أثارت إحدى حلقات برنامج اليوتيوبر عبد القادر الخراز، صاحب قناة “الجريمة لا تفيد”، موجة واسعة من الجدل والسخرية، بعد أن بدا أن السرد القصصي اصطدم بحقائق تاريخية وتقنية لا تقبل الجدل. فقد حملت الحلقة رقم 397 رواية عن “خيانة زوجية” قيل إنها وقعت في الديار المقدسة منتصف سنة 1990، وتم – بحسب ما ورد – اكتشافها عبر صور ملتقطة بالهاتف النقال.
غير أن هذه الجزئية بالذات فجّرت تناقضا واضحا، إذ إن الهواتف النقالة المزودة بخاصية التصوير لم تكن موجودة أصلا في تلك الفترة. فالهاتف المحمول دخل السعودية رسميا سنة 1995، وكان آنذاك رفاهية تقتصر على فئة محدودة، كما أن المغرب لم يعرف الانتشار الفعلي للهاتف النقال إلا ابتداءً من منتصف التسعينيات، بعد إعادة هيكلة قطاع الاتصالات وتأسيس “اتصالات المغرب”. أما كاميرات الهواتف، فلم تظهر إلا بعد سنوات طويلة من ذلك التاريخ.
هذا التناقض الزمني لم يمر مرور الكرام، حيث انهالت تعليقات المتابعين على الحلقة، بين السخرية والتشكيك، من قبيل: “واش في 1990 كان شي تلفون كيصور؟”، “آيفون 16 سنة 1990!”، وغيرها من التعليقات التي اعتبرت الواقعة دليلاً على تلفيق القصص أو على الأقل ضعف التحقق من التفاصيل.
وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة سؤال المصداقية، باعتبارها حجر الأساس في أي عمل إعلامي أو توعوي. فالمصداقية، كما يؤكد علماء الاجتماع وعلم النفس، ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل شرط جوهري للتأثير والاستمرار، لأنها تقوم على الصدق، والدقة، واحترام عقل المتلقي، لا على تقديم معلومات “مُرضية” لكنها غير صحيحة.
في زمن وفرة المعلومة وثورة التكنولوجيا، لم تعد مقولة “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” صالحة للتطبيق. بل على العكس، يكفي خطأ واحد أو تناقض واضح حتى تنكشف الرواية برمتها، ويتحول الإعجاب إلى تشكيك، والمتابعة إلى سخرية.
ولا يقتصر هذا المبدأ على الإعلام وحده؛ ففي الإدارة، تفشل الوعود الزائفة وتنجح الشفافية. وفي التربية، يفقد الأب أو المعلم تأثيره بمجرد فقدان مصداقيته. وفي التجارة، يسقط شعار “الأمانة” عندما تصطدم الممارسة بالواقع. أما في العلاقات الإنسانية، فالمصداقية هي المعيار الحاسم في بناء الثقة أو هدمها.
وفي مجال التوجيه والإرشاد تحديدا، لا تكفي قوة الرسالة أو جاذبية الأسلوب، لأن الرسالة لا تؤثر ما لم يكن حاملها موثوقاً. فالوصول الشكلي لا قيمة له دون تأثير حقيقي، والتأثير لا يولد إلا من رحم المصداقية.
وهكذا، تحولت سقطة زمنية بسيطة إلى درس بليغ: في عصر الوعي الرقمي، الكذب لا يعيش طويلا، والمصداقية وحدها هي عنوان النجاح والاستمرار.



تعليقات الزوار ( 0 )