بدأت “ليلَة السياسَة” الجديدة في منطقَة الغرب مع قرارٍ نزل من السماء من أجلِ انتزاع النفوذ السياسي للعائِلات الإقطاعيّة الكُبرى التي ظلّ تواجُدُها السياسي في المنطقة مرتبِطاً عبر التاريخ بإشاعة “رغبَة الإدارة” في وضع “أبنائِها” سياسياً على رأس المجالس المنتخبة للتحكّم في المشهد السياسي.
وانطلّقت منذ سنة 2021 محاولَة بارِزة من طرف السلطة المركزية لانتزاع “الأنياب السياسية” الخالِدة لعائلات عُرِفت عبر التاريخ بسيطرتها الكاملة على الخريطة السياسية في المنطقة امتداداً من حدود القنيطرَة إلى عُمق الحدود مع تاونات ومكناس.
وحسب شهادات من مراحِل مختلفة في تاريخ المنطقة، فإن السائِد منذ ستينيات القرن الماضي أن الفاعِل الرئيسي في العملية السياسية بدوائِر منطقة الغَرب كان دائماً هو العائلات السياسية التي يتوازى نفوذها ومركز قوّتها مع سلطات الوصاية المحلية والإقليمية بل ويتجاوزها أحيانا بسبب العلاقة القوية مع المركز.
الغرب.. تقسيم على المقاس
وفي منطقة الغرب، لم يكن النفوذ السياسي يُقاس فقط بعدد المقاعد أو نتائج الانتخابات، بل كان يُقاس أساساً بحجم الامتداد العائلي والقدرة على ضبط الخريطة القبلية والتحكّم في المزاج الانتخابي للساكنة، وهنا، تحوّلت بعض الأسماء إلى ما يشبه “العلامات السياسية” الثابتة التي تعبر العقود دون أن تتأثر كثيراً بتغيّر الأحزاب أو تبدّل الحكومات.
ومع توالي المحطات الانتخابية، أُعيد رسم الدوائر الترابية والانتخابية في أكثر من مناسبة بشكل كان يثير كثيراً من الجدل داخل المنطقة، حيث ظلّ الاعتقاد السائد لدى جزء واسع من المتتبّعين أن بعض التقسيمات لم تكن بريئة بالكامل، بل جرى تفصيلها أحياناً بما يضمن استمرار التوازنات التقليدية نفسها، ويحافظ على مواقع النفوذ التاريخية داخل المجال القروي وشبه الحضري.
ولم يكن صعود عدد من الأعيان الكبار إلى واجهة البرلمان أو الجماعات الترابية منفصلاً عن هذا السياق، إذ تشكّلت مع مرور الزمن شبكة معقّدة من المصالح الاقتصادية والعائلية والانتخابية جعلت من العملية السياسية امتداداً طبيعياً لموازين القوة داخل المنطقة، وليس فقط تنافساً حزبياً بالمفهوم الكلاسيكي المتعارف عليه.
وفي مقابل ذلك، ظلّت الأحزاب السياسية، في كثير من الأحيان، مجرّد “وعاء انتخابي” قابل للتبديل حسب الظرفية والمصلحة، بينما بقي الولاء الحقيقي مرتبطاً بالأشخاص والعائلات أكثر من ارتباطه بالبرامج أو المرجعيات الفكرية. ولذلك، كانت ظاهرة الترحال السياسي في الغرب تبدو أمراً عادياً لا يثير كثيراً من الاستغراب، لأن الناخب نفسه كان يصوّت للاسم والنفوذ قبل أن يصوّت للحزب.
الدولة تتخلى عن أعيانها
غير أن التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد إعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة والمنتخبين، أفرزت توجهاً جديداً يقوم على تقليص النفوذ التقليدي لبعض “البيوت السياسية” التي راكمت سلطة ممتدة لعقود، وهو ما بدا واضحاً في عدد من المؤشرات المرتبطة بطريقة تدبير الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، وكذا في طبيعة الرسائل غير المعلنة التي جرى تمريرها إلى الفاعلين المحليين.
وفي انتخابات 2021 تحديداً، ظهر أن هناك إرادة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في الغرب على أسس مختلفة، عبر الدفع بوجوه جديدة، وتقليص هامش التحكم التقليدي الذي كانت تمارسه بعض العائلات النافذة، خاصة داخل الجماعات القروية التي ظلّت لعقود تعتبر “مجالات مغلقة” يصعب اختراقها انتخابياً.
وبدت بعض مراكز النفوذ التقليدية وكأنها فقدت لأول مرة جزءاً من الحماية غير المعلنة التي كانت تستفيد منها لسنوات، بعدما أصبحت السلطة المركزية أكثر ميلاً إلى خلق توازنات جديدة داخل المنطقة، تقوم على الحدّ من احتكار التمثيلية السياسية وربط المسؤولية الانتخابية بمعايير أكثر ارتباطاً بصورة المؤسسات ونجاعة التدبير.
لكن، ورغم هذه التحولات، فإن البنية العميقة للنفوذ في المنطقة لم تتغيّر بالكامل، لأن جزءاً كبيراً من السلطة غير المعلنة ما يزال مرتبطاً بالثروة والعلاقات العائلية وشبكات المصالح المتداخلة، وهي عوامل تجعل أي محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي عملية معقّدة تحتاج إلى زمن طويل لتفكيك إرث عمره عقود.
وبين رغبة الدولة في إنتاج نخب جديدة أقل ارتباطاً بمنطق الإقطاع الانتخابي، وقدرة العائلات التقليدية على التكيّف وإعادة التموضع داخل الخريطة الحزبية الجديدة، تبدو منطقة الغرب وكأنها تعيش اليوم مرحلة انتقالية دقيقة، عنوانها الأبرز: الصراع الهادئ بين “السلطة القديمة” و”الهندسة السياسية الجديدة”.



تعليقات الزوار ( 0 )