بين لحظتين تاريخيتين تباعدت بينهما السنوات وتشابكت فيهما الإحداثيات، يرتسم أمامنا منحنى كامل وصاعد لظاهرة فكرية واجتماعية وسياسية بالغة التعقيد، يمكن اصطلاح تسميتها بـ “العصر الليبرالي العربي الثاني”. تبدأ هذه الحقبة، بملامحها الصادمة وإحداثياتها العنيفة، من مخاض حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت، لتتوج سياسياً وسيكولوجياً لحظة سقوط بغداد في التاسع من نيسان عام 2003 تحت وطأة الدبابات الأمريكية وجنازير الاحتلال؛ وهي اللحظة التي أريد لها غربياً أن تكون إعلاناً فجاً لـ “نهاية التاريخ” في المشرق العربي، وبداية لشرق أوسط جديد يُعاد تفكيكه وتركيبه على مقاس المصالح الإمبراطورية الأمريكية. غير أن هذا المنحنى الذي صعد بالدم والأوهام، وصل إلى نهايته المنطقية، ومطالع أفوله الكبرى، مع لحظة الاندحار الأمريكي المهين من العاصمة الأفغانية كابل في آب من عام 2021، وما تلاها من زلزال وجودي أحدثته عملية “طوفان الأقصى” عام 2023، وصولاً إلى المشهد الارتدادي الفارق بتفكك نظام “الممانعة المزيف” في دمشق وسقوط بشار الأسد.
إن هذه العقود المتلاحقة لم تكن مجرد وحدات زمنية عابرة في تقويم المنطقة، بل شكّلت فضاءً زمنياً متكاملاً، وحاضنةً فكرية ولدت فيها منظومة نخبوية متكاملة الأدوار، أُعيد من خلالها هندسة المجتمعات والسياسات عبر شبكات معقدة من تمويل الخطاب الثقافي التفكيكي وتمرير السياسات النيوليبرالية الشرسة. وكان الهدف الاستراتيجي المستتر وراء هذا المشهد الصاخب هو شيء واحد: إدماج الكيان الصهيوني وجعله دولة طبيعية تقود المنظومة الإقليمية، امتداداً للإرث المعرفي والسياسي الذي أفرزه مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
ولكي نمتلك أداة تحليلية قادرة على تفكيك هذه البنية، لا بد من مقارنتها تاريخياً بما يمكن تسميته بـ “العصر الليبرالي الأول”، الذي عاشته المنطقة في مرحلة ما قبل الاستقلال ونهاية الاستعمار المباشر في النصف الأول من القرن العشرين. لقد نبتت بذور ذلك العصر الأول كجزء من الإصلاحات العثمانية في “عصر التنظيمات”، والتي استهدفت تحت الضغوط الدولية تحسين وضع الأقليات غير الإسلامية؛ كقربان سياسي قدمته السلطنة مقابل الحماية الأوروبية أمام الأطماع الروسية. أما العصر الليبرالي الثاني، فقد وُولد في الجغرافيا الخليجية كثمن سياسي باهظ لإخراج صدام حسين من الكويت وتأمين العروش وأنظمة الحكم. من هنا، بدأت الليبرالية الثانية كقرارات فوقية مجردة وتغييرات ورقية، ثم تحولت إلى مشروع فرض وتفكيك للمجتمعات بعد أن ظنّ المهندسون الدوليون أن هذه البيئات باتت مهيأة لتقبل “الليبرالية الشاملة”.
ولم يدم العصر الليبرالي الأول طويلاً في بيئة كانت تمور بالتحولات؛ إذ سرعان ما تم اختطاف المشهد وتأميمه من قبل الحركات العسكرية، والقومية، واليسارية، التي صعدت تحت لافتات التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية ومواجهة الإمبريالية، معتبرةً الليبرالية السياسية مجرد ترف برجوازي يعطل معارك التحرير والتنمية والبناء. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديداً بعد زلزال الحادي عشر من سبتمبر وسقوط بغداد، ولدت الليبرالية الثانية بوصفها قطيعة معرفية وجذرية مع الأولى؛ إذ انزاحت بشكل شبه كامل من الفضاء السياسي المحض — فضاء صراع السلطة، والسيادة، والبناء الاقتصادي، والتحرر من المستعمر — إلى الفضاء الاجتماعي والثقافي، متبنيةً نمطاً هجيناً يصح نعته بـ “الليبرالية الاجتماعية”.
وفي هذا الفضاء الجديد، لم تعد الأولوية لـ “صندوق الاقتراع”، بل أصبح الصندوق ذاته موضع ريبة وتوجس؛ خاصة بعد أن أثبتت التجارب التاريخية، بدءاً من الجزائر عام 1992 ولاحقاً في غزة ومصر، أن خيارات الصندوق الحرة تأتي دائماً بقوى أصيلة وإسلامية ترفض التبعية للمركزية الغربية. وبناءً على هذه الريبة، تخلت الليبرالية الثانية عن جوهر الديمقراطية التعددية، وقدمت “الثقافي والاجتماعي” على “السياسي والسيادي”. وأصبح المشغل الأساسي لهذه النخب الجديدة هو إعادة هندسة الثقافة والمجتمع وفق مقاييس العولمة والاستتباع المعرفي. لم ينشغل منظرو هذه الحقبة بمسائل الاستقلال الاقتصادي، أو التنمية الوطنية، أو محاربة الفقر، أو بناء اقتصاد إنتاجي مستقل؛ بل انحصرت كتاباتهم وأطروحاتهم في قضايا الشقاق الاجتماعي، مستوردين مفهوم “تحرير المرأة” في سياقه الفرداني الغربي، وساعين إلى تفكيك العلاقات الأسرية التقليدية، وإعادة هندسة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية عبر نزع سلاح النص الديني، ومحاربة كل ما يمت بصلة للاستقلال الفكري تحت لافتة محاربة “الإسلام السياسي” أو “الفكر المتطرف”.
هكذا تحولت الليبرالية من مشروع تحرر سياسي جماعي إلى مشروع تدجين اجتماعي، يهدف إلى استتباع العقل العربي للمركزية الغربية. ولذلك، غاب عن أدبيات هذه الليبرالية الثانية أي خطاب بديل للعدالة الاجتماعية؛ بل كانت في جوهرها متواطئة مع، ومبشرة بـ، المنظومة النيوليبرالية الشرسة. انحصرت رؤيتها الاقتصادية في الدعوة والتبشير بضرورة انضمام الدول العربية لمنظمة التجارة العالمية، وتطبيق وصفات صندوق النقد الدولي القاسية، وخصخصة مؤسسات الدولة، وفتح الأسواق على مصراعيها للشركات العابرة للقارات، وتفكيك شبكات الحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة. كان المطلوب هو تفكيك الدولة كبنية حامية، وترك المجتمع أعزلاً أمام عواصف العولمة الاقتصادية، مقابل منح النخب مساحات من الحرية الفردية والاستهلاكية في الفضاءات المغلقة. وفي هذا السياق، نستذكر ما كتبه المفكر المغربي حسن أوريد عام 1999، مستنهضاً العرب بصعود قطار العولمة بسرعة قبل أن يفوتهم، ومشيداً بنماذج مثل مصر والأردن اللتين وقعتا على الشروط الدولية كافة بلا قيد أو شرط.
ولم يكن العصر الليبرالي الثاني ليتمدد ويستقر دون إعادة صياغة للمنطقة الجغرافية الأكثر ثراءً واستقراراً سياسياً واقتصادياً، وهي المنظومة الخليجية. فطوال عقود النهضة العربية الحديثة، وصعود الجمهوريات الاشتراكية العسكرية، وحتى فترة صعود الجماعات الإسلامية وفترة “الصحوة”، ظلت دول الخليج العربي تمثل حواضن وممالك مستقرة، تتسم بالمحافظة الاجتماعية الشديدة، والالتزام بالتقاليد القبلية والدينية، واستخدام عوائد النفط لتعزيز هذا الاستقرار الداخلي والمحافظ. إلا أن هذا الحصن الاجتماعي جرى استهدافه بذكاء شديد وممنهج في أعقاب موجات الانضمام الخليجي لمنظمة التجارة العالمية. لم يكن الانضمام مجرد اتفاقيات تجارية لعبور السلع، بل كان أداة ضغط بنيوية ألزمت هذه الدول بإعادة صياغة قوانينها المحلية، وتشريعاتها الاستثمارية، ورؤيتها الثقافية لتتواءم مع متطلبات السوق الحرة والعولمة الفكرية. وجاء ذلك بثمن باهظ؛ وهو تنازل هذه الدول عن جوهر هويتها من أجل شعار براق خادع سُمي “الاستعداد لعصر ما بعد النفط”.
لقد أُقنعت النخب الحاكمة والاقتصادية في الخليج بأن الاعتماد على الذهب الأسود يمثل انتحاراً اقتصادياً على المدى الطويل، وأن البديل الوحيد هو الاندحار الكامل في الاقتصاد العالمي عبر تحويل الرساميل والصناديق السيادية الضخمة للاستثمار في الشركات الغربية الكبرى، ومشاريع الترفيه، والتكنولوجيا العابرة للحدود. بيد أن هذا الاستثمار لم يكن بلا ثمن سياسي ومعرفي؛ إذ إن شروط الاندحار في هذا النادي العالمي فرضت تغيير طبيعة المجتمع ذاته. أُجبرت الأموال الخليجية على تمويل منظومات ومشاريع تخدم المركزية الغربية، وكان المقابل الثقافي والاجتماعي المطلوب تمريره محلياً هو “خطط التحول الليبرالي الاجتماعي الصادم”.
ونتيجة لهذه الترتيبات، شهدنا في العقدين الأخيرين تحولات عميقة داخل المجتمعات الخليجية؛ حيث تم التخلي التدريجي والمنظم عن الفكر المحافظ والديني والقبلي الذي كان يمثل شرعية هذه المجتمعات، واستبداله بفكر استهلاكي وافد، يمجد الفردانية والمتعة والاستهلاك كأعلى قيم الوجود الإنساني. وفُتحت الأسواق بالكامل أمام السلع والخدمات والشركات الغربية، وجرى إضعاف القوانين الوطنية التي تحمي التاجر المحلي أو المنتج الوطني لصالح الشركات العملاقة. ولعل التغيير الأكثر عمقاً قد تجسد في هندسة وتعديل المناهج التعليمية والدينية؛ إذ جرى حذف الآيات والمفاهيم التي تؤصل للجهاد، والولاء والبراء، والممانعة ضد الاستعمار، واستُبدلت بمفاهيم “التسامح” المجرد، و”التعايش” غير المشروط مع المحتل، وتمجيد العقل والاستعمار الغربي بوصفه الحامل الوحيد للحداثة والتنوير، مع ممارسة فلترة صارمة ومراقبة أمنية لكل محتوى فكري أو ديني يحث على نصرة قضايا الأمة الكبرى أو يعزز الخطاب الوطني المقاوم.
وبينما كان الخليج يُخترق عبر رافعة المال والصناديق السيادية ووهم اقتصاد ما بعد النفط، فإن الفضاء العربي الآخر — وتحديداً في دول الطوق والعمق التاريخي مثل مصر، واليمن، وليبيا، والمغرب، وتونس، والسودان — قد تعرض لنمط آخر من التفكيك الاجتماعي والثقافي، يتناسب مع واقعه الاقتصادي المأزوم والمثقل بالديون والاضطرابات السياسية. في هذه الدول، ركز مشروع العصر الليبرالي الثاني على غزو الفضاء الثقافي عبر الترويج المكثف والمنظم لخطاب النسوية الثقافية. لم يكن الهدف هنا تمكين المرأة اقتصادياً في مجتمعات تطحنها البطالة والفقر؛ بل كان التركيز منصباً على خلق صدام ثقافي وقيمي داخل الأسرة، عبر تفكيك المنظومة الأخلاقية المحيطة برابطة الزوجية، وتصوير الأسرة التقليدية بوصفها مساحة للاضطهاد الأبوي والذكوري، والتبشير بنمط من الفردانية المطلقة التي تفصل الفرد عن محيطه الأسري والاجتماعي الحامي.
وبالتوازي مع خطاب النسوية، شُيدت سردية ضخمة حول أدبيات “حقوق الإنسان” وضرورة الانصياع الأعمى لـ “القانون الدولي” والمواثيق والاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية سيداو وغيرها. جرى إقناع النخب والمجتمعات العربية بأن هذه المنظومات تمثل مسلمات بشرية وحقائق مطلقة وحتمية لا تقبل النقاش، وأن الارتقاء الحضاري مشروط بتبني هذه الحزمة الغربية كاملة دون تعديل أو مراعاة لخصوصية حضارية أو دينية. وجاء كل ذلك مع تعامٍ متعمد وصمت مخزٍ عن وجود الكيان الصهيوني كاستثناء وحيد ومطلق في هذه المعادلة؛ فرغم أن الكيان الصهيوني يقف حرفياً فوق القانون الدولي، ويمارس أبشع الجرائم التاريخية من استيطان وتطهير عرقي وفصل عنصري، فإنه ظل معفياً تماماً من المراقبة أو العقاب بموجب الحصانة الفيتوية الأمريكية والغربية.
هذا التناقض الصارخ كشف للشعوب العربية أن “منظومة حقوق الإنسان” بالمفهوم السائد في العصر الليبرالي الثاني لم تكن سوى أداة أيديولوجية لتدجين الشعوب المستضعفة، وأنها في حقيقتها تعني “حقوق الإنسان الغربي الأبيض” ومن يقع في فلكه، بينما دماء وحقوق الشعوب العربية والمسلمة مجرد هوامش يمكن التضحية بها على مذبح المصالح الدولية، كما شهدنا فصوله الدموية في غزة وفي السودان. وامتداداً لهذا التوجيه الفكري، جرى الترويج لأطروحات “ما بعد الحداثة” في الأكاديميا والصحافة والمنصات الثقافية العربية الممولة خليجياً كخيار فكري حتمي ووحيد للنخب الصاعدة. كانت الأيديولوجيا المستترة وراء هذا الترويج هي استخدام أدوات تفكيك ما بعد الحداثة لإغراق العقل العربي في حالة من السيولة المعرفية والقيمية، ليصبح كل شيء نسبياً، وتسقط “السرديات الكبرى” للأمة؛ فلم يعد هناك مفهوم واضح لـ “الوطن”، أو “الأمة”، أو “العدو”، أو “الثوابت الأخلاقية والدينية”. جرى تحويل المثقف من قناص للأفكار الاستعمارية ومدافع عن استقلال أمته، إلى كائن منشغل بتفكيك النصوص واللعب بالألفاظ، غارق في ذاتية مفرطة وعاجز عن اتخاذ أي موقف أخلاقي أو سياسي صلب تجاه قضايا التحرر الحقيقية.
وما يؤكد منهجية هذا العمل الفكري هو ما كانت تنتجه وتضخه مراكز الدراسات والأبحاث الممولة، والتي ظلت تبشر بأن إسرائيل مجرد “جار إقليمي” طبيعي، مثلها مثل إيران وتركيا، وأن التعاون مع ما يُسمى “اليسار الديمقراطي الإسرائيلي” هو ضرورة استراتيجية لمواجهة الأشرار في “اليمين المتطرف”. وفي مقابل هذا التدجين، وُصمت حركات المقاومة الفلسطينية بالتهور، وصُوِّر السلام مع إسرائيل بوصفه ضرورة بشرية وحضارية، بشرط أن يكون بثمن مقبول ينحصر في تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية للفلسطينيين.
وتتجلى المعضلة البنيوية الكبرى لنخب العصر الليبرالي الثاني في عجزها القاتل عن تسويق مقولاتها الفكرية وشعاراتها الحداثية خارج الدوائر المغلقة، المعزولة، والممولة. فهم على النقيض تماماً من القوى التاريخية الشعبية — مثل حزب الاستقلال المغربي، أو حزب الوفد المصري، أو الكتلة الوطنية السورية — نخب بلا جذور شعبية، وظلت أفكارها بمثابة “نباتات دفيئة” تنمو فقط في أجواء مكيفة داخل قاعات الفنادق الفاخرة، وورش عمل المنظمات غير الحكومية، والصالونات الثقافية المدعومة من السفارات، دون أن تمتلك يوماً القدرة على النزول إلى الشارع، أو ملامسة آلام الفلاحين، والعمال، والمهمشين في العشوائيات ومخيمات اللجوء.
إن الليبرالية الاجتماعية في العالم العربي لم تكن تعبيراً عن حركة جماهيرية صاعدة، أو حراك طبقي نابع من تفاعلات المجتمع الداخلي كما حدث تاريخياً في أوروبا، أو كما يتبدى في الحراك الاجتماعي المعاصر في إيران؛ بل ارتبطت بنيوياً وجينياً بوصفها “ظاهرة نخبويّة معزولة وفوقية”، جرى تخليقها وتغذيتها وتمديد عمرها الافتراضي عبر آلية معقدة تُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ “منظمات المجتمع المدني” والمنظمات غير الحكومية، وممارسة الابتزاز المالي على الدول عبر ربط ومنع القروض الدولية بمدى سماحها وتسهيلها لعمل هذه المنظمات وشبكاتها. وتحت لافتات وعناوين براقة وإنسانية مثل “دعم المجتمع المدني”، “المنظمات الأهلية”، “الحوكمة الرشيدة”، “تمكين الفئات المهمشة”، و”نشر ثقافة الحوار”، تم تمرير أدوات الهيمنة الناعمة. تحولت “الأنسنة” ومفاهيم الحريات من قيم نضالية أصيلة إلى أدوات وظيفية وسياسية متحركة تدور بدقة في فلك الأجندات السياسية والأمنية للمركز المانح. وكان الهدف الحقيقي وراء هذه الهيكلية المؤسسية هو صناعة نخب مستلبة تقود محاولات بائسة لـ “أسلمة الليبرالية” أو “تبيئتها” لتسويقها قسراً في بيئات ومجتمعات مسلمة ومحافظة، تمتاز بممانعتها الفطرية والتاريخية لكل ما يصطدم مع هويتها وعقيدتها وسلوكها الاجتماعي الجمعي.
لكن التاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة؛ فقد تلاحقت تحولات جيوسياسية خطيرة جداً ضربت بنية المركز الإمبراطوري ذاته. فمنذ أزمة كورونا، أصبحت الاقتصاديات الغربية مأزومة ومثقلة بالتضخم، وتصاعد اليمين الغربي المتطرف، وغزت روسيا أوكرانيا، وأُعيد انتخاب ترامب ليرفع شعار “أمريكا أولاً”. ويضاف إلى هذا السياق الاندحار الأمريكي المهين من كابل في آب 2021، الذي أعلن الوفاة السريرية والسياسية للمشروع الليبرالي والإمبراطوري الغربي في آسيا والمنطقة الإسلامية، وصولاً إلى زلزال السابع من أكتوبر 2023 “طوفان الأقصى” الذي أسقط الأقنعة تماماً.
تحت وطأة الصدمة الوجودية التي تعرض لها الكيان الصهيوني، سقطت الأقنعة والمساحيق “الحداثية” والحقوقية دفعة واحدة. تخلت السفارات، الحكومات، والمنظمات الدولية الغربية عن كل وعودها وشعاراتها البرّاقة حول “التعددية”، “حرية التعبير”، و”منظومة حقوق الإنسان العالمية”. وتبنت هذه العواصم والمنظومات الرواية الصهيونية بالكامل وبشكل أعمى، وانخرطت في دعم وتمويل وتبرير حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي البشع الذي تعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. لم يعد هناك مكان للمناورة أو الاختباء وراء الكلمات؛ انقسم العالم بوضوح بين مركز إمبريالي متوحش يدافع عن قاعدته المتقدمة، وبين شعوب مستضعفة تقاوم من أجل البقاء والسيادة.
ولم يتوقف هذا السقوط المريع عند حدود الخطاب السياسي الرسمي للدول، بل امتد ليتجلى بأبشع صوره داخل القلاع التقليدية لليبرالية والتنوير الغربي: في الأكاديميا، الجامعات الكبرى مثل كولومبيا، وهارفارد، وغيرها، والمؤسسات الثقافية والإعلامية العريقة. شهدنا موجات عنيفة من قمع الحريات وتكميم الأفواه، تمثلت في طرد وملاحقة وإلغاء عقود الباحثين، الأساتذة، والمفكرين الذين تجرأوا على نقد الاحتلال أو التعبير عن تضامنهم مع الضحايا الفلسطينيين، والتشهير بالطلاب ومعاقبتهم على مواقفهم الأخلاقية المناهضة للإبادة وتدمير سيرتهم المهنية.
وعلى الصعيد المؤسسي، عمد المانحون والجهات الغربية إلى شن حملات مراجعة صارمة وفورية لكل قرش يُمنح للمنظمات العربية؛ وجرى قطع وتجفيف منابع التمويل والمساعدات بالكامل عن أي منظمة، مركز حقوقي، أو تجمع أهلي عربي رفض الانصياع للإملاءات ولم ينخرط بوضوح وجلاء في إدانة المقاومة الفلسطينية وشيطنتها. تحول التمويل الذي كان يُسوق طوال عشرين عاماً بوصفه “دعماً غير مشروط لقيم الإنسانية والتنمية” إلى كرباج سياسي واضح وصريح، يُستخدم بلا خجل لتركيع النخب وإجبارها على تبني المواقف الصهيونية الإمبراطورية. وجاءت المواجهات العسكرية الأخيرة وحرب إيران في المنطقة لتكشف زيف المنظومة الخليجية، خصوصاً تلك التي تتظاهر بالتسامح وتعتبر نموذجها ملهماً في تبني الليبرالية؛ فبمجرد أن ضربت الحرب عصب السياحة والاقتصاد، انزاحت المساحيق، وبدأت هذه الأنظمة في ملاحقة شعوبها والتنكيل بهم على أساس الانتماء الديني والفكري بحجة التعاون مع الأعداء.
وكما دخلت الليبرالية الثانية المنظومة الإقليمية مع حرب صدام حسين واحتلال العراق، فإنها تخرج اليوم وتتلاشى مع حرب إيران وتهافت المشاريع الإمبراطورية. إن هذه النهاية تؤكد حقيقة تاريخية راسخة: إن الأفكار المستعارة، والمفاهيم المستوردة، والمنظومات الفكرية التي لا تنبت في تربة أهلها، ولا تتبنى هموم شعوبها الحقيقية في السيادة والاستقلال، هي أفكار هشة لا تمتلك مقومات البقاء؛ تذروها الرياح العاتية وتكشف تهافتها الأيام عند أول امتحانات السيادة الحقيقية، وأول معارك الحرية الحتمية للأمة.
أمام هذا الانكشاف والتعري المعرفي، لم يعد أمام الأجيال الشابة من خيار سوى الارتداد نحو القوى والأفكار التي تمتلك في طبيعتها التكوينية وبنيتها العقائدية أدبيات الممانعة والصمود، والمتمثلة في الحركات الدينية الأصيلة والتيارات القومية التحررية. لقد سقط وتلاشى الخطاب الديني الموظف سياسياً، سواء كان خطاب “المداخلة” المدافع عن الاستبداد، أو “إسلام التسامح الإماراتي” المروج للتطبيع، ولن يتأخر الوقت حتى تتصاعد بقوة دعوات طرد القواعد والمستعمرات الأمريكية من المنطقة، بعد أن أثبتت فشلها الاستراتيجي في التصدي للتهديدات أو حماية الدول التي تستضيفها، وبعد أن كانت هي صانعة الأزمات الاقتصادية والسياسية التي طحنت شعوب هذه الأمة وعطلت نهضتها.
كاتب وطبيب من السودان






تعليقات الزوار ( 0 )