أكد تقرير تحليلي صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن منطقة المغرب العربي تشهد مرحلة جديدة من التنافس العسكري بين المغرب والجزائر، في ظل استمرار التوتر السياسي بين البلدين وتواصل برامج تحديث القوات المسلحة، مع بروز مؤشرات على تغير تدريجي في موازين الإنفاق الدفاعي خلال السنوات المقبلة.
ويرى التقرير أن الجزائر لا تزال صاحبة أكبر ميزانية دفاع في شمال إفريقيا، إلا أن خفض مخصصات وزارة الدفاع في ميزانية سنة 2026 يمثل أول تراجع بعد سنوات من الزيادات المتتالية، في وقت يواصل فيه المغرب رفع نفقاته العسكرية إلى مستويات قياسية، مدعوما بأداء اقتصادي أكثر تنوعا واستقرارا.

بحسب التقرير، من المنتظر أن تبلغ ميزانية الدفاع الجزائرية خلال سنة 2026 حوالي 24.5 مليار دولار، مقابل نحو 25.5 مليار دولار في السنة السابقة، وهو ما يمثل تراجعًا اسميًا يقارب 4 بالمائة، بينما يصل الانخفاض الحقيقي إلى نحو 10 بالمائة بعد احتساب معدلات التضخم.
وأوضح التقرير أن الجزائر ضاعفت تقريبا ميزانيتها العسكرية ابتداء من سنة 2023، لتصبح من أكثر دول العالم إنفاقا على الدفاع مقارنة بالناتج الداخلي الخام، حيث بلغت هذه النسبة حوالي 8.9 بالمائة سنة 2025، وهي من أعلى المعدلات عالميا.
ويرى معدو التقرير أن هذا المستوى المرتفع من الإنفاق أصبح يفرض ضغوطا متزايدة على المالية العمومية، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد الجزائري بشكل كبير على عائدات النفط والغاز، وهو ما يجعل استدامة هذا الإنفاق مرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق الدولية.

في المقابل، يشير التقرير إلى أن المغرب يتجه نحو تسجيل أعلى ميزانية دفاع في تاريخه خلال سنة 2026، بعدما رفعت الحكومة الاعتمادات المخصصة للقوات المسلحة إلى حوالي 7.87 مليارات دولار.
ويعتبر التقرير أن هذا الارتفاع يعكس استمرار استراتيجية تحديث الجيش المغربي، مع الحفاظ على مستويات إنفاق مستقرة مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني، دون تسجيل القفزات الكبيرة التي عرفتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
كما يرى أن الإصلاحات الاقتصادية وتنويع مصادر النمو ساعدا المغرب على تحسين مؤشرات المالية العمومية، وتقليص عجز الميزانية، وتحقيق توقعات بنمو اقتصادي أعلى من نظيره الجزائري، وهو ما يمنحه هامشًا أكبر لمواصلة الاستثمار في القدرات الدفاعية.
ويربط التقرير تطور الإنفاق العسكري باستمرار الخلافات السياسية بين المغرب والجزائر، مشيرا إلى أن النزاع حول الصحراء المغربية يظل أحد أبرز العوامل التي تغذي سباق التسلح في المنطقة.
كما اعتبر أن تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل منذ سنة 2020، وما أعقبه من تعاون دفاعي وتقني، ساهم في تعميق المنافسة العسكرية، في مقابل استمرار اعتماد الجزائر على شراكتها الدفاعية التقليدية مع روسيا، مع تنامي دور الصين كمورد للتجهيزات العسكرية.
وأوضح التقرير أن البلدين يواصلان تنفيذ برامج واسعة لتحديث قواتهما المسلحة.

وأشار إلى أن الجزائر استثمرت خلال السنوات الأخيرة في اقتناء معدات روسية متطورة، مع استمرار التعاون مع الصين وبعض الشركات الأوروبية في مجالات محددة.
أما المغرب، فيعتمد بشكل رئيسي على الولايات المتحدة وشركاء من حلف شمال الأطلسي لتحديث ترسانته العسكرية، إلى جانب تعزيز التعاون مع إسرائيل في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية.
ولفت التقرير إلى افتتاح منشأة صناعية بالقرب من الدار البيضاء لإنتاج أنظمة الطائرات المسيرة، في إطار توجه المملكة نحو تطوير صناعات دفاعية محلية بالشراكة مع شركات أجنبية.
ورأى التقرير أن ملف الطائرات المقاتلة يعكس بوضوح طبيعة التنافس العسكري بين البلدين.
وأشار إلى تقارير تحدثت عن حصول الجزائر على مقاتلات روسية من الجيل الخامس، الأمر الذي يمنحها أفضلية تكنولوجية في هذا المجال داخل القارة الإفريقية إذا تأكد تشغيلها رسميًا.
وفي المقابل، أوضح أن المغرب أجرى خلال السنوات الماضية مباحثات مع الولايات المتحدة بشأن إمكانية اقتناء مقاتلات “إف-35″، دون الإعلان عن تقدم ملموس في هذا الملف.
كما أشار إلى اتفاق سابق لاقتناء مقاتلات “ميراج 2000-9” مستعملة من دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن يتأجل تنفيذ الصفقة.
يرى التقرير أن استمرار الجزائر في الحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنفاق العسكري سيظل مرتبطا بقدرتها على تحمل الضغوط المالية.
وأشار إلى أن الاقتصاد الجزائري ما يزال يعتمد بشكل كبير على صادرات المحروقات، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، مع ارتفاع عجز الميزانية، وهو ما قد يزيد من صعوبة الحفاظ على نفس وتيرة الإنفاق الدفاعي.
كما لفت إلى أن أي عقوبات أمريكية محتملة بسبب بعض صفقات التسليح قد تزيد من الضغوط على برامج التحديث العسكري الجزائرية.
وخلص التقرير إلى أن التنافس العسكري بين المغرب والجزائر مرشح للاستمرار خلال السنوات القادمة، في ظل استمرار برامج التحديث العسكري وتدهور العلاقات السياسية بين البلدين.
وأشار إلى أن المغرب قد يتمكن من مواصلة رفع ميزانيته الدفاعية بشكل تدريجي بفضل مؤشرات اقتصادية أكثر استقرارا، بينما ستظل قدرة الجزائر على الحفاظ على مستويات إنفاقها الحالية مرتبطة بتطور أسعار النفط والغاز وقدرة المالية العمومية على استيعاب هذه النفقات.
وأكد التقرير أن تطور هذا التنافس لن يقتصر تأثيره على البلدين فقط، بل ستكون له انعكاسات على التوازنات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا والضفة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، بالنظر إلى ارتباطه أيضًا بالتنافس بين الصناعات الدفاعية الغربية ونظيرتها الروسية، واستمرار التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.



تعليقات الزوار ( 0 )