عرضت القناة الثانية “دوزيم”، ليلة يوم الأربعاء 25 مارس، على الساعة التاسعة وخمسٍ وعشرين دقيقة مساءً، أولى حلقات البرنامج الحواري الجديد نصف الشهري “ساعة الصراحة”، التي بُثت لمدة تسعين دقيقة باللغتين الدارجة والعربية المبسطة، بتقديم صحفيي القناة جامع كلحسن وسناء رحيمي.
ويأتي هذا البرنامج المتلفز الجديد في سياق ما أوضحته مديرية البرامج الإخبارية والشريط الوثائقي بالقناة، بصفتها الجهة المُعدة لهذا العمل، من أن هذا الإطلاق يأتي أيامًا بعد الذكرى السابعة والثلاثين لتأسيس المحطة، وعشية محطات انتخابية ذات رهانات قوية، بهدف توفير فضاء جديد للنقاش العمومي الحر والصريح والموضوعي حول القضايا والأحداث التي تهم المغرب والمغاربة.
حيث تقوم فكرة هذا البرنامج على استضافة قيادي حزبي أو مسؤول سياسي أو شخصية عمومية من صناع القرار للإجابة عن تساؤلات الرأي العام، مع تقسيم الحلقة إلى ست فقرات متنوعة لضمان إيقاع جيد، تشمل الحوار مع الصحافيين، ومواجهة الموقف المعارض، وصولًا إلى الإجابة عن أسئلة الجمهور الحاضر في الأستوديو أو من مناطق المغرب العميق.
غير أن ما عكسته هذه الحلقة، بالإضافة إلى الأسلوب الصحفي المفتوح ومشاركة بعض الحاضرين أو المتتبعين بإلقاء أسئلة على ضيف الحلقة، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية السيد نبيل بن عبد الله، هو النقاش الحاد بين عضو الشبيبة التجمعية مهدي يسيف ومحمد نبيل بنعبد الله حول تدبير القطاع الصحي بين الأمس واليوم.
ولعل أهم ما أظهرته هذه الحلقة ليس فقط المشادة الكلامية بين الطرفين، التي لا ترجع إلى مشادة سياسية أو حزبية، بل كشفت عن أحد أعطاب المنظومة الحزبية بالمغرب، والمتمثل في الهوة السياسية الكبيرة التي تفصل بين أجيال المنظومة الحزبية بالمغرب، والتي عكستها رمزيًا تلك المسافة بين المتناظر الشاب والأمين العام للحزب الذي تجاوز عقده السادس، بعدما تجاوزت رئاسته للحزب أربع ولايات.
شيخوخة القيادات الحزبية وأعطاب التشبيب
يعاني المشهد السياسي المغربي، طيلة أكثر من ستة عقود، من ظاهرة “شيخوخة القيادات الحزبية”، حيث تهيمن وجوه قديمة على تسيير الأحزاب لأعوام طويلة، مما يحد من تجديد النخب. كما يساهم هذا الوضع في ضعف انخراط الشباب وتراجع ثقتهم في الأحزاب التقليدية، رغم وجود دعوات مستمرة لإدماج كفاءات شابة، خاصة مع اقتراب انتخابات 2026.
إذ يتجاوز متوسط أعمار القيادات الحزبية الأولى في المغرب عتبة 60 عامًا، حيث تسيطر قيادات مسنة من جيل المخضرمين على معظم الأحزاب السياسية، مع تسجيل ندرة في “تشبيب” النخب القيادية الأولى.
وهكذا تتراوح أعمار العديد من الأمناء العامين للأحزاب بين 60 و70 عامًا، مع استمرار ولاياتهم لمدد طويلة:
ـ إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يبلغ من العمر 69 سنة، ويقود حزبه لولاية ثالثة.
ـ محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، يرأس حزبه لولاية رابعة، ويبلغ من العمر 64 سنة.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية دقيقة تحدد متوسط أعمار قيادات الأحزاب الصغرى، فإن المشهد السياسي يشير إلى أن هذه الأحزاب عادة ما يهيمن على رئاستها أمناء في سن متقدمة.
ولعل هذه الظاهرة ناتجة، على ما يبدو، عن سياسة نظام الحكم في عهد الملك الحسن الثاني، حيث ساهمت أجواء الصراع السياسي من قمع وتوتر، بالإضافة إلى طبيعة اشتغال الأحزاب القائمة على الشخصنة و”خلود الزعيم”، في عدم تشبيب القيادات الحزبية.
وقد اضطر الملك محمد السادس إلى التعامل مع قيادات حزبية شائخة، في الوقت الذي نجح فيه في تشبيب وتجديد رؤساء مؤسسات حساسة، وعلى رأسها المؤسسة الأمنية والعسكرية.
كما قاومت القيادات الحزبية مختلف آليات التشبيب التي تضمنها قانون الأحزاب، وعلى رأسها ربط الدعم المالي بتنظيم المؤتمرات في آجالها، وعدم تجاوز رئاسة الأحزاب لولايتين، وهو ما لم تحترمه جل هذه القيادات، حيث يتم غالبًا تعديل الأنظمة الداخلية لتسهيل تعدد الولايات، مع إقصاء المنافسين.
وقد أدى هذا الوضع، في مجتمع شاب، إلى خلق صعوبات كبيرة في إدماج الشباب في المناصب القيادية العليا، رغم وجود شبيبات حزبية، مما أدى إلى عزوف الشباب عن المشاركة السياسية، حيث لا تتجاوز نسبة المنخرطين في الأحزاب 1%.
كما أن استمرار نفس القادة في مواقع المسؤولية يخلق جمودًا في الفكر التدبيري الحزبي، ويزيد من الفجوة بين الشباب والسياسة، ويضعف قدرة الأحزاب على إنتاج بدائل قيادية شابة وقوية.
شيخوخة القيادات الحزبية وآليات التجديد
الرهان على انتخابات 2026 للتشبيب والخلافة
تعتمد آليات تشبيب القيادات الحزبية بالمغرب على إصلاحات قانونية وتنظيمية تهدف إلى تجديد النخبة السياسية، من خلال:
ـ تعزيز تمثيلية الشباب في الهياكل التنظيمية.
ـ تخصيص كوطا للشباب في اللوائح الانتخابية.
ـ إدماجهم في مناصب المسؤولية الحزبية.
ـ تكوينهم وتأهيلهم سياسيًا.
كما تنص المادة 26 من قانون الأحزاب على ضرورة إشراك الشباب والنساء في الأجهزة المسيرة، غير أن المشرع لم يحدد سنًا موحدًا للشباب، تاركًا ذلك للأحزاب، رغم أن القانون التنظيمي لمجلس النواب حدده في 40 سنة.
ويطرح هذا التناقض إشكالية حقيقية، حيث يتم تمثيل الشباب أساسًا عبر “الكوطا”، بدل أن يكون حضورهم طبيعيًا داخل الهياكل الحزبية.
كما أن عزوف الشباب يرتبط بضعف الديمقراطية الداخلية للأحزاب، ونظرة المجتمع، وضعف التكوين السياسي، إضافة إلى التحولات التي عرفها العمل السياسي بعد حركة 20 فبراير 2011.
مكونات المعارضة بين التكتل والشعبوية
يبدو أن ميزان القوى الذي أفرزته انتخابات 2021 جعل مكونات المعارضة، المنقسمة على نفسها، تميل إلى ممارسات ذات طابع شعبوي، في مواجهة ما تعتبره تغولًا للأغلبية الحكومية.
وقد تجلت هذه الممارسات في الدعوة إلى انتخابات مبكرة، أو الانسحاب من جلسات البرلمان، أو التلويح بملتمس الرقابة، أو توجيه رسائل مفتوحة للحكومة.
وفي المقابل، ظهرت محاولات لإعادة التوازن عبر التكتلات السياسية، مثل التقارب بين حزب الحركة الشعبية و”التكتل الديمقراطي المغربي”، في إطار إعادة ترتيب المشهد السياسي.
مكونات الأغلبية بين التنافس وإعادة الهيكلة
تسعى أحزاب الأغلبية الحكومية إلى تصدر انتخابات 2026، في ظل ضعف المعارضة، حيث يعمل كل حزب على تعبئة قواعده وإعادة تنظيم هياكله.
فحزب الاستقلال يسعى إلى استعادة قاعدته التقليدية، بينما يطمح حزب الأصالة والمعاصرة لقيادة الحكومة، في حين يعبر حزب التجمع الوطني للأحرار عن رغبته في الاستمرار في قيادة الحكومة لولاية ثانية.
وتعكس هذه الدينامية شراسة التنافس بين مكونات الأغلبية، في إطار “تسخينات انتخابية” ستزداد حدتها مع اقتراب موعد الانتخابات.
خلاصة
على العموم، قد يعرف المشهد السياسي حركية متسارعة في أفق انتخابات 2026، غير أنها قد لا تكون كافية لكسر حالة العزوف السياسي، ما لم يتم فتح المجال أمام قوى سياسية جديدة، وتمكين الشباب من ولوج حقيقي لمراكز القرار، بدل الاكتفاء بالتمثيل الشكلي.






تعليقات الزوار ( 0 )