تشهد الشراكة الدفاعية بين المغرب والهند تطورا متسارعا مع انتقال التعاون بين البلدين من الاتفاقيات العسكرية التقليدية إلى مشاريع توطين التكنولوجيا والتصنيع المشترك في قطاع الصناعات الجوية والدفاعية.
وتأتي هذه الخطوة في ظل مساعي الرباط لتعزيز قدراتها الصناعية العسكرية، خاصة بعد التقدم الذي حققه مشروع مصنع “تاتا أدفانسد سيستمز” بضواحي برشيد، والذي يعتبر نموذجا مختلفا عن الاستثمارات الأجنبية المعتادة في المغرب، نظرا لاعتماده على نقل جزء من عمليات التصنيع والتجميع المتقدمة إلى الكفاءات المحلية.
وبحسب معطيات مرتبطة بالمباحثات الجارية بين الرباط ونيودلهي، تتجه الشراكة نحو توسيع التعاون ليشمل تصنيع طائرات كاملة داخل المغرب، في إطار رؤية مغربية تستهدف إطلاق أول طائرة مجمعة محليا بحلول سنة 2030.
ويملك المغرب حاليا منظومة صناعية متنامية في قطاع الطيران تضم نحو 150 شركة، بحجم معاملات يناهز 2.5 مليار يورو، مع حضور قوي لكبرى الشركات العالمية، من بينها “إيرباص” و”سافران” و”بوينغ” و”سبيريت أيروسيستمز”.
ورغم هذا الحضور الصناعي، ظل النشاط المغربي مقتصرا لسنوات على تصنيع الأجزاء والهياكل الفرعية وتجميع المكونات، دون الوصول إلى مرحلة إنتاج طائرة كاملة، بسبب تحفظ الشركات الكبرى على نقل التكنولوجيا الحساسة أو مشاركة التصاميم الأساسية.
وفي هذا السياق، تبرز الهند كشريك مختلف، مستفيدة من استراتيجيتها الصناعية “اصنع في الهند”، التي تقوم على توسيع التصنيع العسكري خارج الحدود عبر شراكات مع دول حليفة، بهدف التصدير نحو أسواق ثالثة.
ويعتبر مشروع الطائرة التدريبية المتقدمة HTT-40 من أبرز النماذج المطروحة للتصنيع المشترك بالمغرب، باعتبار أن شركة “هندوستان أيرونوتيكس المحدودة” الهندية تمتلك حقوق الملكية الفكرية الكاملة للطائرة، ما يمنحها هامشا أكبر لنقل تقنيات التصنيع وإنشاء خطوط تجميع خارج الهند.
وتدخل الطائرة حاليا مرحلة الإنتاج التجاري الواسع، بعد توقيع وزارة الدفاع الهندية عقدا لاقتناء 70 طائرة بقيمة تقارب 770 مليون دولار، مع إمكانية رفع العدد إلى 108 طائرات لصالح القوات الجوية الهندية.
ويمنح هذا المشروع المغرب فرصة للتحول إلى منصة صناعية إقليمية لإنتاج وتصدير الطائرات الخفيفة، خاصة نحو الأسواق الإفريقية، لاسيما أن الطائرة قابلة للتطوير لاستخدامات الدعم الجوي القريب ومهام مكافحة التمرد بعد تزويدها بالأسلحة المناسبة.
وفي موازاة هذا المسار، برز مشروع آخر يجمع المغرب بشركة “جينسر أيروسبايس” الهندية، ويهدف إلى تطوير طائرة أعمال متعددة المهام داخل المغرب، عقب توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين خلال معرض لوبورجيه للطيران سنة 2025.
ويسير التعاون المغربي الهندي حاليا في اتجاهين متوازيين، الأول عملي وواقعي يعتمد على نقل تصنيع طائرات جاهزة ومجربة، والثاني استكشافي يهدف إلى تطوير مشاريع جوية جديدة من الصفر.
ويستفيد المغرب في هذا التوجه من بنيته التحتية الصناعية واتفاقياته التجارية وموقعه الجغرافي القريب من أوروبا، إضافة إلى تكاليف الإنتاج التنافسية، وهي عوامل تجعل منه منصة جاذبة لعمليات التصنيع الموجهة للأسواق الأوروبية والإفريقية.
ومن شأن هذه الشراكات أن تفتح الباب أمام تحول المغرب خلال السنوات المقبلة إلى مركز إقليمي للصناعات الجوية والدفاعية، قادر على استيعاب التكنولوجيا العسكرية وتطويرها والمشاركة في سلاسل الإنتاج العالمية.


تعليقات الزوار ( 0 )