تعد النظريات الليبرالية والنظريات الماركسية النقدية والنظريات الثقافية من اهم النظريات المؤسسة والموجهة لحقل الدراسات في الاعلام والتواصل، فقد ارتبطت النظريات الليبرالية بالمجتمعات الرأسمالية باعتبار الاعلام فيها بضاعة أو سلعة يتم الترويج لها، وارتبطت النظريات الماركسية بالمدرسة الكلاسيكية للاقتصاد السياسي، وبالأخص المجتمعات الاشتراكية، أما النقدية كانت حاضرة بالخصوص مع اسهامات “مدرسة فرانكفورت” وأجيالها الثلاثة، والنظريات الثقافية التي كانت تنظر للهيمنة الثقافية التي حاول من خلالها الاعلام بوسائله ان يفرض ثقافة معينة، وهي التي تكون حسب عالم الاجتماع الفرنسي “بيير بورديو” ثقافة المهمين على الحقول المؤدية للسلطة والرساميل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع.
وبالنظر إلى الحقل الإعلامي المغربي والذي شهد مساراً تاريخياً غنياً بالتحولات، انطلق منذ التأسيس التقني للنواة الأولى للإذاعة الوطنية في عشرينيات القرن الماضي، ومرّ بعدد من المحطات مفصلية التي سوف نتطرق لها بالتفصيل حيث انتقل الحقل الإعلامي المغربي من الأحادية الى التعددية الإعلامية، والتي أصبح من الضروري مرافقة هذه التعددية الإعلامية بآليات ضبط فاعلة، إذ تم إرساء منظومة قانونية ومؤسساتية متطورة، تتصدرها الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) بموجب القانون 11.15، بهدف تنظيم القطاع، وضمان التعددية، وحماية الهوية والتنوع، في تجربة تتشابه في أبعادها التنموية مع النماذج المقارنة.
ومن أجل الخوض في الموضوع نقترح فقرتين أساسيتين، الأولى تتناول تاريخ ومحطات تطور الاعلام المغربي، والثانية سوف تتطرق إلى منظومة الضبط في الحقل الإعلامي.
1-محطات تاريخ تطور الاعلام السمعي-البصري المغربي.
ومن أجل التطرق إلى الموضوع بشكل جذري، فقد شهد مسار الاعلام السمعي-البصري بالمغرب تحولا ملحوظا في تجسد عدة محطات تاريخية، بداية مع ظهور وسائل الاعلام والاتصال الجماهيري mass-média والتي كانت بيد القوى الكولونيالية في بداية فترة الحماية بالمغرب، باعتبارها أداة هيمنة وسيطرة فقد انطلقت الإذاعة الوطنية المغربية والتي عرفت باسم ”راديو ماروك” في أبريل 1928. باستثناء مدينة طنجة كمنطقة الدولية، حسب اتفاقية الجزيرة الخضراء والتي كانت بمثابة “جنة إعلامية” من القنوات الدولية المتعددة وبدأت تظهر لنا تعددية في الصحافة المغربية المكتوبة.
أما بعد الاستقلال، تولى الإعلامي والدبلوماسي قاسم الزهيري والذي يعتبر أحد الموقعين على وثيقة الاستقلال إدارة الإذاعة الوطنية المغربية لي يعتبر أول مدير للإذاعة الوطنية، حيث عين في هذا المنصب لتولي قيادة مرحلة مغربة الإعلام وتطويره، وبحسب الإعلامي والمؤرخ المغربي ”محمد الغيذاني”، كان قاسم الزهيري يعتمد نموذج إذاعة BBC البريطانية من أجل تطوير الإذاعة الوطنية. وقد خلف الزهيري في منصبه عالم الاجتماع والمستقبليات المغربي “الدكتور المهدي المنجرة” والذي عينه الملك الراحل محمد الخامس سنة 1959 مديرا عاما للإذاعة وهو في عمر25 عاما فقط، هذه الفترة بالخصوص تحت الإدارة الشابة للمهدي المنجرة يصفها البعض بأفضل فترات الإذاعة الوطنية المغربية.
في هذه الأثناء ستصدر مجموعة ظهائر الحريات العامة 1958، والتي شرعت لمجال الحريات العامة الى غاية التعديل الدستوري لسنة 1996، ليعرف القطاع الاعلامي عدة مستجدات خلال فترة الاستقلال. وخلال هذه الفترة عملت الدولة على استرداد وسائل الاعلام الجماهيرية والاستحواذ على أحواض بث موجات الهيرتز. حيث بقيت إذاعة طنجة إحدى النوافذ الاعلامية باعتبارها باقة من اللهجات واللغات، إلى جانب راديو “صوت أمريكا” الذي كان يبث موجاته كذلك من مدينة طنجة، سيسمى فيما بعد بي راديو ”سوى SAWA”.
أما في مرحلة الثمانينات، التي ستشهد الساحة الإعلامية الوطنية، على تجربتين إعلاميتين، أولهما راديو ”ميدي أنMedi 1 ” أو إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية مقرها الرئيسي طنجة وتم اطلاق بثها الأول في شتنبر 1980 ، واعتبرت ”قناة ميدي1” أنا ذاك أول إذاعة خاصة تظهر بالمغرب، حيث كانت تغطيتها لا تقتصر على المغرب فقط ، بل يمتد بثها ليشمل دول المغرب العربي وأجزاء من افريقيا الغربية، قبل تصبح الإذاعة تحت سيطرة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة SNRT. أما التجربة الثانية تجلت في ظهور قناة “دوزيم 2M” مارس 1989،
والتي برزت كأول قناة مشفرة وتجارية أي مدفوعة الأجر أي بالاشتراك في العالم العربي وافريقيا، قبل أن تتحول إلى البث المجاني سنة1997 . مما أحدث تحولا كبيرا في المشهد الإعلامي المغربي. خصوصا وأن قناة دوزيم في تلك الفترة كانت تعتبر فضاء اعلامي منفتح على اليسار المغربي من خلال عرض أطروحاته والآراء السياسية، عبر البرامج الحوارية لقناة دوزيم. خصوصا وأن هذه الفترة تزامنت مع قيادة الحزب الاشتراكي الفرنسي PS للحكومة الفرنسية، مع كل هذه المستجدات التي يعيشها الاعلام المغربي آنذاك، إلا إنه استمرت حقبة تواجد رجال السلطة والداخلية على رأس إدارة القطاع الاعلامي لسنوات طويلة.
حيث ستعرف فترة التسعينات، مرحلة الانفراج السياسي بالمغرب لما عرفه من طفرة على المستوى الحقوقي والمؤسساتي، وشهدت هذه الفترة على المناظرة الأولى للإعلام 1993 بالرباط، وانبثق عن هذه المناظرة مجموعة التوصيات ترفع من استقلالية ودور الاعلام في بناء مسلسل التحول الديمقراطي.
بعد ذلك ستتحول الاذاعة الوطنية إلى شركة تحت مسمى الشركة الوطنية للراديو والتلفزة SNRT سنة 2006، وذلك لأجل تسهيل معاملاتها القانونية والمالية، وعرفت نفس السنة الجيل الأول من التراخيص الاعلامية مع تسوية وضعية المتعهدين مثل ميدي أن وراديو سوى SAWA (صوت امريكا).
2 – تطور هيئات الضبط في الحقل الإعلامي المغربي.
ستعرف الألفية الجديدة مجموعة من التطورات سيعرفها حقل الاعلام ببلادنا، من بينها تكوين الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري المنصوص عليها بظهير 2002 كهيئة للضبط مماثلة لما يطلق عليه في التجارب المقارنة بالسلطات الادارية المستقلة Les autorités administrative indépendantes أو السلطات العمومية المستقلة Les autorités publiques indépendantes، كشكل جديد من أشكال التدخل المقنع masquée للسلطة العمومية ، ويعتبر تكوين الهيئة العليا من المفارقات التي شهدها التاريخ الاعلامي بالمغرب، إذ عادة ما يصدر القانون المنظم للإعلام لينبثق عنه فيما بعد هيئة مختصة بموجب القانون المنظم لها، ولكن ما حدث في التجربة المغربية هو صدور القانون المنظم للهيئة بعد إنشاها بثلاث سنوات أي سنة 2005.
إن تناول موضوع هيئات الضبط ووسائل الاعلام، يدفعنا أولا إلى تعريف “مفهوم الضبط” والذي لا يعتبر فقط براديغم Paradigmeعلمي له مكانته في حقل العلوم الاجتماعية ويتجه نحو الانتشار، بل إنه يعتبر أيضا تمثلا ايديولوجيا représentation ويشير إلى مفهوم جديد لدور الدولة ولشروط الحفاظ على التلاحم الاجتماعي . الذي ليس له تعريف معين بل من الصعب إعطاء تعريف شامل جامع لمفهوم الضبط ، ومن بين تعريفات مفهوم الضبط نجده يفيد ضمان الاشتغال الجيد لنسق معين.
كما تعمل هيئات ادارية مستقلة A.A.I على مهمة الضبط تسمى في التجارب المقارنة، بالسلطات الادارية المستقلة Les autorités administrative indépendantes بفرنسا أو السلطات العمومية المستقلة Les autorités publiques indépendantes، كشكل جديد من أشكال التدخل المقنع masquée للسلطة العمومية لها اختصاص شبه قضائي فيما يخص القرارات التأديبية وتبقى هذه الهيئات لها قرارات مستقلة عن السلطة الحكومية كما تبقى قراراتها ادارية يمكن الطعن فيها.
ويتوفر المغرب حاليا، على الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ”الهاكا HACA”، فحسب دستور 2011 نجد أن المشرع الدستوري أشار إلى ما يسمى بهيئات الحكامة الجيدة والضبط والتقنين المستقلة، وينص الفصل 159 من الدستور، على أن “الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة تكون مستقلة”، وتعتبر الهيئة طبقا للمادة الأولى من القانون الجديد المتعلق بإعادة تنظيم الهيئة العليا رقم 11.15، مؤسسة دستورية مستقلة لتقنين وضبط مجال الاتصال السمعي البصري.
من بين الأنظمة القانونية المقارنة المعتمدة في قطاع الإعلام السمعي البصري نجد ما يلي:
أ-الترخيص Licence: تأسيس شركات اعلامية مساهمة.
ب-الاذن Autorisation : و له شروط مسبقة في حالات:
•الاذن بالبث التجريبي.
•تغطية حدث رياضي أو التماس احسان عمومي كإحداث اذاعة مؤقتة وحصرية.
ت- التصريح: نجده عند الجمعيات/ الجرائد.
أما فيما يخص الاعلام والمجتمع المدني بالمغرب، كان للدولة التدخل الكبير في مجال المجتمع المدني بما فيها الجانب الاعلامي حيث رفضت الدولة لأكثر من مرة تأسيس قنوات راديو للجمعيات المجتمع المدني على غرار التجارب المقارنة، حيث نجد مثلا في مالي ما يناهز 300 من الإذاعات الجمعياتية.
وخصوصا وأن اعلام المجتمع المدني المقارن، يكون بمثابة اعلام للقرب وللثقافة المحلية، واعلام مساعد ومساهم في التنمية ويعمل على بث ونشر ثقافة حقوق الانسان، وعاملا أساسيا في مراقبة وتنفيذ السياسات العمومية.
كما عرفت مجموعة من التجارب الناجحة وهي مجموعة من الدول الافريقية ودول امريكا اللاتينية وأروبا الشرقية انتقالا ديمقراطيا بفضل الدور المهم الذي لعبه الاعلام في لحظة الانتقال الديمقراطي، خصوصا وأن “الانتقال الديمقراطي يمكن اعتباره بمثابة لحظة ضبابية”، ويساهم الاعلام بقوة في التحول الديمقراطي للبلدان وذلك بتسليط الضوء على الفساد والفاسدين وتقوية الرأي العام ومناشدة وسائل الاعلام لثقافة حقوق الانسان.
وما يمكن الاشارة له بهذا الصدد أن الضبط في القطاع السمعي البصري يحتاج الى ذوي الاختصاص، وتبقى الرهانات التي تحملها هيئات الضبط هي احترام الحريات وحقوق الانسان والوقوف على ما يمكن أن يمس بكرامة المواطن الانسان.
كما تبقى حرية الاعلام رهينة بتطور حرية التعبير عن الرأي في وسائل الاعلام، والتي دائما ما يرافقها تطور في طرق ووسائل الانتهاكات، التي قد تقع في مجال الحريات العامة، ويبقى الاعلام كمجال علمي ومهني مجالا محفوفا بالمتاعب وليس من السهل بما كان، نظرا لما يفترض أن يحمله الصحافي من مبادئ وقيم في مواجهة كل أشكال لا العدالة والفساد والتجاوزات والانتهاكات الماسة بحقوق الانسان..





تعليقات الزوار ( 0 )