كشف تقرير صادر عن مركز بحثي أمريكي أن المغرب يواجه تحديا متزايدا في الموازنة بين نجاح نموه الصناعي القائم على التصدير وبين ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وأوضح التقرير الذي نشره معهد “ستيمسون سينتر”، أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ نموذج اقتصادي قائم على التصنيع الموجه للتصدير، ما مكنه من استقطاب استثمارات دولية كبرى في قطاعات مثل صناعة السيارات والطيران والنسيج والإلكترونيات، إلى جانب الحفاظ على استقرار اقتصادي نسبي من حيث التضخم ومستوى الدين الخارجي.
ورغم هذا الأداء، يشير التقرير إلى أن هذا النمو لم ينعكس بشكل كاف على خلق فرص الشغل الواسعة، حيث لا تزال معدلات بطالة الشباب مرتفعة، خصوصا في المناطق الحضرية وبين حاملي الشهادات الجامعية، مع استمرار توسع القطاع غير المهيكل.
ويبرز التقرير أن جزءا من هذا الإشكال يعود إلى بنية سوق الشغل، حيث تؤدي القوانين المنظمة للعمل، رغم دورها في حماية الأجراء، إلى خلق قيود أمام ولوج الشباب إلى سوق العمل، وتحد من مرونة التشغيل داخل القطاع المهيكل.
ويشير التحليل إلى أن عددا كبيرا من المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، يواجه صعوبات مرتبطة بتكاليف الامتثال للقوانين والضرائب، ما يدفعها إلى تجنب التوظيف الرسمي أو الاعتماد على أنشطة غير مهيكلة، وهو ما ينعكس على جودة فرص الشغل المتاحة.
ويؤكد التقرير أن القطاع غير المهيكل يشغل نسبة كبيرة من اليد العاملة، في ظل غياب الحماية الاجتماعية والتمثيلية النقابية، مما يكرس هشاشة وضعف الاستقرار المهني لفئات واسعة من العمال.
كما لفت إلى أن التجربة المغربية في برامج التشغيل والتكوين، رغم بعض النتائج الإيجابية على مستوى الاستهداف، لم تحقق بعد أثرا كبيرا على مستوى تقليص البطالة بشكل عام، خاصة مع استمرار الفجوة بين مخرجات التعليم وحاجيات سوق العمل.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن المغرب وقع مؤخرا اتفاق تمويل مع البنك الدولي لدعم خطة وطنية للتشغيل، تهدف إلى تعزيز فرص العمل عبر دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة وتحسين بيئة الاستثمار وتطوير برامج التكوين والمهارات.
ويذهب التقرير بالقول، إن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لن تكون كافية بمفردها لمعالجة اختلالات سوق الشغل، ما لم يتم إدخال إصلاحات أعمق على مستوى قوانين العمل وآليات التشغيل.
ويقارن التحليل الوضع في المغرب بتجارب اقتصادات آسيوية اعتمدت على التصنيع الموجه للتصدير، حيث ساهمت مرونة سوق العمل في خلق فرص شغل واسعة خلال مراحل النمو الصناعي، مع اختلاف السياقات التاريخية والاقتصادية.
ويشدد على أن إلغاء الحماية الاجتماعية أو تقليص حقوق العمال ليس خيارا مطروحا، نظرا للدور الذي تلعبه النقابات والإطار القانوني في الاستقرار الاجتماعي، إضافة إلى الرفض المجتمعي لأي تراجع كبير في هذه المكتسبات.
ويدعو التقرير إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على التوازن بين حماية العمال وتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل، عبر حوار اجتماعي شامل يجمع الحكومة والقطاع الخاص والنقابات، بهدف إعادة صياغة منظومة التشغيل بشكل يضمن إدماجا أكبر للشباب في سوق العمل المهيكل.
ويخلص التحليل إلى أن نجاح النموذج الصناعي المغربي يظل مرتبطا بقدرته على معالجة اختلالات سوق الشغل، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل أكثر عدالة وشمولا، بما يحد من الفوارق الاجتماعية ويعزز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.




تعليقات الزوار ( 0 )