أخبار ساعة

17:00 - وسط تحولات في سوق الطاقة العالمية.. المغرب يعزز وارداته من المشتقات النفطية عبر جورجيا16:43 - ترامب يرفض تمديد هدنة إيران ويهدد باتفاق حاسم16:22 - ابن البنا المراكشي في قلب نقاش أكاديمي لإعادة الاعتبار للعقل الحسابي في الثقافة المغربية16:15 - المغرب على أعتاب تعزيز أسطوله البحري بخمس غواصات متطورة في أفق 202715:24 - بوريطة في اجتماع عربي طارئ يدين الهجمات الإيرانية15:17 - حموشي يعزز التعاون الأمني المغربي-السويدي بتوقيع مذكرة تفاهم وتوسيع الشراكة العملياتية15:00 - السغروشني: تغطية 10 آلاف و690 منطقة بخدمات الاتصالات في إطار الشطر الأول من مخطط الصبيب العالي14:00 - هكذا تحول موقع فيسبوك إلى أكبر “فراقشي”13:33 - الحصول على شهادة الدكتوراه في سنتين يثير الجدل… تعيين “تقني” يهز معايير الانتقاء داخل السلامة الصحية في كليميم13:30 - الفلاحة: 35% من الناتج الفلاحي من الإنتاج الحيواني
الرئيسية » مقالات الرأي » المثقف بين منطق الدولة ونبض المجتمع

المثقف بين منطق الدولة ونبض المجتمع

في الحقول السياسية التي تتسم بقدر عال من التعقيد، كما هو الحال في السياق المغربي والعربي عموما، لا يتحدد موقع المثقف فقط من خلال ما يقوله، بل من خلال الكيفية التي يختار بها أن يرى العالم ويعيد تأويله. فالمعضلة الأساسية التي تواجه التفكير السياسي ليست نقص المعطيات، بل ضيق الأفق الذي تقرأ من خلاله هذه المعطيات، وهو ما يمكن تسميته ب)أفق الدولة( أي ذلك الإطار غير المعلن الذي يفرض على المفكر أن يفكر من داخل منطق الاستقرار، ويؤول التحولات بوصفها تهديدات ينبغي احتواؤها، لا أسئلة ينبغي تفكيكها.

هذا الأفق لا يفرض دائما بشكل قسري، بل يتسلل في شكل بديهيات: الحفاظ على التوازن أولوية مطلقة، الإصلاح يجب أن يكون تدريجيا، والسياسات العمومية  مهما بدت متعثرة  هي تعبير عن ضرورات لا عن اختيارات قابلة للنقد.

داخل هذا النسق، يتحول المثقف تدريجيا من منتج للمعنى إلى وسيط يضفي المعقولية على ما هو قائم، فيصبح مفهوما لدى الدولة، بل وربما مقبولا داخل دوائرها، لكنه يفقد في المقابل القدرة على التأثير في المجال العمومي، لأن الجمهور لا يبحث عمن يشرح له لماذا تسير الأمور كما هي، بل عمن يلتقط توتراته ويمنحها لغة ومعنى.

هنا بالضبط تبدأ لحظة الوعي بضرورة الخروج من هذا الأفق، ليس بمعنى القطيعة مع الدولة أو إنكار تعقيداتها، بل بمعنى تحرير الفعل الفكري من الارتهان الضمني لأولوياتها. فالمثقف الذي يسعى إلى بناء امتداد جماهيري لا يمكنه أن يظل أسير لغة تقنية باردة، ولا أن يكتفي بإعادة إنتاج خطاب رسمي بصياغة أكثر أناقة. المطلوب هو إعادة بناء الخطاب انطلاقا من أسئلة المجتمع: من الإحساس باللاعدالة، من التفاوتات، من التناقضات التي يعيشها الأفراد في علاقتهم بالسلطة، ومن تلك المساحات الرمادية التي يتجنبها الخطاب السياسي المؤسسي. الجمهور لا يقيس الخطاب بمدى مطابقته للمعايير الأكاديمية أو السياسية، بل بقدرته على التعبير عنه، على أن يقول ما يشعر به دون أن يستطيع صياغته.

غير أن هذا الخروج يضع المثقف أمام معضلة حقيقية تتعلق بالتموقع. فالمشهد يكشف عن ثلاث وضعيات كبرى، لكل واحدة إغراءاتها ومآزقها. هناك أولا المفكر الذي يختار الاشتغال من داخل المنظومة، متبنيا خطاب الإصلاح التدريجي، ومراهنا على التغيير من داخل المؤسسات. هذا النموذج يضمن قدرا من القبول الرسمي، بل ويتيح لصاحبه هامشا من الفعل، لكنه يظل مهددا بفقدان المصداقية الشعبية، خصوصا حين يتحول خطابه إلى تبرير دائم أو صمت انتقائي.

في المقابل، يظهر نموذج المثقف المعارض جذريا، الذي يؤسس خطابه على القطيعة، ويرفض شرعية المنظومة أو أجزاء أساسية منها. هذا النموذج يمتلك جاذبية واضحة لدى الفئات المحتجة، لأنه يعبر عن الغضب ويمنحه شرعية، لكنه يواجه خطر العزلة أو الاصطدام المباشر، كما أنه قد يقع في تبسيط مخل للواقع، حيث تتحول الدولة إلى كتلة صماء، ويختزل التعقيد في ثنائيات حادة.

أما النموذج الثالث، وهو الأكثر تعقيدا، فهو نموذج المثقف الذي يسعى إلى بناء استقلال نسبي، فلا يذوب في خطاب الدولة، ولا ينخرط في معارضة راديكالية. هذا المثقف يشتغل في منطقة ملتبسة، حيث يحاول الجمع بين التحليل العقلاني والاقتراب من نبض المجتمع، دون أن يسقط في الشعبوية أو التبسيط. إنه لا يرفض الدولة كإطار، لكنه يرفض احتكارها للمعنى، ولا يتبنى خطاب الشارع بشكل انفعالي، بل يعمل على تفكيكه وإعادة تركيبه.

صعوبة هذا الموقع لا تكمن فقط في توازنه الهش، بل في كلفته العالية؛ إذ غالبا ما يجد صاحبه نفسه خارج دوائر الرضا الرسمية، دون أن يحظى في الوقت نفسه بثقة الشارع بسهولة، لأن الجمهور يميل إلى الوضوح الحاد، بينما يقوم هذا النموذج على التعقيد والتركيب. ومع ذلك، فإن هذا الموقع هو الأكثر قدرة على إنتاج أثر طويل المدى، لأنه لا يراهن على اللحظة، بل على بناء وعي تراكمي.

الإشكال الحقيقي لا يكمن إذن في الاختيار بين الدولة والمعارضة، بل في الغموض. فالمثقف الذي لا يحدد موقعه بوضوح يفقد الطرفين معا: الدولة لا تثق فيه لأنه غير قابل للتوقع، والجمهور لا يتبناه لأنه لا يعرف ماذا يمثل. الوضوح هنا لا يعني التبسيط، بل يعني الاتساق أن يكون الخطاب منسجما مع ذاته، وأن تكون مواقفه قابلة للفهم حتى عندما تكون معقدة.

الرهان ليس سياسيا فقط، بل معرفي أيضا. هل المثقف منتج للمعنى، أم مجرد مترجم لخطابات قائمة؟ هل يمارس نقدا يكشف البنيات العميقة، أم تأويلا يضفي الشرعية على ما هو موجود؟

الفرق بين الحالتين هو الفرق بين فكر يساهم في تشكيل المجال العمومي، وفكر يكتفي بالتكيف معه.

إن الخروج من (سقف الدولة)لا يعني السقوط في (شعبوية الشارع)، بل يعني بناء موقع ثالث، موقع يتأسس على الاستقلال النسبي، وعلى القدرة على الإنصات والتحليل في آن واحد. هذا الموقع لا يمنح صاحبه شعبية سريعة، ولا حماية دائمة، لكنه يمنحه شيئا أكثر عمقا: القدرة على التأثير في الزمن الطويل، وعلى المساهمة في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ليس من موقع الاصطفاف، بل من موقع إنتاج المعنى.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

من أزمة العزوف إلى بناء الثقة المستدامة: حين تصبح التنمية الترابية المندمجة جوهر الفعل السياسي

21 أبريل 2026 - 12:17 ص

توقفت في المقال السابق عند الرؤية الملكية كإطار مرجعي يؤسس لتوازن دقيق بين تثبيت الإستقرار الداخلي وصناعة الريادة القارية، لكن

الدورة الحضارية بين مالك بن نبي وأوسفالد شبنغلر

20 أبريل 2026 - 10:53 م

     تُعَدُّ فكرة ” الدَّورة الحضارية ” من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء

من حرب خاطفة إلى مأزق استراتيجي.. واشنطن وطهران بين وهم الحسم العسكري وضغط الحصار البحري

20 أبريل 2026 - 7:00 م

يشكل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيداً واستمرارية في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتداخل فيه

التشيع المهدوي في المغرب… خطاب ديني جديد يتمدد عبر الفضاء الرقمي ويثير أسئلة الهوية والتدين

19 أبريل 2026 - 1:25 ص

بعيدا عن المرجعيات الشيعية المقلّدة في المغرب، و الولاءات الدينية المتبعة المعروفة، ظهر نوع جديد من التشيع و بدأ ينتشر

مالي تسقط ورقة البوليساريو الأخيرة في غرب إفريقيا.. تحول استراتيجي يعزز مغربية الصحراء

19 أبريل 2026 - 1:12 ص

في تحول دبلوماسي بارز يعكس تغيراً عميقاً في موازين القوى بغرب إفريقيا، أعلنت جمهورية مالي يوم 10 أبريل 2026 سحب

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°