلوا إلى سوريا باعتبارها ساحة لإقامة مشروع جهادي عابر للحدود، وليس باعتبارها مجرد ثورة محلية ضد نظام سياسي. ولذلك فإن التحولات التي يشهدها المشهد السوري اليوم، وخاصة محاولة السلطة الجديدة تقديم نفسها كشريك إقليمي ودولي يسعى إلى بناء مؤسسات دولة والانفتاح على الغرب واحتواء الأقليات، قد تفسر داخل بعض الأوساط الجهادية بوصفها انحرافا أو خيانة للمشروع الأصلي. وتاريخ الحركات الجهادية يبين أن أخطر الانشقاقات لا تنشأ غالبا بسبب الهزيمة العسكرية، بل بسبب الصراع حول الشرعية الأيديولوجية وتحديد العدو الحقيقي.
ومن هنا فإن خطر التمرد الداخلي يظل قائما، خاصة إذا اتجهت السلطة الجديدة إلى تفكيك بعض الفصائل الأجنبية، أو تسليم مطلوبين، أو فرض ترتيبات أمنية تتعارض مع تصوراتهم العقائدية. ففي مثل هذه السياقات تظهر عادة تيارات أكثر تشددا تتهم القيادة بالبراغماتية أو الردة السياسية، وهو ما قد يدفع بعض العناصر إلى تنفيذ عمليات اغتيال، أو تشكيل خلايا متمردة، أو إعادة الارتباط بتنظيمات أكثر تطرفا مثل تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية أو شبكات مرتبطة بـ تنظيم القاعدة. كما أن التجارب السابقة في أفغانستان والعراق أظهرت أن المقاتلين الأجانب غالبا ما يكونون أقل استعدادا للتسويات السياسية وأكثر ميلا إلى التصعيد العقائدي، لأنهم لا يرتبطون بالبنية الاجتماعية المحلية بنفس الدرجة التي يرتبط بها الفاعلون السوريون.
وفي السياق نفسه، يبرز تحدي الذئاب المنفردة باعتباره أحد أكثر المخاطر تعقيدا بالنسبة للأجهزة الأمنية الغربية والاسيوية. فالتطور التكنولوجي وانتشار وسائل الاتصال المشفرة جعلا من الممكن انتقال التأثير الأيديولوجي والخبرة العملياتية دون الحاجة إلى بنية تنظيمية مركزية. وهذا يعني أن بعض المقاتلين السابقين، أو حتى المتعاطفين المتأثرين بخطابهم، قد يصبحون قادرين على تنفيذ عمليات فردية منخفضة الكلفة لكنها ذات أثر رمزي وإعلامي كبير. وتكمن خطورة هذا النمط في صعوبة التنبؤ به، لأن المنفذ قد لا يكون مرتبطا تنظيميا بأي جهة واضحة، بل يتحرك بدافع ذاتي متأثر بخطاب تعبوي أو بإحساس بالانتقام أو الإحباط العقائدي.
كما أن عددا من المقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا أو آسيا الوسطى أو شمال إفريقيا راكموا معرفة دقيقة بالثقافات واللغات والمجتمعات التي جاؤوا منها، ما يمنحهم قدرة أكبر على التخفي أو التواصل أو إعادة بناء الشبكات في بلدانهم الأصلية. ولهذا تنظر الأجهزة الأمنية الغربية إلى الملف السوري ليس فقط باعتباره قضية مرتبطة بمستقبل سوريا، بل باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها الداخلي. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بعودة مقاتلين عائدين بالمعنى التقليدي، بل بظهور جيل يمتلك خبرة هجينة تجمع بين العقيدة المتشددة، والمهارة العسكرية، والمعرفة الرقمية، والقدرة على التحرك ضمن فضاءات عابرة للحدود.
إن التحدي الأكبر الذي ستواجهه السلطة السورية الجديدة لا يتمثل فقط في احتواء هؤلاء المقاتلين أمنيا، بل في كيفية تفكيك البيئة الأيديولوجية والتنظيمية التي أنتجتهم. فالمقاربة العسكرية وحدها قد تدفع بعضهم إلى مزيد من التطرف والعمل السري، بينما يتطلب التعامل مع هذا الملف رؤية مركبة تجمع بين الأمن، وإعادة الإدماج، والضبط القانوني، والتعاون الاستخباراتي الدولي، وإعادة بناء الشرعية السياسية داخل الدولة السورية نفسها. ولذلك فإن مستقبل المقاتلين الأجانب سيظل أحد أهم المؤشرات التي سيقاس من خلالها مدى قدرة سوريا الجديدة على الانتقال من فضاء الحرب الجهادية المفتوحة إلى منطق الدولة والاستقرار..
هل يستطيع الشرع التخلص منهم؟
يمثل ملف المقاتلين الأجانب التحدي الأمني والسياسي الأكثر تعقيدا أمام حكومة أحمد الشرع الانتقالية. فبينما شكل هؤلاء المقاتلون رأس الحربة في العمليات العسكرية التي أدت إلى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تحولوا في عامي 2025 و2026 إلى عبء استراتيجي يهدد الشرعية الدولية للنظام الجديد. يتناول هذا التقرير آليات التعامل مع هذا الملف، والضغوط الدولية الممارسة، والسيناريوهات المستقبلية المتوقعة في ظل قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي (NDAA) لعام 2026.
منذ دخول أحمد الشرع (المعروف سابقا بأبي محمد الجولاني) إلى دمشق، انتهج سياسة سوريا اولا والمأسسة، محاولا النأي بنفسه عن ماضيه المرتبط بتنظيم القاعدة. وقد تجلى ذلك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، حيث ركز على مفاهيم السيادة الوطنية، التعددية، ومكافحة الإرهاب العابر للحدود.
تعكس طريقة تعامل السلطة السورية الجديدة مع ملف المقاتلين الأجانب مسارا متدرجا انتقل من منطق الضرورة العسكرية إلى منطق الاحتواء الأمني ثم إلى محاولة التفكيك التدريجي تحت ضغط الاعتبارات الدولية والإقليمية. ففي مرحلة ما قبل سنة 2025، كان هؤلاء المقاتلون يشكلون عنصرا أساسيا في البنية القتالية للفصائل المسلحة، خاصة في ظل حاجة القوى الصاعدة إلى الخبرة العسكرية والانضباط العقائدي والقدرة على تنفيذ العمليات المعقدة. لذلك قامت العلاقة في تلك المرحلة على التحالف العملياتي المباشر، حيث تم إشراك المقاتلين الأجانب داخل غرف عمليات مشتركة مثل الفتح المبين، وتم الاعتماد عليهم في المعارك الكبرى باعتبارهم قوة صلبة تمتلك خبرة قتالية تراكمت عبر سنوات الحرب السورية وتجارب جهادية عابرة للحدود.
لكن مع التحولات السياسية والعسكرية التي عرفتها سوريا لاحقا، بدأت السلطة الجديدة تدرك أن استمرار البنية الجهادية العابرة للحدود يشكل عبئا استراتيجيا يهدد فرص الاعتراف الدولي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. لذلك انتقلت المقاربة خلال مطلع سنة 2025 إلى سياسة المأسسة والاحتواء الهيكلي، حيث جرى السعي إلى تفكيك الاستقلالية التنظيمية للمقاتلين الأجانب عبر إدماجهم داخل تشكيلات رسمية أو شبه رسمية مثل (الفرقة 84) والحرس الجمهوري. لجأ الشرع إلى تكتيك الدمج الموجه عبر إنشاءهذه الفرقة 84 التابعة للقوات المسلحة السورية، ومقرها الأكاديمية البحرية في اللاذقية. ضمت هذه الفرقة حوالي 3,500 مقاتل من جنسيات أوزبكية، شيشانية، وإيغورية. ومن خلال منح رتب عسكرية رفيعة (مثل رتبة عميد لـ عبد العزيز داوود خضابيردي وعمر محمد جفتجي)، حاول الشرع ضمان ولاء القيادات وتجنب التمرد المسلح.
ومع ذلك، أثبتت هذه المقاربة أنها سلاح ذو حدين فوجود قادة أجانب في هيكلية الجيش السوري أثار حفيظة القوى الغربية، مما أدى إلى صدور قانون NDAA 2026 الذي ألزم الإدارة الأمريكية بإجراء مراجعات دورية لمدى تغلغل هؤلاء في مفاصل الدولة كشرط لرفع العقوبات الاقتصادية.
وكان الهدف من هذه الخطوة مزدوجا فمن جهة محاولة ضبطهم أمنيا وإخضاعهم لسلسلة القيادة المركزية، ومن جهة أخرى منع تشكل جيوب عسكرية مستقلة قد تتحول لاحقا إلى تهديد داخلي أو إلى منصة لاستقطاب موجات جديدة من الجهاديين.
غير أن سياسة الاحتواء لم تنه المخاوف الداخلية والخارجية المرتبطة بهؤلاء المقاتلين، خصوصا مع تصاعد الضغوط الغربية والإقليمية التي ربطت أي انفتاح سياسي أو اقتصادي على دمشق بمدى قدرتها على معالجة ملف التنظيمات الجهادية والمقاتلين الأجانب. ولهذا بدأت مرحلة جديدة في أواخر سنة 2025 اتسمت بمحاولة التفكيك التدريجي والتقليص المنظم لنفوذهم، عبر تعليق التعيينات العليا لبعض القيادات الأجنبية، والحد من حضورهم داخل المؤسسات العسكرية الحساسة، إضافة إلى تنفيذ اعتقالات انتقائية بحق شخصيات اعتبرت أكثر تشددا أو أقل قابلية للاندماج ضمن المشروع السياسي الجديد. وتعكس هذه المرحلة محاولة السلطة تحقيق توازن دقيق بين تجنب الصدام الشامل مع هذه المجموعات وبين تقديم إشارات عملية للخارج بأنها بصدد إعادة تشكيل المجال الأمني والعسكري وفق منطق الدولة لا وفق منطق الشبكات الجهادية العابرة للحدود.
أما في أفق سنة 2026 وما بعدها، فيبدو أن الاتجاه العام يسير نحو تقليص الوجود الأجنبي إلى الحد الأدنى الممكن، سواء عبر الترحيل التدريجي لبعض العناصر، أو فرض العزل الأمني على الفئات الأكثر تشددا، أو إخضاع البقية لمراجعات دورية ومراقبة أمنية مكثفة استجابة للضغوط الدولية المتزايدة. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالاعتبارات الأمنية المحلية، بل أصبحت جزءا من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل العلاقة مع الغرب، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات، وإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي والدولي. ولذلك فإن ملف المقاتلين الأجانب تحول من ورقة قوة عسكرية خلال سنوات الحرب إلى عبء سياسي وأمني معقد في مرحلة ما بعد الصراع، ما يجعل مستقبل هؤلاء المقاتلين مرهونا بقدرة السلطة الجديدة على تحقيق توازن بين متطلبات الشرعية الدولية ومخاطر الانفجار الداخلي.
الضغوط الدولية وقانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA 2026)
يشكل قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي لسنة 2026 (NDAA 2026) نقطة تحول مهمة في طبيعة العلاقة بين واشنطن والسلطات السورية الجديدة، إذ لم يعد الملف السوري يدار فقط بمنطق العقوبات التقليدية، بل أصبح مرتبطا بمنظومة شروط أمنية واستخباراتية دقيقة تستهدف إعادة تشكيل البيئة العسكرية والأمنية السورية بما ينسجم مع أولويات مكافحة الإرهاب العابرة للحدود. وقد جاء هذا التحول في سياق إدراك أمريكي متزايد بأن سقوط نظام الأسد لا يعني تلقائيا نهاية التهديدات المرتبطة بالتنظيمات الجهادية الأجنبية، خصوصا مع بقاء آلاف المقاتلين غير السوريين داخل البنية العسكرية والأمنية الجديدة.
ورغم أن NDAA 2026 تضمن توجها نحو تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية، خاصة عبر إلغاء قانون قيصر، إلا أن واشنطن ربطت أي مسار حقيقي لإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بجملة من الالتزامات الأمنية الصارمة. ومن أبرز هذه الالتزامات منع تمكين المقاتلين الأجانب داخل مؤسسات الدولة الحساسة، وتفكيك الشبكات المرتبطة بالتنظيمات الجهادية العابرة للحدود، والتعاون مع الأجهزة الغربية في ملفات الترحيل والتتبع الأمني.
وتعود حساسية ملف(المقاتلين الأجانب) بالنسبة للولايات المتحدة إلى أن عددا كبيرا من هؤلاء سبق أن ارتبط بتنظيمات مصنفة إرهابية، مثل جبهة النصرة أو الحزب الإسلامي التركستاني أو جماعات مرتبطة بالقاعدة، وهو ما يجعل إدماجهم داخل الجيش أو وزارة الدفاع السورية ينظر إليه غربيا باعتباره تهديدا مستقبليا قد يحول سوريا إلى بيئة حاضنة لجيل جديد من الجهاد العابر للحدود. لذلك مارست واشنطن، إلى جانب فرنسا وألمانيا، ضغوطا مباشرة على القيادة السورية الجديدة منذ بداية عام 2025، محذرة من منح المناصب العليا لعناصر غير سورية ذات خلفيات جهادية.
وفي هذا السياق، برزت معضلة مزدوجة أمام القيادة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع فمن جهة، تعتمد السلطة الجديدة جزئيا على ولاء بعض الفصائل الأجنبية التي شاركت في إسقاط النظام السابق، ومن جهة أخرى، فإن استمرار هذا النفوذ يهدد أي محاولة للحصول على اعتراف دولي كامل أو رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ولهذا بدأت دمشق تدريجيا في اتخاذ خطوات توصف بأنها (إعادة هندسة للشرعية العسكرية)، عبر تجميد التعيينات العليا للأجانب وتقليص حضورهم العلني داخل المؤسسات الرسمية، في محاولة لطمأنة الغرب دون الدخول في صدام مباشر مع تلك الفصائل.
كما أن الضغوط الأمريكية لم تقتصر على البعد العسكري فقط، بل امتدت إلى الجانب الاستخباراتي. فقد طالبت واشنطن بتقديم تقارير دورية حول تفكيك البنية اللوجستية والمالية للتنظيمات الجهادية، بما يشمل شبكات التمويل، ومسارات التهريب، ومراكز التدريب، والمنصات الإعلامية الرقمية. ويعكس ذلك انتقال المقاربة الأمريكية من مجرد (مكافحة تنظيمات مسلحة) إلى محاولة منع إعادة إنتاج البيئة الجهادية نفسها داخل سوريا الجديدة. كما يرتبط هذا التوجه بالمخاوف الغربية من تحول سوريا إلى مركز لإعادة تدوير المقاتلين الأجانب نحو مناطق أخرى مثل إفريقيا والساحل واسيا الوسطى.
ومن القضايا التي اكتسبت أهمية كبيرة أيضا ملف (الترحيل وإعادة التوطين). فالقانون الأمريكي دفع باتجاه تعاون أمني دولي يهدف إلى إعادة المقاتلين الأجانب المصنفين إلى بلدانهم الأصلية أو نقلهم إلى دول ثالثة، وهو ما يضع ضغوطا إضافية على الدول الأوروبية والعربية التي ما زالت مترددة في استعادة رعاياها المرتبطين بالتنظيمات الجهادية. وقد أصبح هذا الملف جزءا من التفاوض السياسي الأوسع بين دمشق والغرب، خصوصا أن استمرار وجود هؤلاء المقاتلين داخل سوريا يعد بالنسبة لواشنطن دليلا على عدم اكتمال عملية تفكيك التهديد الجهادي.
ورغم كل هذه الضغوط، فإن السياسة الأمريكية تجاه سوريا ظلت تتسم بقدر من البراغماتية. ففي منتصف 2025 أبدت واشنطن استعدادا لقبول دمج محدود لبعض المقاتلين الأجانب داخل تشكيلات عسكرية خاضعة لرقابة الدولة، بشرط الشفافية ومنع استقلالهم التنظيمي. وقد اعتبر ذلك تحولا مهما مقارنة بالمواقف الغربية السابقة التي كانت ترفض أي شرعنة لهؤلاء بشكل مطلق. غير أن هذا القبول بقي مشروطا ومؤقتا، ولم يلغ الهدف الاستراتيجي الأمريكي المتمثل في تقليص النفوذ الجهادي الأجنبي داخل مؤسسات الدولة السورية على المدى البعيد.
وبذلك يمكن القول إن NDAA 2026 لم يكن مجرد قانون دفاعي أمريكي عادي، بل تحول إلى أداة لإعادة رسم ملامح النظام الأمني السوري الجديد. فواشنطن تحاول عبره فرض معادلة واضحة الانفتاح الاقتصادي ورفع العقوبات مقابل إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية وفق معايير دولية تمنع هيمنة الفصائل الجهادية الأجنبية. ولهذا يرى عدد من المراقبين أن قرار دمشق تعليق التعيينات العسكرية العليا لغير السوريين لم يكن إجراء إداريا معزولا، بل بداية تحول استراتيجي فرضته الضغوط الدولية ومتطلبات الشرعية السياسية الجديدة.
تحليل استشرافي: التبعات والسيناريوهات (2026-2030)
السيناريو الأول: التفكيك الناعم والترحيل الطوعي (المرجح)
. يمثل سيناريو )التفكيك الناعم( أحد أكثر المسارات ترجيحا في إدارة ملف المقاتلين الأجانب في سوريا خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030، خاصة في ظل استمرار السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع في تبني مقاربة براغماتية تسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، والحصول على شرعية إقليمية ودولية، وتقليص الضغوط الغربية المرتبطة باستمرار الحضور الجهادي العابر للحدود داخل الأراضي السورية. ويقوم هذا السيناريو على مبدأ )الاستنزاف البطيء( بدل الحسم العسكري المباشر، حيث لا تبدو السلطة معنية بفتح مواجهة شاملة مع المقاتلين الأجانب بقدر ما تسعى إلى تفكيك بنيتهم التنظيمية والعسكرية تدريجيا، بطريقة تمنع حدوث انفجار أمني واسع أو انشقاقات مسلحة قد تعيد البلاد إلى دوامة الفوضى.
فالقيادة السورية الجديدة تدرك أن استمرار الوجود الكثيف للمقاتلين الأجانب يشكل عبئا استراتيجيا على مشروعها السياسي، لأنه يعطل مسار الاعتراف الدولي بالحكومة الجديدة، ويثير مخاوف الدول الغربية والإقليمية من تحول سوريا إلى ملاذ دائم للتنظيمات الجهادية، كما يتناقض مع خطاب )الدولة الوطنية( الذي تحاول السلطة تسويقه داخليا وخارجيا. وفي الوقت نفسه، فإن خيار المواجهة المباشرة مع هؤلاء المقاتلين يظل محفوفا بالمخاطر، نظرا لأن جزءا مهما منهم يمتلك خبرات قتالية متراكمة، وشبكات أمنية وتنظيمية معقدة، وولاءات عقائدية عابرة للحدود، إضافة إلى قدرتهم على التحول إلى تمرد لا مركزي يصعب احتواؤه. لذلك يبدو خيار )التفكيك التدريجي( أكثر عقلانية من منظور إدارة المخاطر الأمنية والسياسية.
ومن المرجح أن تبدأ السلطة بتقليص الامتيازات التي حصل عليها المقاتلون الأجانب خلال سنوات الحرب، عبر تخفيض الرواتب والمخصصات، وسحب المواقع الحساسة، وتقليص النفوذ داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، ومنع أي عمليات تجنيد مستقلة، إضافة إلى تفكيك الكتائب ذات الطابع العقائدي الصلب. والهدف من هذه السياسة هو تحويل الوجود الجهادي من قوة مستقلة تمتلك هامشا من النفوذ والقدرة على التأثير إلى عبء تنظيمي وأمني يصعب استمراره على المدى الطويل. كما يتوقع أن تعمل السلطة على إعادة هيكلة العناصر القابلة للاحتواء داخل تشكيلات عسكرية رسمية أكثر انضباطا، مع توزيعهم جغرافيا لمنع تشكل تجمعات مغلقة، وإخضاعهم لرقابة استخباراتية دقيقة، وإبعاد القيادات الأكثر تشددا وتأثيرا. وهنا تتحول عملية )الدمج( من كونها تكريما للمقاتلين إلى الية للسيطرة والمراقبة وتفكيك شبكات الولاء القديمة.
وفي السياق نفسه، قد تعتمد السلطة سياسة الخروج الطوعي عبر فتح قنوات غير معلنة لتسهيل مغادرة بعض المقاتلين، سواء من خلال وسطاء إقليميين أو عبر تفاهمات أمنية محدودة، وربما تقديم ضمانات مالية أو قانونية تسمح بخروج بعض العناصر دون صدام مباشر. والغاية من ذلك ليست فقط تقليل الأعداد، بل تفريغ البيئة الجهادية من كوادرها الأكثر صلابة وتأثيرًا بأقل تكلفة سياسية وأمنية ممكنة. غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتعاون الإقليمي والدولي، لأن ملف المقاتلين الأجانب بطبيعته يتجاوز الحدود السورية. فالدول الغربية، رغم رغبتها في إنهاء الوجود الجهادي في سوريا، لا تبدو مستعدة لاستقبال أعداد كبيرة من المقاتلين أو عائلاتهم، وهو ما قد يدفعها إلى دعم سياسات (الاحتواء البطيء) بدل الدفع نحو مواجهة شاملة قد تنتج موجات جديدة من الفوضى والتطرف.
كمايتوقع أن تلعب تركيا دورا محوريا في هذا الملف، سواء من خلال ضبط خطوط العبور أو إدارة بعض عمليات الترحيل والاحتواء، خاصة فيما يتعلق بالقيادات الأكثر حساسية أمنيا. غير أن أنقرة ستتعامل مع الملف بمنطق براغماتي يوازن بين منع تشكل تهديد أمني قرب حدودها وبين تجنب تحمل العبء الكامل لهذه القضية المعقدة. وفي المقابل، قد تنخرط بعض الدول الخليجية في دعم برامج إعادة الدمج أو التفكيك، خصوصا إذا ارتبط ذلك باستقرار سوريا وتقليص نفوذ التنظيمات الراديكالية ومنع انتقال المقاتلين إلى ساحات أخرى أكثر هشاشة.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو الأقل كلفة مقارنة بخيارات المواجهة المباشرة، فإنه يحمل في داخله مخاطر كامنة. فالتضييق التدريجي قد يدفع بعض المقاتلين إلى الانتقال من العمل العلني إلى النشاط السري، عبر تشكيل خلايا أمنية خفية أو شبكات لا مركزية تعتمد على العمل الرقمي والتحريض الإعلامي بدل السيطرة الميدانية. وهذا يعني أن تفكيك التنظيمات المسلحة لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك الفكر الجهادي نفسه، بل قد يساهم أحيانا في إعادة إنتاجه بأشكال أكثر مرونة وسرية. كما أن جزءا من هؤلاء المقاتلين قد يعيد التموضع في ساحات أخرى تعاني من هشاشة أمنية، مثل بعض مناطق إفريقيا أو أفغانستان أو الساحل الإفريقي، وهو ما يحول سوريا من مركز جهادي إلى محطة لإعادة تصدير المقاتلين والخبرات القتالية.
وفي حال شعرت بعض التيارات الجهادية بأن السلطة السورية الجديدة تخلت نهائيا عن المشروع العقائدي وتحولت إلى شريك أمني للغرب، فقد تظهر جماعات أكثر تشددا تتبنى خطاب الخيانة والانحراف، الأمر الذي قد يرفع احتمالات الاغتيالات أو التمردات المحدودة أو عمليات الانتقام الداخلي. لذلك فإن التحدي الأكبر أمام السلطة لن يكون فقط في تفكيك البنية العسكرية للمقاتلين الأجانب، بل في احتواء التداعيات الفكرية والأمنية التي قد تنتج عن هذا التحول.
واستنادا إلى المعطيات الحالية، يبدو مرجحا أن تشهد المرحلة بين 2026 و2027 بداية تقليص النفوذ التدريجي للمقاتلين الأجانب داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، يليها خلال 2027 و2028 تصاعد في المغادرات والانشقاقات بما يؤدي إلى تفكك البنية الأجنبية المركزية. أما بين 2028 و2029 فمن المتوقع أن يتراجع الظهور العلني لهذه الجماعات مقابل انتقال جزء من نشاطها إلى العمل السري والشبكات اللامركزية، قبل أن يشهد المشهد الجهادي بحلول 2030 إعادة تشكل إقليمي يتحول فيه التهديد من طابع محلي مرتبط بالساحة السورية إلى تهديد عابر للحدود أكثر مرونة وانتشارا.
وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا لا يتمثل في (القضاء الكامل) على المقاتلين الأجانب، بل في إعادة تشكيل وجودهم وتحويله من بنية عسكرية علنية إلى شبكات أكثر تشتتا وخفاء. فالتجارب التاريخية للحركات الجهادية تظهر أن هذه التنظيمات نادرا ما تختفي نهائيا، بل تعيد التموضع والتكيف مع التحولات السياسية والأمنية. ومن المرجح أن تنجح السلطة السورية الجديدة في تقليص النفوذ العسكري والسياسي للمقاتلين الأجانب، لكنها ستواجه صعوبة أكبر في تفكيك الروابط العقائدية والشبكات العابرة للحدود والبنية الرقمية للفكر الجهادي. ولذلك قد لا تكون سوريا ما بعد 2030 ساحة لـ(خلافة جهادية) بالشكل الذي عرفه العقد السابق، لكنها قد تبقى فضاء لإعادة إنتاج الشبكات الراديكالية بصيغ أكثر مرونة وسرية وعابرة للدول.
السيناريو الثاني: التمرد المسلح والانشقاق الجهادي
يمثل سيناريو التمرد المسلح أو ما يمكن تسميته بـالانشقاق الجهادي أحد أخطر الاحتمالات التي قد تواجه السلطة السورية الجديدة خلال المرحلة الممتدة بين 2026 و2030، خصوصاً إذا انتقلت سياسة التعامل مع المقاتلين الأجانب من الاحتواء التدريجي إلى التفكيك القسري تحت ضغط أمريكي وإقليمي متزايد. فهذه الجماعات لم تعد مجرد تشكيلات قتالية هامشية يمكن حلها بقرارات إدارية أو عبر إعادة الهيكلة العسكرية، بل تحولت خلال سنوات الحرب إلى شبكات عقائدية وعسكرية متماسكة تمتلك خبرة قتالية عالية، وبنية ولاء عابرة للحدود، وقدرة على التكيف مع البيئات الفوضوية. لذلك فإن أي محاولة لإقصائها بشكل سريع أو مهين قد تدفع جزءا منها إلى الانتقال من حالة (الاحتواء المؤقت) إلى منطق (الخيانة والانقلاب)، وهو التحول الذي غالبا ما يشكل الشرارة الأولى للتمردات الجهادية الداخلية.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن أغلب المقاتلين الأجانب، خصوصا داخل الحزب الإسلامي التركستاني وكتيبة الإمام البخاري، لا ينظرون إلى وجودهم في سوريا باعتباره مجرد تحالف عسكري ظرفي، بل يعتبرونه مشروع (هجرة ورباط) طويل الأمد. كثير منهم استقر في إدلب والساحل السوري، وتزوج وأنشأ عائلات، وأقام شبكات اقتصادية وأمنية وتعليمية مغلقة نسبيا. ولهذا فإن ترحيلهم أو تفكيكهم بالقوة لن يفهم داخل هذه البيئات بوصفه إجراء سياسيا، بل باعتباره طعنة من سلطة كانت إلى وقت قريب تعتمد عليهم عسكريا وتمنحهم مساحة من النفوذ.
وقد يزيد اعتقال أو تصفية بعض القيادات الأجنبية المؤثرة من احتمالية الانفجار، لأن التنظيمات الجهادية تتعامل مع هذه الأحداث بمنطق (الاستهداف العقدي) وليس الأمني فقط. فحين يتم اعتقال شخصية مؤثرة مثل أبو دوجانة الأوزبكي، فإن ذلك لايقرأ باعتباره إجراء قانونيا عاديا، بل يعاد تأطيره دعائيا بوصفه بداية (حرب على المجاهدين المهاجرين). ومع تصاعد هذا الخطاب، قد تتشكل تدريجيا حالة تعبئة داخلية تدفع المقاتلين الأكثر تشددا إلى الانشقاق عن المؤسسات العسكرية الرسمية، والعودة إلى أنماط العمل السري أو شبه السري.
الأخطر من ذلك أن البيئة السورية ما تزال تمتلك الشروط المثالية لإعادة إنتاج التمرد الجهادي. فهناك هشاشة أمنية، وانتشار للسلاح، ومساحات جغرافية جبلية معقدة، وحدود رخوة، إضافة إلى وجود مخزون ضخم من المقاتلين ذوي الخبرة. وهذه العوامل تجعل أي انشقاق محدود قابلا للتحول بسرعة إلى تمرد واسع النطاق، خاصة إذا حصلت الجماعات المنشقة على دعم مالي خارجي أو استفادت من شبكات التهريب الممتدة بين سوريا وتركيا والعراق. كما أن بعض هذه الجماعات يمتلك خبرة متقدمة في تصنيع المتفجرات والطائرات المسيرة والاتصالات المشفرة، ما يعني أن المواجهة معها لن تكون تقليدية، بل أقرب إلى حرب استنزاف طويلة.
ومن المرجح أيضا أن يتخذ هذا التمرد شكلا هجينا يجمع بين العمل العسكري والعمل الدعائي. فبدلا من السيطرة المباشرة على المدن كما حدث في مراحل سابقة، قد تلجأ الجماعات المنشقة إلى استراتيجية الإنهاك التدريجي، عبر الاغتيالات، والتفجيرات المحدودة، وضرب الحواجز الأمنية، وإثارة الفوضى داخل مناطق النفوذ الجديدة للسلطة. هذا النمط من التمرد منخفض الكلفة وعالي التأثير، وقد يؤدي إلى إنهاك الأجهزة الأمنية وإظهار السلطة بمظهر العاجز عن ضبط المجال الجهادي الذي كانت تحتضنه سابقا.
وفي حال تطور الصدام بشكل أوسع، فإن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال ظهور نسخة جديدة من تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية أو على الأقل إعادة إحياء البيئة الداعشية داخل سوريا. فالتاريخ الجهادي المعاصر يظهر أن الجماعات المتشددة غالبا ما تنبعث من رحم الانشقاقات وحالات الإقصاء. تنظيم داعش نفسه خرج جزئيا من ديناميات التهميش والصراع داخل الفضاء الجهادي العراقي والسوري، ولذلك فإن تكرار الظروف نفسها قد يعيد إنتاج الظاهرة بأشكال جديدة وأكثر تعقيدا. وقد يجد المقاتلون الساخطون في الخطاب الداعشي القديم ملاذا أيديولوجيا، خصوصا إذا شعروا أن المشروع الثوري أو الإسلامي قد تعرض للخيانة والتحول إلى سلطة براغماتية مرتبطة بالتفاهمات الدولية.
كما أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام تشكل تحالفات غير متوقعة بين بقايا داعش وبعض المقاتلين الأجانب المنشقين، حتى وإن كانت بينهم خلافات سابقة. ففي لحظات الانهيار والفوضى تتراجع الخلافات الفكرية أمام منطق (العدو المشترك). وإذا تحقق هذا التقارب، فقد نشهد ولادة شبكات جهادية أكثر مرونة وأقل مركزية، تعتمد على الخلايا الصغيرة والذئاب المنفردة، بدل التنظيمات الهرمية التقليدية التي يسهل استهدافها.
وسيكون الساحل السوري وإدلب من أكثر المناطق عرضة للاضطراب في هذا السيناريو، لأنهما يحتويان على كثافة سكانية مختلطة، وتعقيدات طائفية وأمنية، إضافة إلى وجود مخيمات وبيئات اجتماعية قابلة للاختراق الدعائي. كما أن أي انفجار أمني هناك سيؤثر مباشرة على تركيا، التي تخشى من تحول الشمال السوري إلى مصدر دائم للفوضى والهجرة والتطرف العابر للحدود. ولهذا قد تجد أنقرة نفسها مضطرة للتدخل أمنيا بشكل أوسع، سواء عبر دعم عمليات احتواء محددة أو عبر فرض ترتيبات أمنية جديدة داخل الشمال السوري.
وفي المحصلة، فإن خطر هذا السيناريو لا يكمن فقط في احتمال اندلاع مواجهة مسلحة محدودة، بل في إمكانية تحوّل سوريا مجدداً إلى مختبر لإعادة تدوير الجهادية العالمية. فكلما جرى التعامل مع المقاتلين الأجانب بمنطق أمني صرف دون بناء مسارات تفكيك فكرية واجتماعية واقتصادية، ارتفعت احتمالات انتقالهم من حالة “الحليف المؤقت” إلى “العدو المتمرد”. وعندها لن تكون المشكلة مجرد أزمة داخلية سورية، بل تهديداً إقليمياً مفتوحاً قد تمتد ارتداداته إلى العراق وتركيا وآسيا الوسطى وحتى أوروبا.
السيناريو الثالث: الاستيعاب السوري او المواطنة
يمكن اعتبار سيناريو الاستيعاب السوري من أكثر السيناريوهات حساسية وتعقيدا في مرحلة ما بعد الحرب السورية، لأنه لا يرتبط فقط بمصير بضعة آلاف من المقاتلين الأجانب، بل يمس بصورة مباشرة مستقبل الدولة السورية الجديدة، وطبيعة هويتها السياسية والأمنية، وقدرة السلطة بقيادة أحمد الشرع على الانتقال من إطار السلطة الثورية إلى نموذج الدولة الساعية إلى الاعتراف الدولي والاستقرار الداخلي. يقوم هذا السيناريو على منح عدد محدود من المقاتلين الأجانب، خاصة أولئك الذين ارتبطوا اجتماعيا بالمجتمع السوري عبر الزواج أو تكوين عائلات أو الاستقرار الاقتصادي، وضعا قانونيا دائما داخل سوريا، مقابل تفكيك تشكيلاتهم العسكرية وإخضاعهم لرقابة أمنية ودمج بعضهم تدريجيا في الحياة المدنية أو الإدارية. غير أن هذا الخيار يثير أسئلة بالغة الحساسية تتعلق بإمكانية تحويل (الجهادي العابر للحدود) إلى (مواطن وطني)، ومدى تقبل المجتمع السوري لهذا التحول، وحدود قبول القوى الغربية ببقاء هؤلاء داخل الدولة الجديدة، وما إذا كان ذلك سيؤدي في النهاية إلى إنتاج بنية جهادية كامنة داخل مؤسسات الدولة بدل القضاء عليها.
تفكير السلطة الجديدة في هذا المسار لا يأتي من فراغ، بل من معضلة معقدة فرضتها سنوات الحرب الطويلة. فمن جهة، تحتاج القيادة الجديدة إلى طمأنة الغرب والتخلص من الإرث الجهادي الذي ارتبط باسم هيئة تحرير الشام، ومن جهة أخرى لا تستطيع ببساطة الدخول في مواجهة شاملة مع المقاتلين الأجانب الذين لعبوا دورا محوريا في المعارك التي أدت إلى إسقاط النظام السابق. لذلك يبدو خيار الاستيعاب المحدود بالنسبة لبعض دوائر القرار أقل كلفة من خيار الصدام المفتوح. فالترحيل القسري أو الاعتقالات الواسعة قد يدفع فصائل أجنبية عقائدية إلى التمرد المسلح، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة عنف جديدة في شمال سوريا. كما أن الواقع الاجتماعي الذي تشكل خلال أكثر من عقد من الحرب جعل جزءا من هؤلاء المقاتلين يتحول من (مقاتلين عابرين) إلى أفراد مرتبطين محليا بعلاقات عائلية واقتصادية واجتماعية، الأمر الذي يزيد من صعوبة أي محاولة لترحيل جماعي شامل. يضاف إلى ذلك أن السلطة الانتقالية ما تزال هشة نسبيا، وقد ترى في بعض العناصر الأجنبية قوة ولاء عقائدية أكثر ثباتا من بعض الفصائل السورية المتقلبة سياسيا وعسكريا.
ورغم الطابع الخطير لهذا السيناريو، فإن هناك عوامل قد تمنحه فرصة نجاح جزئي على المستوى التكتيكي. فقد أظهرت هيئة تحرير الشام خلال السنوات الأخيرة قدرة واضحة على التحول البراغماتي، سواء عبر فك الارتباط بتنظيم القاعدة، أو بناء مؤسسات حكم محلية، أو تطوير علاقات عملية مع تركيا، أو محاولة تقديم نفسها بوصفها حركة سورية محلية أكثر من كونها جزءا من مشروع جهادي عالمي. وإذا استمرت هذه البراغماتية فقد تتمكن القيادة من فرض هوية سياسية جديدة على بعض المقاتلين الأجانب، خاصة الأجيال الأصغر سنا التي نشأت داخل البيئة السورية أكثر مما ارتبطت بالتنظيمات العابرة للحدود. كما أن حالة الإنهاك التي أصابت التيار الجهادي العالمي بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والأمني والمالي قد تدفع بعض المقاتلين إلى تفضيل الاستقرار على استمرار الحرب الدائمة، خصوصا أولئك الذين أصبح لديهم أبناء وعائلات ومصالح اقتصادية داخل سوريا. ومن المحتمل أيضا أن تحاول السلطة إعادة إنتاج نموذج قريب من بعض التجارب التي انتقلت من “الجهاد العالمي” إلى “الإسلام الوطني”، عبر التخلي التدريجي عن فكرة الأمة الجهادية العابرة للحدود مقابل القبول بدولة وطنية ذات طابع ديني محافظ، مع إعادة هندسة الخطاب العقائدي بما يتلاءم مع متطلبات الشرعية الدولية.
لكن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تلغي حجم المخاطر الكامنة داخل هذا السيناريو. فالمشكلة الأساسية ليست أمنية فقط، بل فكرية وعقائدية بالدرجة الأولى. فجزء معتبر من هؤلاء المقاتلين لا يؤمن أصلًا بفكرة الدولة الوطنية أو الحدود أو الشرعية الدولية، بل ينطلق من تصورات ترتبط بالحاكمية أو الخلافة أو الجهاد الأممي. ولهذا فإن منحهم الجنسية أو الإقامة الدائمة لا يعني بالضرورة تحولهم إلى مواطنين مندمجين فعليًا، بل قد يؤدي إلى نقل المشكلة من إطار تنظيمي عسكري ظاهر إلى شبكة اجتماعية وأمنية كامنة داخل الدولة نفسها. وهنا يصبح التهديد أكثر تعقيدًا، لأن السلطة قد تجد نفسها أمام بنية جهادية متغلغلة داخل المجتمع بدل وجود ميليشيات منفصلة يسهل احتواؤها أو استهدافها.
كما أن هذا السيناريو يصطدم بعامل الرفض الشعبي السوري، وهو عامل لا يقل خطورة عن التحديات الأمنية. فبعد سنوات الحرب والدمار، تتزايد داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوري قناعة بأن المقاتلين الأجانب ساهموا في عسكرة الثورة وتعميق الطابع الجهادي للصراع، الأمر الذي فتح الباب أمام التدخلات الإقليمية والدولية وأدى إلى موجات واسعة من العنف والانقسام. لذلك فإن منح هؤلاء وضعًا قانونيًا دائمًا قد يُنظر إليه باعتباره نوعًا من “مكافأة” من ساهموا في تعقيد الأزمة السورية، وهو ما قد يولد احتقانًا سياسيًا واجتماعيًا، خاصة داخل البيئات المدنية والمدن الكبرى والأقليات التي تخشى إعادة إنتاج الهيمنة الجهادية بصيغة جديدة. وقد يتحول هذا الملف مستقبلًا إلى نقطة توتر داخل الحياة السياسية السورية، خصوصًا إذا ترافق مع صعوبات اقتصادية أو اختلالات أمنية.
أما على المستوى الدولي، فمن المرجح أن تتعامل الولايات المتحدة والدول الأوروبية بحذر شديد مع أي محاولة لتوطين المقاتلين الأجانب داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة. فالغرب قد يقبل بخيارات مؤقتة تقوم على نزع السلاح أو الاحتواء المرحلي أو إعادة التأهيل المحدود، لكنه سيتحفظ بقوة على منح الجنسية أو الإدماج الأمني أو تحويل بعض هؤلاء إلى جزء من النخبة العسكرية الجديدة، لأن ذلك قد يُفسر باعتباره إعادة تدوير للجهادية داخل بنية الدولة. وهذا قد ينعكس سلبًا على مسار التطبيع الدولي، ورفع العقوبات، وإعادة الإعمار، والعلاقات الدبلوماسية، بل وقد يدفع الأجهزة الاستخباراتية الغربية إلى تكثيف مراقبتها للسلطة الجديدة بوصفها كيانًا لم يتخلص فعليًا من جذوره الجهادية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل خطر الانشقاقات الراديكالية المحتملة. فليس جميع المقاتلين الأجانب مستعدين لقبول التحول من مشروع “الجهاد العالمي” إلى مشروع “الدولة الوطنية”. بعض الأكثر تشددًا قد يرى في التحولات السياسية التي يقودها أحمد الشرع انحرافًا أو تخليًا عن المشروع الأصلي، وهو ما قد يدفع نحو تشكل تيارات جديدة أكثر تطرفًا، أو خلايا سرية، أو موجات اغتيالات وتفجيرات، وربما إعادة إنتاج نماذج قريبة من تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية ولكن بصيغ أكثر لامركزية واحترافًا. وتزداد احتمالات هذا السيناريو إذا ترافق التحول السياسي مع ضغوط أمريكية متزايدة، أو حملات اعتقال، أو تقليص نفوذ القيادات الأجنبية داخل الأجهزة العسكرية والأمنية.
ولهذا يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030 لن يكون نجاحًا كاملًا ولا فشلًا شاملًا، بل نموذجًا هجينًا يقوم على استيعاب انتقائي محدود للعناصر الأقل تشددًا، مقابل التخلص التدريجي من القيادات العقائدية الأكثر صلابة عبر النفي أو الاعتقال أو الإقصاء غير المعلن. وفي الوقت نفسه ستسعى السلطة إلى بناء نموذج “إسلام سوري منضبط”، محافظ دينيًا لكنه غير عابر للحدود وغير مصادم دوليًا، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإسلام السياسي والسياق الوطني السوري. غير أن هذا التحول سيظل محفوفًا بالمخاطر، لأن كلما تسارعت عملية إعادة تشكيل الدولة والأجهزة الأمنية وفرض الهوية الوطنية الجديدة، ارتفعت احتمالات ظهور “جهادية ما بعد الشرع”، أي تيار جديد يعتبر أن السلطة الحالية تخلت عن المشروع الجهادي الأصلي لصالح البراغماتية السياسية والبحث عن الاعتراف الدولي.
ومن هنا فإن ملف المقاتلين الأجانب لا يمثل مجرد تحد أمني عابر، بل يعد اختبارا حاسما لهوية الدولة السورية القادمة نفسها هل ستنجح السلطة الجديدة في تحويل هذه الكتلة المسلحة إلى جزء من نظام سياسي مستقر، أم أن محاولات الاستيعاب ستؤدي مع الوقت إلى إنتاج أزمة أكثر تعقيدا داخل بنية الدولة والمجتمع؟ هذا السؤال سيبقى أحد أهم محددات مستقبل سوريا خلال السنوات المقبلة، لأن نجاح أو فشل هذا المسار لن يحدد فقط مصير آلاف المقاتلين، بل سيحدد أيضا شكل النظام السوري الجديد وحدود استقراره وعلاقته بالعالم الخارجي..
الخلاصة
المقاتلون الأجانب في سوريا اليوم ليسوا مجرد بقايا حرب، بل هم فاعل عسكري، وأمني، وأيديولوجي، وجيوسياسي . لقد ساهموا بفعالية في إسقاط النظام، لكنهم قد يتحولون لاحقا إلى أحد أكبر التحديات أمام بناء الدولة السورية الجديدة . الخطر الأكبر لا يكمن فقط في تنفيذ عمليات عسكرية، بل في التناقض البنيوي بين مشروع الدولة الوطنية الذي يحاول الشرع بناؤه، ومشروع الجهاد الأممي العابر للحدود الذي يتبناه كثير من هؤلاء المقاتلين .
إن مستقبل سوريا سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة السلطة الجديدة على تفكيك البنية الجهادية العابرة للحدود، دون الدخول في حرب داخلية جديدة مع حلفاء الأمس . يمثل هؤلاء المقاتلون الأجانب، ولا سيما قادتهم ذوو التوجهات الأيديولوجية، سلاحا ذا حدين فبينما يظلون حاليا ذو قيمة لمشروع الشرع في توطيد سلطته، فإن استدامة هذه العلاقة على المدى الطويل غير مضمونة، وولائهم ليس مطلقا .
المراجع
[3] المعطيات المقدمة من المستخدم (pasted_content.txt).
[14] Congress.gov (2026). Syria: Transition and U.S. Policy. February 26, 2026.




تعليقات الزوار ( 0 )