لا تزال ملامح ما يُسمّى بـ”قوة الاستقرار الدولية” المزمع نشرها في قطاع غزة غير واضحة المعالم، إذ يلفها قدر كبير من الغموض سواء على مستوى مرجعيتها القانونية أو طبيعة المهام الموكولة إليها. فباستثناء تصريحات متفرقة وتسريبات غير مكتملة، لا تتوفر إلى حدود الساعة صورة متكاملة حول هذه القوة التي يُرجح أن ترى النور مطلع العام المقبل، بقيادة ضابط أمريكي برتبة عقيد.
ويستند الحديث عن هذه القوة إلى قرار مجلس الأمن الصادر في 17 نوفمبر الماضي، والذي أوقف الحرب على غزة ضمن ما عُرف بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. غير أن القرار، رغم تفويضه “مجلس السلام” المرتقب بإدارة القطاع ومنحه صلاحية إنشاء قوة عسكرية، لم يحسم في مرجعية هذه القوة ولا في حدود صلاحياتها، وهو ما يشكل جوهر الإشكال القانوني والسياسي القائم اليوم.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن الولايات المتحدة تعمل على إعداد مشروع قرار دولي يمنح هذه القوة تفويضا أوضح، استجابة لإصرار الأمين العام للأمم المتحدة على ضرورة استناد أي وجود عسكري دولي في غزة إلى شرعية صريحة من مجلس الأمن.
غير أن غياب هذا التفويض حتى الآن يجعل من الصعب تحديد طبيعة الدول المشاركة، أو تقييم ما إذا كانت هذه القوة قادرة فعلاً على الاستجابة للاحتياجات الأمنية والإنسانية لسكان القطاع بعد حرب لم تتوقف تداعياتها عملياً.
وتتمحور الإشكالية الأساسية حول مسألتي المرجعية والمهام؛ إذ يحذّر خبراء في القانون الدولي من أن غياب تفويض أممي واضح قد يحوّل هذه القوة، من حيث الواقع العملي، إلى امتداد لقوات الاحتلال الإسرائيلي، خاصة إذا انخرطت في أجندة تستهدف نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وهو ما فشل فيه الاحتلال نفسه طوال سنوات. ويشير هؤلاء إلى أن السوابق الدولية حصرت دور القوات الدولية في الفصل بين أطراف النزاع أو مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وليس في الانحياز إلى طرف ضد آخر داخل أرض محتلة.
ويزداد هذا التخوف في حال جرى الالتفاف على مجلس الأمن، ومنح هذه القوة شرعيتها من “مجلس السلام” المزمع إنشاؤه، بما قد يفضي إلى فرض مفهوم أمني خاص لا يمت بصلة إلى مفهوم حفظ السلام المعتمد دولياً، ويجعل من هذه القوة سنداً وظيفياً للاحتلال بدل أن تكون أداة لتحقيق الاستقرار.
ويرى مختصون أن أي استخدام مشروع للقوة من قبل بعثة دولية في غزة يقتضي العمل وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو خيار لا يبدو مرغوباً فيه إسرائيلياً، لما قد يحمله من إمكانية توجيه هذه القوة ضد جيش الاحتلال في حال خرقه وقف إطلاق النار أو قيامه بعمليات عسكرية جديدة. ومن هنا، لا يُستبعد أن يتضمن المشروع الأمريكي المرتقب صيغاً للتعاون الأمني بين القوة الدولية والجيش الإسرائيلي، بما يفرغ قرار وقف الحرب من مضمونه، ويدخل القطاع في مرحلة أكثر تعقيدا.
في المقابل، قد يشكل الرفض العربي والإسلامي لأي صيغة تنتقص من الشرعية الدولية أو تمس بحقوق الفلسطينيين عاملاً كابحاً لهذا المسار، خاصة في ظل موقف فلسطيني موحد يطالب بضمانات دولية واضحة وأفق سياسي ينتهي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن نزع السلاح مرتبطاً بسياق الدولة والسيادة، لا بإملاءات أمنية مفروضة تحت الاحتلال.
وإذا كان الهدف المعلن من نشر قوة دولية في غزة هو الإشراف على انسحاب الاحتلال وضمان إعادة الإعمار وتأمين مساهمة دولية واسعة في ذلك، فإن نجاح هذا المسار يظل رهيناً باحترام المعايير الدولية للعدالة والإنصاف، وتجنب الشروط التي قد تنفّر دولاً عربية وإسلامية وازنة من المشاركة أو الدعم، مثل السعودية ومصر وقطر وتركيا، فضلاً عن أطراف أوروبية متحفظة على الانخراط في ترتيبات أمنية ملتبسة.
وعليه، تبدو الصعوبات المحيطة بإنشاء هذه القوة الدولية بمثابة اختبار حقيقي لخطة ترمب بشأن غزة، ولقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى أفق حل سياسي عادل، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية ويضمن للشعب الفلسطيني حقه في الكرامة والاستقلال.




تعليقات الزوار ( 0 )