أثار الفنان حسن الفد موضوع تهركويت خلال لقاءات إعلامية وثقافية نقاشاً واسعاً في المغرب، حيث لم ينظر لهذا المصطلح باعتباره وصفاً “لسلوكات غير متحضرة في الفضاء العام،” بل لأنه يحمل أيضاً أبعاداً اجتماعية وثقافية تتعلق بالتمدن والاندماج في الحياة الحضرية. فبحسب توضيحات الفنان الكوميدي حسن الفذ، فإن “التهركاويت” تشير إلى سلوكات تخالف قواعد العيش المشترك والاحترام في الفضاء العام، وليست – في نظره – وصفاً لفئة اجتماعية أو جغرافية بعينها. غير أن منتقديه اعتبروا أن المصطلح قد يتحول إلى نوع من الوصم الاجتماعي لفئات معينة، وأن التركيز على “تهركاويت داخل المجتمع” قد يغفل مسؤولية المؤسسات والسياسات العمومية في إنتاج بعض الاختلالات الاجتماعية والحضرية. في حين أنه من الناحية السوسيولوجية، يمكن فهم هذا الجدل المثار باعتباره صراعاً حول سؤال أوسع: هل تعود بعض مظاهر الفوضى في المدن إلى سلوكات الأفراد فقط، أم إلى ظروف التهميش وضعف التربية المدنية والتخطيط الحضري والسياسات العمومية؟ لذلك تجاوز النقاش شخص حسن الفد نفسه ليتحول إلى نقاش حول المدينة المغربية وقيم المواطنة والعيش المشترك.فأهمية طرح حسن الفد لهذا الموضوع تكمن في أنه أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول التمدن، والثقافة المدنية . إذا ربطنا مفهوم “التهركاويت” الذي أثاره حسن الفد بمفهوم “المدن الهجينة”، فإن النقاش ينتقل من مستوى السلوك الفردي إلى مستوى التحولات الاجتماعية والعمرانية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، و ما أفرزته من شعبوية سياسية.
-السلوك الاجتماعي داخل المدن الهجينة بالمغرب
يمكن تعريف المدينة الهجينة بأنها هي تلك المدينة تجمع بين أنماط عيش وقيم وممارسات حضرية وقروية في آن واحد، نتيجة الهجرات الداخلية المتواصلة من البادية نحو المدن. فلا تعود المدينة فضاءً حضرياً خالصاً، ولا يحتفظ القادمون الجدد بكامل خصائص المجال القروي، بل ينشأ شكل اجتماعي وثقافي مركب أو “هجين”. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار “التهركاويت” كما شرحها بعض المدافعين عن استعمال المصطلح، تعبيراً عن صعوبة اندماج بعض الفئات في ثقافة المدينة وقواعد العيش المشترك داخل الفضاء الحضري، وليس بالضرورة حكماً على أصولهم القروية أو الاجتماعية. وقد ربطت بعض التحليلات ظهور هذه السلوكات بالتحولات السريعة التي عرفتها المدن المغربية بفعل الهجرة والتوسع العمراني غير المتوازن. لكن هناك قراءة أخرى تنتقد المصطلح نفسه، وترى أن “التهركاويت” قد يتحول إلى أداة للوصم الطبقي والثقافي، لأن ما يُوصف بأنه سلوك “غير متحضر” قد يكون في أحيان كثيرة انعكاساً للتفاوتات الاجتماعية وضعف الخدمات العمومية والتهميش الحضري أكثر مما هو مشكلة ثقافية خالصة. لذلك يمكن القول إن المدن المغربية الكبرى مثل الدار البيضاء ومراكش وأكادير أصبحت مدناً هجينة بفعل اختلاط أنماط العيش الحضرية والقروية.”وأن ظاهرة التهركاويت” في أحد تأويلاتها هي أعراض لهذا الانتقال غير المكتمل نحو التمدن. وبالتالي ، فتهاركويت ليست مشكلة أفراد فقط، بل نتيجة سياسات حضرية واجتماعية واقتصادية أنتجت مدناً تضم في الوقت نفسه أحياء عصرية جداً وأحياء مهمشة تفتقر إلى شروط الاندماج الحضري الكامل. ولهذا فإن النقاش حول “التهركاويت” هو في العمق نقاش حول معنى التمدن في المغرب: هل يتعلق الأمر بسلوك الأفراد فقط، أم ببناء مدينة قادرة على إدماج جميع سكانها في ثقافة المواطنة والفضاء العام؟ وهو سؤال سوسيولوجي وعمراني يتجاوز بكثير المعنى الكوميدي الذي انطلق منه حسن الفد . فالمدن الهجينة في عمقها هي مدن تتعايش داخلها أنماط اجتماعية وثقافية وعمرانية مختلفة، فلا هي مدن تقليدية بالكامل ولا مدن حديثة بالكامل. وهي ظاهرة بارزة في المغرب نتيجة التوسع الحضري السريع والهجرة القروية والتحولات الاقتصادية. وقد تشكلت المدن الهجينة في المغرب منذ ستينيات القرن الماضي بعدما شهد المغرب هجرة واسعة من القرى والجبال والواحات نحو المدن الكبرى بحثاً عن العمل والتعليم والخدمات. فوجدت المدن نفسها تستقبل أعداداً كبيرة من الوافدين الذين حملوا معهم أنماط عيش وقيم وعلاقات اجتماعية مختلفة. حيث نتج عن ذلك أحياء حديثة وعصرية بجوار أحياء شعبية. مع استمرار الروابط القبلية والعائلية داخل المجال الحضري وتداخل الثقافة القروية مع الثقافة الحضرية. إضافة إلى ظهور أنماط معمارية تجمع بين البناء التقليدي والحديث. وقد كان من أبرز المدن الهجينة بالمغرب الدارالبيضاء التي تعتبر المثال الأبرز، حيث تتجاور الأحياء المالية الحديثة مع أحياء شعبية نشأت بفعل الهجرة القروية.
ومدينة مراكش التي تجمع بين المدينة العتيقة والأحياء السياحية الحديثة والأحياء الشعبية الجديدة. و مدينة أكادير التي أعيد بناؤها بعد زلزال 1960 وفق تصور حديث، لكنها استقبلت موجات هجرة من سوس والمناطق المجاورة. و مدينة طنجة التي شهدت تحولات كبرى بفعل التصنيع والاستثمارات الدولية والهجرة الداخلية.ومدينة فاس التي تجمع بين المدينة التاريخية والأحياء الجديدة ذات الطابع العصري. وقد تمثلت مظاهر الهجانة الحضرية على المستوى الاقتصادي والتجاري في التعايش بين الأسواق التقليدية والمراكز التجارية الحديثة.و على المستوى الاجتماعي تمثلت في استمرار علاقات التضامن العائلي والقرابي مع النزوعات الفردية والاستقلالية داخل المدينة.. واستعمال الدارجة والأمازيغية والعربية الفصحى والفرنسية في المجال نفسه على المستوى اللغوي. بالإضافة إلى اختلاف أنماط اللباس والاستهلاك داخل نفس الحي الواحد. مما أدى إلى بروز أنماط سلوكية متناقضة بين قيم الحداثة وقيم المحافظة.
– السلوك السياسي داخل المدن الهجينة بالمغرب
يتميز السلوك السياسي في المدن الهجينة بقدر كبير من التعقيد، لأن هذه المدن تجمع بين فئات اجتماعية وثقافية مختلفة: سكان أصليون، ومهاجرون من مناطق قروية، وطبقات وسطى حديثة، وفئات شعبية تعيش أوضاعاً اقتصادية متفاوتة. لذلك لا يخضع التصويت أو المشاركة السياسية لمنطق واحد. فخصائص السلوك السياسي في المدن الهجينة يتمثل في تداخل الولاءات التقليدية والحديثة بينما تستمر الروابط العائلية والجهوية والقبلية في التأثير على فئات وشرائح من الناخبين.وفي الوقت نفسه تظهر اعتبارات حديثة مرتبطة بالبرامج الانتخابية والخدمات العمومية وفرص الشغل. أما على مستوى المشاركة السياسية ، فهناك تفاوت بين ساكنة الأحياء الوسطى والعليا التي تميل إلى الاهتمام بقضايا الحكامة والنقل والبيئة وجودة الخدمات، وبين ساكنة الأحياء الشعبية التي غالباً ما تعطي أهمية أكبر لقضايا التشغيل والسكن والدعم الاجتماعي.
ولعل التنوع الاجتماعي والتفاوتات الاقتصادية قد يجعلان بعض الفئات أكثر استجابة للخطابات المبسطة أو الوعود السريعة. لكن هذا لا يعني غياب السلوك العقلاني، إذ يمكن للناخبين تغيير اختياراتهم بسرعة إذا لم تتحقق الوعود. كما تتميز المدن الهجينة بضعف الاستقرار الانتخابي ، حيث يكون الناخب أقل ارتباطاً بحزب معين مقارنة ببعض المناطق ذات البنيات الاجتماعية الأكثر تجانساً. لذلك تشهد المدن الكبرى تقلبات انتخابية أكبر بين استحقاق النتخابي وآخر. ففي مدن مثل الدارالبيضاء وطنجة ومراكش … يلاحظ الباحثون أن السلوك السياسي يتأثر بعوامل متعددة:ا منها لانتماء الاجتماعي، والمستوى التعليمي، والهجرة الداخلية، والانخراط في الاقتصاد غير المهيكل..لهذا يصعب تفسير نتائج الانتخابات في هذه المدن بعامل واحد فقط، بخلاف بعض المناطق الصغيرة أو المتجانسة اجتماعياً. كما أنه رغم أن المدن الهجينة تُعد أكثر انفتاحاً وتنوعاً، فإنها قد تشهد في الوقت نفسه ارتفاع نسب العزوف الانتخابي، وانتشار الاحتجاجات المطلبية مع تنامي الخطابات الشعبوية. ومن ثم فإن السلوك السياسي في المدن الهجينة هو سلوك انتقالي ومركب؛ فهو لا يخضع بالكامل للمنطق التقليدي القائم على الأعيان والروابط المحلية، ولا للمنطق الحداثي القائم حصراً على البرامج والأيديولوجيات، بل يجمع بين الاثنين بدرجات متفاوتة حسب المدينة والفئة الاجتماعية.
-السلوك الشعبوي داخل المدن الهجينة
توجد علاقة بين الشعبوية والمدن الهجينة، لكن العلاقة ليست آلية أو حتمية. فالشعبوية لا تنتج عن الهجانة الحضرية في حد ذاتها، وإنما عن بعض الظروف الاجتماعية والسياسية التي قد تكون أكثر حضوراً في هذه المدن.لذا تمثل المدن الهجينة بيئة ملائمة للخطاب الشعبوي نظرا للتفاوتات الاجتماعية الحادة في المدينة الهجينة حيث قد يتجاور الثراء الكبير والفقر الكبير داخل المجال نفسه. هذا التفاوت يولد شعوراً بالغبن والإقصاء يمكن أن تستثمره الخطابات الشعبوية. فالوافدون الجدد إلى المدينة قد يشعرون بأنهم خارج شبكات النفوذ والفرص. لذلك قد ينجذب بعضهم إلى الخطابات التي تهاجم “النخب” أو “المستفيدين”.وبخلاف الروابط العائلية والقبلية التي تكون أكثر تماسكاً في اقرى والبوادي وحتى في المدن اصغرى ، تضعف هذه الروابط في المدن الهجينة دون أن تعوضها دائماً مؤسسات مدنية قوية، مما يترك فراغاً يمكن أن تملأه التعبئة الشعبوية…ففي مدن مثل الدارالبيضاء وأكادير وطنجة… ، يمكن ملاحظة أن بعض الخطابات السياسية تعتمد على التنديد بالنخب المستفيدة ، وإبراز القرب من “الشعب”، و تبسيط المشكلات المعقدة ، والتركيز على قضايا المعيشة اليومية. وهذه كلها عناصر ترتبط عادة بالشعبوية والخطاب الشعبوي.
وبالتالي ، يمكن القول إن المدن الهجينة توفر أحياناً ظروفاً مواتية لانتشار الشعبوية بسبب التفاوتات الاجتماعية وضعف الاندماج والشعور بالإقصاء، لكنها ليست سبباً مباشراً للشعبوية. فالمسألة تتوقف على أداء المؤسسات، وجودة الخدمات العمومية، ومستوى الثقة السياسية، وقدرة الفاعلين السياسيين على تحويل مطالب السكان إلى برامج واقعية بدل الاكتفاء بالشعارات. لذا يمكن القول يمكن القول بأن الشعبوية هي شكل من أشكال التهاركويت على الصعيد السياسي. إذ يمكن استعمال هذا التشبيه على سبيل المجاز أو النقد السياسي، لكن ليس بوصفه مفهوماً علمياً دقيقاً.فإذا أخذنا “التهاركويت” بالمعنى المتداول شعبياً، أي الميل إلى السلوك الاستعراضي أو الصاخب أو غير المنضبط بقواعد المجال العام، فإن بعض منتقدي الشعبوية يرون أن الشعبويين يمارسون نوعاً من “التهاركويت السياسي” عندما: يفضلون الإثارة على النقاش المتزن.و يطرحون حلولاً بسيطة لمشكلات معقدة.و يعتمدون على الشعارات أكثر من البرامج المفصلة.و يسعون إلى كسب الانتباه الإعلامي والجماهيري باستمرار.و يقسمون المجتمع إلى “شعب نقي” و”نخب فاسدة” بصورة مبسطة.
وهكذا قد تساهم المدينة الهجينة في إنتاج الزعيم الشعبوي نظرا لتركيبتها الاجتماعية المتناقضة حيث تجمع بين الوافدين الجدد من القرى و الطبقات الشعبية الحضرية، و الطبقات الوسطى الصاعدة، و النخب الاقتصادية والثقافية…وهذا التنوع يخلق مطالب متناقضة وأحياناً إحساساً عاماً بعدم الرضا. وبالتالي ، تظهر شخصيات قادرة على تقديم نفسها باعتبارها:صوت “الناس العاديين”.و المدافع عن المهمشين.و المعارض للنخب السياسية أو الاقتصادية. وكلما اتسعت الفجوة بين تطلعات السكان وواقعهم، ازدادت جاذبية هذا النوع من الخطاب.في المدن الكبرى مثل الدارالبيضاء وطنجة ومراكش …، يمكن ملاحظة أن الخطابات السياسية الأكثر انتشاراً ليست دائماً تلك التي تقدم برامج تقنية معقدة، بل غالباً تلك التي تستعمل لغة بسيطة، و تخاطب المشاعر اليومية، و تركز على الغلاء والبطالة والسكن والخدمات.و تنتقد “النخب” أو “أصحاب الامتيازات”. حيث يمكن القول إن المدن الهجينة ساهمت في توفير البيئة الاجتماعية والسياسية التي سمحت بصعود قيادات شعبوية مثل عبد الالاه بن كيران وحميد شباط وإلياس العمري …
فقد ارتبط صعود بن كيران أساساً بالأحياء الشعبية والطبقات الوسطى في مدن كبرى مثل الدارالبيضاء وسلا … حيث استفاد من وجود فئات اجتماعية تشعر بالتهميش، وتوسع الطبقات الوسطى المحافظة، وانتشار خطاب قريب من اللغة اليومية للمواطنين. بالاضافة إلى ضعف الثقة في الأحزاب التقليدية وقياداتها. لذلك اعتبره كثير من الباحثين نموذجاً “للزعيم” القادر على مخاطبة “الشارع الحضري الشعبي”. كما يعد صعود شباط في مدينة فاس مثالاً واضحاً على تفاعل الشعبوية مع المدينة الهجينة. ففاس تجمع بين المدينة العتيقة و أحياء شعبية واسعة، و موجات هجرة من العالم القروي. وقد بنى حميد شباط ،بعدما أصبح أمينا عاما لأعرق حزب سياسي حضري بالمملكة ،جزءاً مهماً من نفوذه على الخطاب المباشر والقرب من الفئات الشعبية والنقابية. أما إلياس العماري فقد ارتبط أكثر بخطاب التحديث والجهوية والتنمية، لكنه استفاد أيضاً من التحولات التي عرفتها مدن الشمال، خصوصاً مدينة طنجة، حيث أدى النمو الاقتصادي والهجرة الداخلية إلى ظهور فئات اجتماعية جديدة تبحث عن تمثيل سياسي مختلف.
وبالتالي ، فهذه المدن الهجينة وإن كانت لم تنتج هؤلاء الزعماء الشعبويون ، إلا انها وفرت جمهوراً واسعاً ومتنوعاً، وأضعفت بعض الولاءات التقليدية القديمة، و خلقت مطالب اجتماعية جديدة، و سمحت بانتشار الخطاب المباشر عبر الإعلام والتجمعات الشعبية. وهذه كلها عوامل تساعد على بروز شخصيات ذات نزعة شعبوية أو ذات قدرة عالية على مخاطبة الجمهور الواسع. فمن منظور سوسيولوجي، يمكن اعتبار صعود بن كيران وشباط، وبدرجة أقل العماري، جزءاً من التحولات التي عرفتها المدن المغربية الكبرى والهجينة. فهذه المدن لم تصنعهم وحدها، لكنها وفرت المجال الاجتماعي والتربة السياسية المناسبة للخطاب الشعبوي وتحرك القيادات الشعبوية . لذلك يمكن القول أن “الشعبوية هي تهاركويت على الصعيد السياسي” في السياق السياسي المغربي، نظرا لأن بعض الخطابات الشعبوية قد تتخذ أحياناً طابعاً استعراضياً أو انفعالياً يشبه ما يسميه البعض “التهاركويت”.فمن وجهة نظر بعض منتقدي عبد الاه بن كيران وحميد شباط ، فإن اللجوء إلى مصطلحات التماسيح والعفاريت والحمير … هي لغة تنتمي إلى ما يسمى أحياناً “شعبنة الخطاب السياسي”، أي الانتقال من اللغة الرسمية والتقنية إلى لغة أقرب إلى التداول الشعبي. ومن هذا المنظور ، قد يصف البعض هذه الممارسات بأنها شكل من أشكال “التهاركويت السياسي”، أي الميل إلى الإثارة والاستعراض في المجال السياسي. إذ يمكن القول أن هناك تشابهاً شكلياً بين السجال الحاد بين بعض سائقي السيارات أو رواد الفضاء العمومي، وبعض أشكال الخطاب السياسي الشعبوي. فكلاهما قد يعتمد على الاختزال ، و الشخصنة، و السخرية و الانفعال، و اللجوء الى العبارات السهلة التداول. وإن كان السجال اليومي في الشارع غالباً ما يكون عفوياً وفورياً، بينما الخطاب السياسي يصدر عن فاعل يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية محددة كتعبئة الأنصار، وإضعاف الخصوم، أو بناء صورة معينة عن نفسه.
لذلك قد يرى بعض الباحثين أن السياسي الشعبوي لا يكرر لغة الشارع حرفياً، بل يعيد توظيف بعض خصائصها داخل المجال السياسي ليبدو أقرب إلى “الناس العاديين”. في حين يعتبر آخرون أن استعمال نعوت مثل “الحمير” أو غيرها من الأوصاف الحادة قد يساهم في شخصنة الصراع السياسي وخفض مستوى النقاش العمومي، ويجعل السجال السياسي أقرب إلى المناكفات اليومية منه إلى النقاش البرامجي والمؤسساتي. لكن عموما ، يمكن القول أن هناك تشابهاً في الأسلوب التواصلي بين بعض أشكال الخطاب الشعبوي وبعض أنماط التلاسن اليومية في المدن الهجينة، لكن الاختلاف يبقى كبيراً في السياق والوظيفة والأهداف السياسية. فالمدن الهجينة بالمغرب يمكن أن تساهم في إنتاج بعض مظاهر “التهركاويت” الاجتماعية والسياسية بسبب التفاوتات والتحولات السريعة وضعف الاندماج أحياناً، لكنها في الوقت نفسه قد تنتج قيماً وممارسات حضرية حديثة ومجالات جديدة للمواطنة والتنظيم المدني. أي أن الهجانة الحضرية لا تقود في اتجاه واحد؛ فهي قد تولد التوتر والفوضى أحياناً، كما قد تولد الإبداع والتجديد والتحديث في الوقت نفسه.






تعليقات الزوار ( 0 )