طفل قاصر يتجرع مادة كحولية في شريط مصور يغزو الهواتف، سماسرة الأغنام أبطال مقاطع بنكهة شماتة مستفزة تعلن انتصار السوق ونفاد القطيع ردا على حملات المقاطعة، مشاهد نحر وسلخ تتصدرها حركات ماجنة وملابس غير لائقة تفرغ شعيرة العيد من مقاصدها. يشكل هذا التلوث البصري الصادم أبرز ما يتابعه المغاربة خلال ثالث أيام العيد.
يعكس توالي هذه المشاهد تحولا بنيويا يضرب عمق المجتمع الذي بات كيانا مدمنا للفرجة بامتياز، يستهلك بشراهة المحتويات البصرية السريعة على حساب الوقت الذي أضحى المغاربة يتفننون في إضاعته، لتنقلب المقولة المأثورة الوقت كالسيف رأسا على عقب بعدما غدا السيف أداة يقطعون بها ساعات الإنتاج اليومي طواعية وسط استسلام جماعي مريب.
تسجل إحصائيات الاستهلاك الرقمي قضاء الفرد أكثر من 5 ساعات يوميا في تصفح مقاطع الفيديو القصيرة عبر شاشات الهواتف الذكية. تتربع المحتويات الموجهة للسخرية والترفيه والضحك المجاني على رأس قائمة المواد الأكثر مشاهدة وتفاعلا داخل المنصات الاجتماعية مسجلة ملايين المتابعات اليومية متفوقة على أية مادة أخرى.
يفرز هذا الإقبال الكثيف واقعا يتخلى فيه المواطن عن قضاياه المصيرية ليفسح المجال أمام متابعة يوميات سطحية لا تقدم أية إضافة للمسار التنموي للبلاد. يتراجع الاهتمام بالمعرفة وتطوير المهارات المهنية لصالح ثقافة الاستهلاك البصري السريع التي تلتهم الأوقات المخصصة للبناء الذاتي والأسري، ليتحول أفراد المجتمع إلى مجرد أرقام في سجلات مشاهدات صناع التفاهة.
توازيا مع هذا النزيف الزمني الحاد، تلعب خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي دورا محوريا في توجيه الاهتمام العام نحو تسطيح الوعي الجمعي. تبرمج هذه التطبيقات الذكية لاقتراح الفيديوهات الفكاهية والمقالب السطحية بشكل آلي لضمان بقاء المستخدم أطول فترة زمنية متصلا بالشبكة ومحاصرا داخل فقاعة من الترفيه المستمر.
يحقق صناع المحتوى الترفيهي أرقاما فلكية في نسب المشاهدة والمشاركة مقارنة بالمواد التثقيفية أو التحليلية التي تسجل تراجعا مهولا وشبه انعدام في التفاعل الإيجابي.
تتشكل تبعا لذلك ثقافة استهلاكية مبنية حصريا على المتعة اللحظية تغيب معها القدرة على التركيز الممتد أو قراءة النصوص المعمقة، ويصبح المجتمع أسير شاشات تضخ محتويات ترفيهية على مدار الساعة لتخدير العقول وصرف الانتباه الفعلي عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي تواجه المواطن.
يتجاوز الاستلاب البصري حدود الفضاء الافتراضي ليتمدد بقوة داخل الشوارع والأحياء عبر التكاثر المفرط للمقاهي في مختلف المدن المغربية. تتحول هذه الفضاءات التجارية إلى قاعات عرض عمومية مفتوحة تعج بشاشات تلفزية ضخمة تبث المباريات الرياضية والمحتويات الترفيهية بلا انقطاع من الصباح الباكر حتى ساعات متأخرة من الليل مع توفير خدمة الربط بالويفي بجودة عالية.
يكرس هذا المشهد اليومي المتكرر ملامح الكيان المدمن للفرجة حيث يصطف مئات الآلاف من المواطنين يوميا أمام الشاشات في وضعية المتلقي السلبي المطلق. يتخلى رواد المقاهي عن النقاشات الجادة وتبادل الآراء ليغرقوا في صمت مطبق تتخلله تفاعلات انفعالية هستيرية مع ما تعرضه الشاشات. تضيع جراء هذا السلوك ملايين الساعات من وقت العمل والإنتاج في استهلاك فرجة مجانية تزيد من ركود العجلة الاقتصادية وتعمق حالة العطالة المقنعة وسط فئة الشباب المعول عليهم في بناء الاقتصاد.
ورغم التراجع الواضح في نسب متابعة قنوات القطب العمومي لصالح سطوة الهواتف الذكية ومنصة يوتيوب، تستمر التلفزة الرسمية في تغذية الانحدار القيمي بمواد ترفيهية بالغة الرداءة.
تبرمج القنوات الوطنية مسلسلات تركية وأمريكية لاتينية مدبلجة إلى الدارجة المغربية تستحوذ بالكامل على أوقات الذروة المسائية. تضرب الانتاجات المستوردة منظومة القيم المجتمعية في مقتل، خاصة داخل الأوساط القروية والبوادي التي لا تزال تعتمد على التلفزيون كمصدر وحيد للترفيه والتجمع العائلي المسائي.
تسوق المسلسلات لنمط حياة استهلاكي باذخ وتطرح قضايا دخيلة تساهم في تفكيك الروابط الأسرية وتغيير البنية السلوكية والأخلاقية لسكان القرى. يضاعف الاختراق الثقافي عبر التشويه اللغوي للدارجة من حجم الخسائر السوسيولوجية تحت غطاء الترفيه التلفزي المدعوم مباشرة من جيوب دافعي الضرائب.
يؤدي الإفراط الشامل في استهلاك الفرجة بمختلف قنواتها وتجلياتها إلى تعطيل آليات التفكير النقدي وتراجع مستويات البحث والابتكار داخل مؤسسات التنشئة الاجتماعية. تضرر المنظومة التعليمية بشكل مباشر وتفقد بوصلتها حين يتحول التلاميذ والطلبة إلى مستهلكين مدمنين للمقاطع الساخرة تاركين تحصيلهم الأكاديمي في المراتب المتأخرة من الاهتمام اليومي.
يفقد الشارع المغربي حيويته السياسية والثقافية ليصبح مساحة عبور سريعة بين شاشة الهاتف الفردية وشاشة المقهى الجماعية. ينسحب الأفراد من الانخراط الفعلي في الشأن العام وتدبير الأزمات المعيشية مفضلين الهروب نحو عوالم موازية توفر ضحكا معلبا ينسيهم مؤقتا قساوة الواقع الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية المتزايد يوما بعد يوم.
يستدعي التحول البنيوي الخطير استنفارا مؤسساتيا يقطع فورا مع حالة التسيب الرقمي والسمعي البصري التي تضرب جذور المجتمع الهيكلية. تترك الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والقطاعات الوزارية الوصية على مجالات الثقافة والإعلام المواطن وحيدا ومجردا من أية مناعة فكرية في مواجهة سيل جارف من التفاهة المبرمجة بدقة.
يكلف غياب سياسات عمومية حازمة لتأطير الفضاء الرقمي وضبط شبكات البرامج التلفزية تدميرا ممنهجا للرأسمال البشري وتبديدا غير مسبوق لطاقات الشباب.
تدفع الدولة ومؤسساتها ضريبة التقصير الاستراتيجي عبر تراجع المردودية الاقتصادية وارتفاع معدلات الهدر المدرسي وتسطيح الوعي، لتبقى الأجهزة الرقابية والتشريعية تتحمل المسؤولية الكاملة والتاريخية عن ترك الأجيال الحالية فريسة لشاشات تصنع التخلف وتساهم في التطبيع مع صناعة التفاهة.





تعليقات الزوار ( 0 )