منذ نشأته، ولد حزب الأصالة والمعاصرة في صورة مشروع طموح يعد بنخبة سياسية جديدة، حديثة، قادرة على تجديد المشهد الحزبي المغربي. لكن ما تحقق على الأرض كشف عن أن الولادة المأزومة أنشأت حزبا مأزوما من جذور ولادته القيصرية، حزب يبحث عن زبائن أكثر مما يصنع مناضلين، ويؤدي مهام مؤقتة أكثر مما يضطلع بدور سياسي دائم!
الفروق جوهرية هنا وليست شكلية. المناضل ينتمي إلى فلسفة وجود وإلى ممارسة دور rôle، يلتزم فكريا وتنظيميا، يضحي، وينشئ مرجعية داخل الحزب وخارجه. أما الزبون فيبحث عن مهمة mission، مصلحة عابرة، منصب، حماية، فرصة انتخابية، حصار حزب الدور… والحزب الذي يتحول إلى سوق زبائن le parti missionnaire يفقد قدرته على إنتاج نخب قيادية حقيقية، ويصبح مجرد آلة انتخابية مؤقتة.
هذا بالضبط ما وقع مع الأصالة والمعاصرة!
وعود التأسيس الكبرى والواقع التنظيمي غير السليم
قبل التأسيس، تم الترويج للحزب كبديل عصري، مدعوم من شخصيات نافذة، ومسنود برعاية رسمية واضحة. كان الخطاب يتحدث عن نخبة متنوعة قادرة على الجمع بين الكفاءة والحداثة والوطنية. لكن النتيجة جاءت مختلفة تماما، فقد ظهر لنا حزب ممسوخ déformé، لا هو يساري ولا هو ليبرالي ولا هو اجتماعي ولا نادي رجال أعمال ومصالح مغلق ولا هو حزب جماهير ولا حزب أطر ولا حزب خطاب وايديولوجيا ولا حزب إدارة أو دولة أو حزب لوبيات.. احيانا يبدو كمديرية تابعة للدولة أو لوزارة الداخلية واحيانا يبدو كمجرد قناع لخفافيش الظلام التي لا تؤمن بالشرعية أو المؤسسات أو القانون أو التجارة المشروعة..
حزب يحطب من هنا وهناك، يجمع بين من لهم سوابق ومن يرتبطون بشبكات نفوذ فاسدة أو مصالح ضيقة، دون أن ينجح في بناء ذلك المشتل حقيقي للنخب المفيدة للدولة الذي وعد به المؤسسون!
النخب التي التحقت به انقسمت عمليا إلى أصناف متنافرة، مناضلون سابقون من أحزاب أخرى جاؤوا محبطين أو باحثين عن موقع جديد، وأعيان ومقاولون وإداريون يرون في الحزب قناة للوصول، وكوادر تقنية، ثم بعضا من فئة من شباب 20 فبراير، الذين انضموا في سياق احتجاجي مختلط دون هوية فكرية واضحة. هذا الخليط لم ينتج قيادة سياسية متماسكة، بل أنتج حزبا يعاني من أزمة هوية دائمة.
والأخطر أن الحزب فشل في الحفاظ حتى على ما بدا في البداية تنوعا إيجابيا. الصورة التي رسمها فؤاد عالي الهمة في مرحلة التأسيس عن حزب ذي نخب متعددة ومتنوعة سرعان ما تآكلت بعد رحيله. لم يتمكن الحزب من تطوير تلك النخب، ولا من بناء جيل جديد يؤسس على الجيل السابق.
والدليل الأوضح اليوم هو استمراره في البحث عن زبائن سياسية جدد، استقطابه حاليا لأسماء مثل فوزي لقجع وغيره ليس علامة قوة، بل علامة عجز عن صناعة مناضلين، واستمرار منطق الشبكة الزبونية الدائم، لأن لقجع مثلا لم يتم تجريبه سياسيا لكي نطلع على مستوى مقومات رجل السياسة فيه، وأهم هذه المقومات القدرة على المناظرة مع الخصوم بشكل علني ودائم نظرا لأنه اشتغل طويلا لمفرده بدون محيط ناقد ومتناقض خصوصا أنه هو شخصيا معرض بمراجعة كل تدبيره سواء في الميزانية والمالية أو في تدبير ملف كرة القدم!
نظرية الدور ليست ترفا بل ضرورة معرفية
حين ننظر إلى أحزاب مغربية أخرى من زاوية الدور مقابل المهمة، يتضح الفرق بشكل عميق.
حزب العدالة والتنمية، على سبيل المقال، رغم كل التحفظات و رغم تراجعاته منذ مدة، فإنه انطلق من قاعدة مناضلين لهم جذور تنظيمية وفكرية واضحة. كان أقرب إلى حزب دور un parti de rôls، حتى لو ضعفت تلك القدرة مع الوقت.
حزب الاستقلال حمل تاريخيا دورا وطنيا ممتدا بناء على مرجعية المؤسسين إلى الآن، وبنى ذاكرة مناضلة سمحت له بالاستمرار كمؤسسة لها مرجعية، تتميز بهياكل وقواعد و عائلات تشبه نظام المخزن نفسه لذلك نجح الحزب في البقاء رغم محاولات التجريف التي وقعت له في فترة حميد شباط. وربما هذا هو سر بقاءه قويا مقارنة مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو أنه يملك خزانا عائليا ملتزما يعيده الى سكته أمام محاولات الإضعاف.
أيضا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تميز بوجود مناضل و دور، في فتراته الذهبية كان نموذجا لحزب المناضلين الذين ربطوا التنظيم بالفكرة والالتزام الطويل.
أما التجمع الوطني للأحرار، وخاصة في نسخته الحالية تحت قيادة عزيز أخنوش، فيحاول بناء مسار مختلف، فهو وإن كان ذو نزعة برجوازية حديثة بدأت تشق طريقها نحو الولادة، لاسميا من خلال ربط نفسها بالاقتصاد و الإعلام والثقافة والمجتمع. فإن هذه النزعة، إن تطورت بعمق، قد تكون أكثر فائدة للدولة من الزبونية التقليدية التي تتعشش في حزب الأصالة والمعاصرة، لأنها تسعى إلى دور مؤسسي ومجتمعي أوسع، وليس فقط إلى مهام انتخابية مؤقتة، وهذا ما يبدو من خلال إصرار عزيز اخنوش على البحث عن منافذ عديدة للتواصل مع المجتمع والقرب منه بشكل لافت.
في المقابل، بقي حزب الأصالة والمعاصرة أسير منطق الزبون والمهمة. يجذب الأعيان والمنخرطين العابرين في فترات الانتخابات، ويقدم لهم عرضا سياسيا قصير الأمد، دون أن يخلق الالتزام العميق الذي يصنع نخب الدولة. وقد لاحظنا جميعا ضعف نخبه الوزارية وعدم إضافة أي تميز حقيقي، في إبداع صيغ تدبير جديدة أو في بناء افكار جديدة للدولة في مجالات تدخل هؤلاء الوزراء.
السؤال الذي لا يمكن تجنبه
حزب لم ينجح طوال سنواته في بناء مشتل للنخب القيادية، ولم يحول الدعم الكبير والرعاية الرسمية إلى قدرة تنظيمية وفكرية مستدامة، ويستمر في استقطاب الزبائن عوضا عن صناعة المناضلين… هل يستحق أن يتصدر المشهد ويقود الحكومة؟
الإجابة ليست في الشعارات ولا في النتائج الانتخابية الظرفية. الإجابة في قدرة الحزب على التحول من شبكة مهام مؤقتة إلى مؤسسة تلعب دورا سياسيا حقيقيا مفيدا للدولة في المستقبل..
وحتى الآن، كل المؤشرات تقول إنه لم يفعل ومن الصعب أن يفعل في المستقبل القريب، رغم إحضار اللاعب فوزي لقجع لغرفة العمليات!
دكتوراه في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط.


تعليقات الزوار ( 0 )