أخبار ساعة

19:48 - فتح استثنائي للحدود المغربية الجزائرية لتسلم 24 موقوفا وجثمان مواطن مغربي19:08 - المحكمة تدين فاروق المهداوي بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ على خلفية قضية مرتبطة بعمليات الهدم بالرباط18:43 - “CDT” تتهم الحكومة بـ”التدخل” وتنتقد تعطيل المجلس الإداري لـ “CNSS”18:22 - “مطارات المغرب” تودع البطاقات الورقية وتتيح السفر بـ “رمز الاستجابة السريعة”18:07 - الأنثروبولوجي خالد مونة: الطريق الرابع محاولة لإعادة الحيوية إلى المشهد السياسي17:56 - أزمة رخص السياقة بقلعة السراغنة تستنفر “نارسا” للتدخل العاجل17:16 - اللحية وإطالة الشعر بالمغرب بين التمظهر الاجتماعي والتوظيف السياسي17:15 - وسيط المملكة يسجل ارتفاع التظلمات ويحذر من ضعف تجاوب الجماعات الترابية17:00 - التمر المغربي يحقق اختراقا تاريخيا في السوق الألمانية بصادرات قياسية تعزز مكانة “المجهول” بين أفخم الأصناف العالمية16:15 - ترامب يربط الاتفاق النووي مع السعودية بالتطبيع مع إسرائيل ويتوعد إيران والحوثيين بـ”عقاب عسكري شديد”
الرئيسية » الرئيسية » اللحية وإطالة الشعر بالمغرب بين التمظهر الاجتماعي والتوظيف السياسي

اللحية وإطالة الشعر بالمغرب بين التمظهر الاجتماعي والتوظيف السياسي

إن اللحية في المغرب ليست مجرد شعر على الوجه، بل هي علامة اجتماعية تتغير دلالاتها باختلاف الزمن، والوسط الاجتماعي، والانتماء المهني، والمرجعية الدينية والسياسية. ولذلك فإن الباحث في المجال الاجتماعي أو المجال السياسي لا يسأل: “هل الرجل ملتحٍ أم لا؟”، بل يسأل: “ماذا تعني اللحية في هذا السياق الاجتماعي أو السياسي؟” بعدما سبق أن تساءل عن إطالة الشعر لدى فئات من الشباب المغربي خلال عقدي ستينيات وسبعينيات القرن 20 بالمغرب.

1. اللحية في المغرب بين المكانة الاجتماعية والوظيفة المهنية

كانت اللحية مرتبطة في المجتمع المغربي التقليدي، بالعلماء والفقهاء و القضاة. وشيوخ الزوايا و الأعيان. حيث كانت تدل على:الوقاروالنضج. و الحكمة. والمكانة الاجتماعية. ولهذا كان حلق اللحية كاملاً نادرًا بين كبار رجال الدولة قبل القرن العشرين. كما كان للمهنة أثر واضح في شكل اللحية: فالفقيه غالبًا يتركها كاملة.و التاجر يهذبها بعناية. و العسكري في بعض الفترات يقصرها أو يحلقها انسجامًا مع اللوائح العسكرية.و الحرفيون والعمال اتسمت ممارساتهم بتنوع أكبر تبعًا للبيئة المحلية. فاللحية كانت تؤدي وظيفة التعريف بالموقع الاجتماعي. ومع الحماية الفرنسية، تغيرت دلالة اللحية تدريجيًا.فأصبحت النخب المتعلمة والإدارية تميل إلى حلق اللحية. و الإبقاء على الشارب فقط. بينما احتفظ العلماء والزوايا باللحية بوصفها رمزًا للعلم والدين. وهكذا أصبح المظهر نفسه يعبر عن نمطين مختلفين للحداثة والتقليد. في حين بعد الاستقلال، اتسعت دلالات اللحية، وأصبحت تعبر عن انتماءات متعددة: التدين التقليدي.أو الانتماء إلى بعض الطرق الصوفية.أو الالتزام السلفي.

أو الانتماء إلى بعض الحركات الإسلامية. أو مجرد ذوق شخصي لا يحمل أي دلالة أيديولوجية.لذلك لم يعد من الممكن تفسير اللحية بمعنى واحد. فمنذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ومع صعود التيارات و الحركات الإسلامية، أصبحت اللحية عند بعض الناس تُقرأ بوصفها علامة على الالتزام الإسلامي أو الانتماء إلى تيار معين، رغم أن هذا الربط ليس دقيقًا دائمًا. وفي المقابل، ظل كثير من العلماء التقليديين في المغرب يحتفظون بلحاهم دون ارتباط بأي تنظيم سياسي. ففي المخيال الشعبي المغربي، ما تزال اللحية ترتبط لدى شريحة واسعة بمعاني: الرجولة و النضج ، و الهيبة و تحمل المسؤولية.لكن في المقابل، أصبح الوجه الحليق أيضًا يمثل، لدى شرائح أخرى، الأناقة والاحترافية والاندماج في أنماط الحياة الحضرية الحديثة. وتشير دراسات أوسع حول المظهر والهوية إلى أن اللحية تُستخدم في مجتمعات كثيرة للتعبير عن الهوية والرجولة، وأن دلالتها تتغير تبعًا للسياق الثقافي والاجتماعي. وبالتالي ، فمن منظور سوسيولوجي، تعمل اللحية في المغرب بوصفها علامة بصرية (marqueur social)،) أي أنها قد تدفع الآخرين إلى تكوين انطباعات أولية عن الشخص، سواء كانت هذه الانطباعات دقيقة أم لا. وقد يربطها البعض بالتدين، أو المحافظة، أو السن، أو المكانة الاجتماعية، أو حتى الانتماء السياسي، بحسب السياق.ولهذا فإن اللحية لا تحمل معنى ثابتًا، بل تُكتسب دلالتها من البيئة التي يظهر فيها صاحبها.وبالتالي ، فيمكن القول إن اللحية في المغرب انتقلت من كونها رمزًا شبه موحد للوقار والسلطة الدينية والاجتماعية في المجتمع التقليدي، إلى رمز متعدد المعاني في المجتمع المعاصر. فهي اليوم قد تدل على التدين، أو الهوية الثقافية، أو الموضة، أو مجرد تفضيل شخصي، بحسب الشخص والسياق.فمن منظور علم الاجتماع، فإن أهم ما يميز اللحية في المغرب ليس شكلها، بل الحمولة الرمزية التي يسقطها المجتمع عليها؛ فالمظهر الخارجي يتحول إلى لغة اجتماعية يقرأ الناس من خلالها هوية الأفراد ومواقعهم، حتى وإن كانت تلك القراءة لا تعكس حقيقة الشخص دائمًا.

2-إطالة الشعر كمظهر من مظاهر التمرد أو التميز بالمغرب

لم يكن إطالة الشعر في المغرب التقليدي ظاهرة اجتماعية عامة، وإنما ارتبطت في بعض الأحيان بفئات معينة أو بظروف خاصة. كما أن المصادر المغربية اهتمت أكثر باللباس والعمائم واللحى منها بتسريحات الشعر، لذلك تبقى المعلومات متفرقة. ففي بعض الطرق الصوفية والأوساط الزهدية، كان بعض الأفراد يتركون شعرهم يطول لفترات معينة، خاصة أثناء: الخلوة.والسياحة في الأرض.أو الزهد في مظاهر التزين. فإطالة الشعر في المغرب الوسيط لم تكن ظاهرة اجتماعية واسعة، وإنما ظهرت لدى بعض الفئات الخاصة، مثل بعض المجاذيب، وبعض المتصوفة في ظروف معينة، وربما بعض رجال القبائل وفق الأعراف المحلية. أما النموذج السائد لدى العلماء، والقضاة، وموظفي الدولة، وسلاطين المغرب، فكان يقوم على شعر معتدل الطول، مغطى غالبًا بالعمامة، مع عناية أكبر باللحية باعتبارها أهم عناصر الهيئة الرجالية في ذلك العصر. لذا فإن الشعر الطويل في المغرب الوسيط لم يكن يحمل الدلالة الاحتجاجية أو الثقافية التي اكتسبها في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بل كانت دلالاته مرتبطة بالسياق الديني أو المحلي أو الشخصي. فعلى الرغم من أنه لا توجد في تعاليم الطريقة الهداوية أو في أدبياتها قاعدة تلزم الأتباع بإطالة الشعر، ومع ذلك، لاحظ بعض الباحثين في الإثنوغرافيا المغربية أن بعض أفراد هذه الجماعات، وخاصة المتجولين منهم أو المشاركين في المواسم والاحتفالات، كانوا يظهرون أحيانًا بشعر طويل أو غير مقصوص لفترات. ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، منها: الزهد في المظهر عند بعض الأفراد، بحيث لا يُعطى اهتمام كبير لتصفيف الشعر.وكذا عكس لهوية جماعية؛ فالشعر الطويل قد يصبح علامة تميز جماعة عن غيرها، إلى جانب اللباس والآلات الموسيقية وطريقة الأداء.لكن لا ينبغي اعتبار الشعر الطويل سمة ملازمة لكل “الهداوة”.

فقد كان كثير منهم يقصون شعرهم بصورة عادية، بينما كان آخرون يطيلونه. كما كان بعض المجاذيب يظهرون بشعر طويل ،أو شعر غير ممشط ، أو لحية غير مهذبة. لكن المجتمع لم يكن يعتبر ذلك نموذجًا يُقتدى به، بل كان يُفسَّر باعتباره نتيجة لحالتهم الروحية أو خروجهم عن الحياة الاجتماعية العادية. كما أن بعض المتصوفة الذين عُرفوا باسم الملامتية كانوا يتعمدون أحيانًا مخالفة بعض الأعراف الاجتماعية لتجنب الشهرة، إلا أن هذا السلوك لم يكن سائدًا في المغرب. لكن هذا لم يكن قاعدة عامة عند المتصوفة المغاربة، بل كانت الغالبية تحرص على النظافة وتهذيب الشعر اقتداءً بالسنة النبوية.كما تذكر بعض الروايات التي كتبها رحالة ومؤرخون أن بعض رجال القبائل كانوا يتركون شعرهم أطول من المعتاد أو يضفرونه، خصوصًا في المناطق الجبلية أو الصحراوية. غير أن هذا لم يكن سمة عامة لكل القبائل، كما أن الشعر كان غالبًا يُغطى بالعمامة أو اللثام، مما يقلل من أهميته بوصفه علامة ظاهرة. وبالتالي ، فظاهرة إطالة الشعر لم تكن منتشرة داخل المجتمع المغربي وذلك لعدة أسباب من بينها :

*العوامل المناخية: في كثير من مناطق المغرب كان الشعر القصير أو المتوسط أكثر ملاءمة.

*الوضوء والطهارة: حيث كانت العناية بالنظافة الشخصية عنصرًا مهمًا في الثقافة الإسلامية.

* العمامة والغطاء: حيث كان الرجال غالبًا يغطون رؤوسهم، فلم يكن طول الشعر عنصرًا بارزًا في الهوية الاجتماعية.

من يمكن إرجاع الشعر الطويل لدى بعض جماعات المتصوفة الشعبية بوصفه وسيلة لبناء هوية مميزة. فكما تميزت بعض الزوايا بلباس معين أو عصا أو سبحة أو طريقة إنشاد، قد يصبح الشعر الطويل عند بعض الأفراد جزءًا من “العلامات” التي تجعلهم معروفين في المجال العمومي.إلا أن هذه العلامة لم تكن تحمل معنى التمرد السياسي أو الثقافي كما حدث مع الشعر الطويل لدى شباب الستينيات والسبعينيات المتأثرين بظاهرة الهيبزم التي انتشرت بين الشباب المغربي خلال هذه الفترة خاصة في مدن مثل:طنجة بوابة المغرب على أوربا ومراكش. و الصويرة.و شفشاون بدرجة أقل. وقد جاء آلاف الشباب الأوروبيين والأمريكيين إلى المغرب بحثًا عن أسلوب حياة بديل، متأثرين بثقافة الهيبيز التي دعت إلى رفض الاستهلاك المفرط، ومعارضة الحروب، والبحث عن الحرية الفردية. وهكذا كان الشعر الطويل وسيلة للتعبير عن الهوية أكثر منه مجرد اختيار جمالي.

فهو كان يرمز إلى:رفض السلطة التقليدية ، و الاعتراض على القيم المحافظة.و رفض الانضباط العسكري والإداري. و التقرب من ثقافة الموسيقى والفنون.و إبراز الفردانية والاختلاف. أي أن الشعر تحول إلى لغة اجتماعية تعلن أن صاحبها لا يريد الاندماج الكامل في النمط السائد. وبالتالي فداخل المجتمع المغربي آنذاك، كان الشاب صاحب الشعر الطويل يثير الانتباه، لأن الصورة السائدة للرجل كانت تقوم على:شعر قصير.و مظهر مرتب.و احترام الأعراف المحلية.ولهذا ارتبط الشعر الطويل في نظر كثيرين بـ:التأثر بالغرب.و التمرد.أو “الخروج عن المألوف”.ولهذا كان الشباب يتعرضون لتعليقات اجتماعية أو حتى لمضايقات بسبب مظهرهم، خصوصًا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ونظرا لأن تلك الفترة التي كانت تعرف بـ”سنوات الرصاص”، وشهدت تشديدًا أمنيًا ومراقبة للحركات الطلابية خوفًا من انتشار الأفكار اليسارية والثورية، فقد أصبح المظهر الخارجي في بعض الأحيان أحد المؤشرات التي تسترعي انتباه الأجهزة الأمنية، وإن لم يكن دليلًا قانونيًا على الانتماء السياسي. مما جعل أجهزة السلطة في المغرب خلال أواخر الستينيات وسبعينيات القرن العشرين تتعامل أحيانًا مع ظاهرة إطالة الشعر لدى الشباب بوصفها مظهرًا غير مرغوب فيه، بل وفي بعض الحالات بوصفها مؤشرًا على التمرد أو التأثر بثقافات أجنبية. وعلى الرغم من أن ذلك لم يعكس سياسة رسمية معلنة ، مادام أنه لا توجد نصوص قانونية أو ظهائر أو دوريات حكومية معروفة تجرم إطالة الشعر أو تمنعها بصفة عامة، فهناك عددًا من الشهادات والكتابات الصحفية والذاكرة الشفوية تتحدث عن ممارسات قامت بها بعض أجهزة الأمن أو السلطات المحلية. إذ تتحدث شهادات متواترة عن استدعاء بعض الشباب إلى مخافر الشرطة بسبب مظهرهم.

مطالبتهم بقص شعرهم.وفي بعض الحالات، قص الشعر داخل مخافر الشرطة أو أثناء حملات مراقبة، دون أن يكون ذلك مستندًا إلى نص قانوني عام.وقد تفاوتت هذه الممارسات بحسب المدينة، والظرف السياسي، وتقدير المسؤولين المحليين. ولم يقتصر الضغط على أجهزة السلطة، فقد مارست بعض إدارات المدارس، و بعض المؤسسات الداخلية، والأسر نفسها ضغوطًا على الشباب من أجل قص الشعر، باعتباره رمزًا للانضباط واحترام الأعراف. وهكذا ، فقد كانت إطالة الشعر في المغرب خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين فعلًا رمزيًا يحمل، في كثير من الأحيان، معنى التميز أو التمرد على الأعراف السائدة، سواء بتأثير ثقافة الهيبيز أو الثقافة الفنية العالمية. أما اليوم، فقد فقدت جانبًا كبيرًا من هذه الحمولة الرمزية، وأصبحت غالبًا تعبيرًا عن الذوق الشخصي أو الانتماء إلى أنماط جمالية وثقافية متنوعة، أكثر منها موقفًا احتجاجيًا أو سياسيًا.ولم تعد تُقرأ تلقائيًا باعتبارها تمردًا سياسيًا أو اجتماعيًا، لأن المجتمع المغربي أصبح أكثر تنوعًا في أنماط المظهر، كما أسهمت العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي في جعل تسريحات الشعر جزءًا من الموضة العالمية أكثر من كونها إعلانًا عن موقف أيديولوجي.

3-اللحية بين الانتماء السياسي والنضال الحركي

شهدت اللحية في المغرب تحولات عميقة وتغيرات دلالية كبرى عبر التاريخ، حيث انتقلت من سياق الوقار المجتمعي المرتبط بالسن والوجاهة، إلى تعبير أيديولوجي وصراع سياسي، وصولًا إلى قوالب الموضة والجمالية المعاصرة. فمع دخول الحماية الفرنسية، دخلت ثقافة “الحلاقة العصرية” ونظافة الوجه كمعيار للتحضر والإدارة الحديثة. واصبح حلق اللحى كرمز للوظيفة العمومية بعدما سار المغرب بعد الاستقلال في طريق “عصرنة” أجهزة الدولة . حيث أصبحت القوانين الداخلية للجيش، والشرطة، وسلك القضاء، والوظائف الدبلوماسية تفرض (أو تحبذ بشدة) حلق اللحية بالكامل كجزء من الهندام الرسمي والحياد الإداري. كما ارتبط الوجه المحلوق في هذه المرحلة بـ”المثقف” أو “رجل الدولة” العصري. لكن في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن تحولت اللحية في هذه الفترة من مظهر بيولوجي إلى “هوية بصرية سياسية” حادة انقسمت فيها إلى تيارين:

-اللحية الماركسية اليسارية: التي تبناها الطلاب والمثقفون الراديكاليون في الجامعات المغربية تيمّنًا برموز الثورة العالمية (مثل تشي جيفارا وكارل ماركس). حيث كانت “اللحية الكثيفة المشعثة” تعبيرًا عن التمرد على النظام القائم وضد البرجوازية السائدة. فبسبب التأثر برموز الماركسية والثورة العالمية ، كان كثير من الشباب اليساري يتابعون صور وكتابات شخصيات مثل Karl Marx، Friedrich Engels، Che Guevara، و Fidel Castro. وكانت لحى بعض هؤلاء القادة جزءًا من صورتهم الثورية، مما جعلها رمزًا للتمرد لدى بعض الشباب. كما شكلت اللحية للكثير من اليساريين رمزا ثقافيا أكثر منها أيديولوجيًا: فبالنسبة لهؤلاء ، لم تكن اللحية واجبًا فكريًا أو عقائديًا، بل كانت أحيانًا تعبيرًا عن رفض الأنماط البرجوازية المحافظة أو عن الانتماء إلى ثقافة الاحتجاج العالمية التي ميزت ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وهكذا كان بعض اليساريين يجمعون بين اللحية، وإطالة الشعر، وارتداء الجينز أو الملابس العسكرية، متأثرين بالثقافة الطلابية العالمية وحركات الاحتجاج، وليس فقط بالماركسية. كما ظل كثير من قادة وأطر اليسار المغربي حليقي الذقن ومحافظين على مظهر تقليدي. لذلك لا يمكن اعتبار اللحية علامة مميزة لليسار المغربي كما أصبحت لدى بعض التيارات الإسلامية.

-اللحية الإسلامية الحركية: فمع صعود تيار الإسلام السياسي (الشبيبة الإسلامية ثم الجماعات الدعوية والسياسية)، أصبحت اللحية الكثيفة مع الشارب المحفوف صك انتماء سياسي وديني واضح. حيث أثارت هذه اللحية لسنوات طويلة ريبة الأجهزة الأمنية والمجتمع، واعتُبرت إعلانًا صريحًا عن تبني فكر مناهض للتوجه الرسمي للدولةالتأثير الوهابي ثم فكر جماعة الإخوان المسلمين ساهما بدرجات متفاوتة في انتشار أنماط معينة من إطلاق اللحية في المغرب، لكن هذا التأثير لم يكن وحيدًا، بل تداخل مع عوامل دينية واجتماعية وسياسية وإعلامية. فبعدما كانت اللحية في المغرب مرتبطة أساسًا بفئات تقليدية، مثل العلماء والفقهاء ،و شيوخ الزوايا والمتصوفة وبعض كبار السن في البوادي.

انتشرت صورة جديدة للحية بالمدن المغربية نتيجة تأثير انتشار الفكر الوهابي بالمغرب الذي ازداد بسبب المنح الدراسية إلى المملكة العربية السعودية ، و عودة المدرسين والأئمة والطلبة ، وانتشار الكتب والأشرطة السلفية ، و عمل عدد من المغاربة في الخليج. إذ اصبح العديد من الشباب يطلقون لحاهم ها بكثافة ، ويحلقون الشارب أو تقصيره بشكل واضح، اعتبارا منهم بأن ذلك علامة ظاهرة على الالتزام بالسنة. وبالتالي أصبحت اللحية، خاصة عند التيار السلفي، جزءًا من الهوية الدينية المعلنة.أما تأثير الإخوان المسلمين فقد كان مختلفا .فالإخوان لم يجعلوا اللحية شرطًا للانتماء، لكنهم شجعوا عليها باعتبارها سنة نبوية، لذلك انتشر بين المنتمين إليهم نمط آخر يتميز غالبًا بـ: لحية أقصر وأكثر تهذيبًا.و عدم التشديد على حلق الشارب. والاهتمام بالمظهر العصري مع الاحتفاظ باللحية.ولهذا كان كثير من كوادر الحركات الإسلامية المغربية، خاصة المنتمين إلى التيار الإصلاحي، يفضلون اللحية المهذبة بدل اللحية الطويلة جدًا. وكان لانتشار هذا الفكر الاصولي بتلويناته السلفية أو الاخوانية أو الصوفية تأثير على المجتمع المغربي. فمنذ الثمانينيات أصبحت اللحية تحمل دلالات جديدة، فلم تعد مجرد سنة أو عادة، بل أصبحت أحيانًا تشير إلى الانتماء الفكري.

فكان المراقب يستطيع – بدرجة تقريبية لا قطعية – أن يميز بين: اللحية السلفية، و اللحية الإخوانية، و لحية العلماء التقليديين ،و لحية المتصوفة. لكن مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة (2011-2021) في شخص عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني أو ما سبق أن سمها وزير الأوقاف السابق المدغري الحكومة الملتحية، حدث تصالح بصري لافت للمغاربة مع اللحية وتم التطبيع مع مظهرها . حيث انتقلت اللحية من ردهات المعارضة والسرية إلى صالونات القصور الملكية والمحافل الدولية، مما نزع عنها طابع “المظهر المهدد للاستقرار” لدى فئات واسعة من المواطنين.حيث فقدت اللحية في المغرب المعاصر جزءًا كبيرًا من شحنتها السياسية أو الدينية الصارمة. وتحولت إلى موضة تجميلية بعدما بات الشباب المغاربة يطلقون لحاهم (بأشكالها المهذبة .مما أدى إلى انتعاش صالونات الحلاقة الرجالية المتخصصة في العناية باللحية وتصفيفها كعلامة على الأناقة والرجولة العصرية.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

فتح استثنائي للحدود المغربية الجزائرية لتسلم 24 موقوفا وجثمان مواطن مغربي

23 يوليو 2026 - 7:48 م

شهدت النقطة الحدودية “زوج بغال” (وجدة – مغنية)، أمس الأربعاء، فتحا استثنائيا للحدود البرية بين المغرب والجزائر، جرت خلاله عملية تسليم واستلام دفعة جديدة من الشباب المغاربة الذين كانوا موقوفين لدى السلطات الجزائرية.

المحكمة تدين فاروق المهداوي بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ على خلفية قضية مرتبطة بعمليات الهدم بالرباط

23 يوليو 2026 - 7:08 م

قضت المحكمة الابتدائية بالرباط، الخميس، بإدانة المستشار الجماعي وعضو فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاروق المهداوي، بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ، إلى جانب غرامة مالية نافذة قدرها 10 آلاف درهم، مع إلزامه بأداء تعويض مدني لفائدة المشتكي بلغ 28 ألف درهم.

“CDT” تتهم الحكومة بـ”التدخل” وتنتقد تعطيل المجلس الإداري لـ “CNSS”

23 يوليو 2026 - 6:43 م

شهد اجتماع المجلس الإداري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، المنعقد بالدار البيضاء برئاسة وزيرة الاقتصاد والمالية، سجالا حادا عقب استئناف أشغاله التي ظلت معلقة منذ مطلع سنة 2024، إذ وجه ممثلو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) انتقادات شديدة لما وصفوه بـ”التدخل الحكومي” وتعطيل مؤسسات الحوكمة.

أزمة رخص السياقة بقلعة السراغنة تستنفر “نارسا” للتدخل العاجل

23 يوليو 2026 - 5:56 م

يعيش قطاع تعليم السياقة بإقليم قلعة السراغنة على وقع احتقان واختناق غير مسبوقين، جراء امتداد فترات انتظار اجتياز الامتحان النظري إلى أكثر من شهرين؛ وهو ما تسبب في شلل شبه تام للسير العادي للمؤسسات، وأثقل كاهل المترشحين، ولا سيما أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بأعباء مادية ونفسية إضافية، وسط مطالب ملحة للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بالتدخل الفوري لإعادة الانضباط لهذا المرفق الحيوي.

وسيط المملكة يسجل ارتفاع التظلمات ويحذر من ضعف تجاوب الجماعات الترابية

23 يوليو 2026 - 5:15 م

حذر وسيط المملكة، حسن طارق، من استمرار ضعف تجاوب عدد من الجماعات الترابية مع توصيات المؤسسة، معتبرا أنها ما تزال

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°