في ضيعة فلاحية بمنطقة تافراطة بإقليم جرسيف، بالجهة الشرقية، حلّ طاقم جريدة “الشعاع” منذ الساعات الأولى من الصباح، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل تدريجيا بين صفوف أشجار الزيتون والحوامض وزراعة الفول الأخضر، معلنة بداية يوم فلاحي مختلف في تفاصيله وإيقاعه.
هنا، لم يكن المشهد تقليديا كما قد يتصور؛ الفلاح عبد الحميد اغنينو لم يكن يحمل معوله فقط، ولم يكتف بتفقد التربة بيديه أو برفع بصره نحو السماء انتظارا للأمطار، بل كان يقف وسط الحقل ممسكا بهاتفه الذكي، يتابع عبر تطبيق رقمي معطيات دقيقة حول رطوبة التربة، ودرجة الحرارة، وحاجيات كل شجرة من الماء.
بخطوات واثقة، تنقل بين الأشجار، يراقب المؤشرات الرقمية أكثر مما يراقب الغيوم، في مشهد يلخص تحولا عميقا تعرفه الفلاحة المغربية.

وعلى مقربة منه، امتدت أنابيب الري بالتنقيط بشكل منتظم، بينما تخفي التربة في عمقها مجسات صغيرة ترصد أدق التفاصيل، وترسل بياناتها بشكل لحظي، لتتحول إلى قرارات عملية تهم السقي والتسميد وتدبير الموارد.
في قلب هذه الضيعة الفلاحية التي تمتد على مساحة تسعة هكتارات، لم يكن التغيير مجرد إدخال أدوات جديدة، بل انتقالا تدريجيا من فلاحة قائمة على الحدس والتجربة، إلى فلاحة دقيقة تبنى على المعطيات والتحليل.
يقول عبد الحميد اغنينو في تصريح للجريدة إن “الهاتف أصبح مثل المحراث، لا يمكن الاستغناء عنه… يساعدني على الاقتصاد في الماء وتحسين الإنتاج”.

هذا التحول، كما عاينه طاقم الجريدة ميدانيا، لم يكن اختيارا ترفيا، بل فرضته معادلة مناخية صعبة، حيث أصبحت ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف واقعا يوميا يثقل كاهل الفلاحين، حيث لم تعد التقلبات المناخية احتمالا، بل عنصرا حاسما في تحديد مصير المواسم الفلاحية.
-من أزمة مناخية إلى خيار استراتيجي
في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي باتت تلقي بظلالها الثقيلة على الأنظمة البيئية والإنتاجية، يجد القطاع الفلاحي المغربي نفسه أمام تحديات غير مسبوقة تفرض إعادة النظر في أنماط الإنتاج التقليدية، إذ لم يعد الرهان مقتصرا على تحقيق وفرة في الإنتاج، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرة هذا القطاع الحيوي على التكيف مع اختلالات مناخية متزايدة، تتجلى في عدم انتظام التساقطات وارتفاع درجات الحرارة.

وهذا السياق دفع المغرب إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على إدماج التكنولوجيا والابتكار في قلب العملية الفلاحية، فيما أصبح يعرف بـ”الفلاحة الذكية“، وهي مقاربة تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين الإنتاجية والاستدامة، من خلال الاعتماد على أدوات رقمية وأنظمة ذكية لتحسين تدبير الموارد الطبيعية؛ خاصة الماء، وتعزيز القدرة على التوقع واتخاذ القرار.
ويطرح هذا التحول رغم طابعه الطموح؛ تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على تحقيق تحول شامل داخل منظومة فلاحية غير متجانسة، تجمع بين ضيعات عصرية متقدمة وأخرى تقليدية تعاني من الهشاشة، كما يثير نقاشا حول مدى جاهزية الفلاح المغربي، خاصة الصغير والمتوسط، للانخراط في هذا الورش التكنولوجي.
وضعت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، الفلاحة الذكية في صلب استراتيجيتها “الجيل الأخضر 2020-2030”، باعتبارها خيارا استراتيجيا لمواجهة التغيرات المناخية وتعزيز الأمن الغذائي، حيث تقوم هذه الاستراتيجية وفق ما أعلن عنه في وقت سابق؛ على الانتقال من نموذج فلاحي تقليدي إلى نموذج حديث قائم على الرقمنة والابتكار.
وفي هذا الإطار، تم إطلاق عدد من البرامج التي تهدف إلى تحديث القطاع، من بينها تطوير منصات رقمية وطنية لتجميع وتحليل المعطيات الفلاحية، وتوظيف تقنيات الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية لتتبع حالة المزروعات والتنبؤ بالمخاطر المناخية، ما يسمح باتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة.
وعملت الوزارة على إرساء شراكات استراتيجية مع فاعلين وطنيين ودوليين، من أجل تسريع وتيرة التحول الرقمي، إلى جانب تنظيم تظاهرات كبرى مثل “أيام تكنولوجيا المعلومات للفلاحة”، التي شكلت فضاء لتبادل الخبرات وعرض أحدث الابتكارات في المجال.
ويشكل التحول الرقمي العمود الفقري للفلاحة الذكية، حيث تسعى الدولة إلى ربط حوالي مليوني فلاح بالخدمات الرقمية في أفق 2030، مع بلوغ نسبة رقمنة تصل إلى 50% من القطاع، وهذا التوجه يهدف إلى تمكين الفلاحين من الولوج إلى المعلومات والخدمات بشكل سريع وفعال.
وتم إحداث “القطب الرقمي للفلاحة والغابات” كمنصة مؤسساتية لتأطير هذا التحول، إلى جانب إطلاق “الشباك الوحيد الإلكتروني” الذي يتيح للفلاحين إيداع طلبات الدعم عن بعد، ما ساهم في تبسيط المساطر وتقليص التنقلات.
وجرى أيضا تشجيع بروز شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا الفلاحية (AgriTech)، إلى جانب دعم التكوين المهني للشباب في هذا المجال، بهدف خلق جيل جديد من الفاعلين القادرين على مواكبة التحولات الرقمية داخل القطاع.
1.ماء ذكي
يمثل تدبير الموارد المائية أحد أبرز رهانات الفلاحة الذكية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تؤثر بشكل مباشر على توفر المياه، حيث تم تجهيز حوالي 850 ألف هكتار بتقنيات الري بالتنقيط (Goutte à goutte)، مع هدف بلوغ مليون هكتار في أفق 2030.
وهذه التقنية مكنت من اقتصاد كميات كبيرة من المياه، تصل إلى مليارات الأمتار المكعبة سنويا، كما ساهمت في تحسين مردودية الإنتاج وجودته. وتعد هذه الخطوة من أبرز إنجازات الاستراتيجية الفلاحية في مجال الاستدامة.
وإلى جانب ذلك، تم إدماج تقنيات أكثر تطورا تعتمد على أجهزة استشعار لقياس رطوبة التربة وحاجيات النبات، ما يسمح بتحديد الكميات الدقيقة من المياه المطلوبة، وبالتالي تحقيق توازن بين الإنتاج والحفاظ على الموارد.
2.ذكاء متقدم
يشهد القطاع الفلاحي إدماجا متزايدا لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تستخدم لتحليل المعطيات الزراعية والتنبؤ بالأمراض والآفات، وتحديد أفضل فترات الزراعة والحصاد، كما تتيح هذه التقنيات تحسين اتخاذ القرار الفلاحي بشكل دقيق.

ووفق الخبراء في المجال، تبرز الزراعة الدقيقة (Agriculture de précision) كأحد أبرز تطبيقات هذا التحول، حيث تعتمد على استخدام الطائرات المسيرة (Drones) وأجهزة الاستشعار لمراقبة المحاصيل وتحليل التربة، مما يسمح بتدخلات دقيقة تقلل من الهدر وتزيد من الإنتاجية.
وفي هذا السياق، تم اعتماد تقنيات “الزرع المباشر” التي تساهم في الحفاظ على رطوبة التربة وتحسين خصوبتها، مع تسجيل زيادات في الإنتاج تصل إلى 20% إلى 33% في بعض المحاصيل، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة لهذه التقنيات.
3. شراكات استراتيجية
في قراءة ميدانية واقعية، يؤكد أحمد بوكريزية، رئيس فيدرالية منتجي الحليب والمنتجات الفلاحية، أنه لا يتوفر على تجربة مباشرة في الزراعة الرقمية، لكنه يتابع الأنشطة والبرامج التي تشير إلى تحول متسارع نحو هذا النموذج؛ خاصة في ظل سنوات الجفاف التي عاشها المغرب.
واعتبر بوكريزية في تصريح لـ”الشعاع”، أن هذه التحولات تتيح للفلاح الاستفادة من معلومات إلكترونية دقيقة حول الأمراض والآفات والتغيرات المناخية، مما يساعده على حماية منتوجه وتحسين ظروف التخزين.
وأضاف أن المعلومات والاتصالات لعبت دورًا مهمًا، حيث أصبح الفلاح قادرًا على معرفة أسعار المنتجات وأنواع الأدوية المناسبة، بل وحتى بيع وشراء المنتج عبر منصات رقمية، وهو ما يعكس تحولاً تدريجيًا في الممارسة الفلاحية.
وأشار رئيس فيدرالية منتجي الحليب والمنتجات الفلاحية، إلى أن هذا التحول لا يزال محدود الانتشار، حيث إن العديد من الفلاحين لا علم لهم بهذه التقنيات، ما يجعلها محصورة في فئة معينة.
ونبه إلى الإكراهات الميدانية الكبيرة؛ من بينها نقص اليد العاملة وارتفاع كلفة المكننة، حيث تصل أسعار بعض المعدات إلى أكثر من 300 ألف درهم، وهو ما يشكل عائقًا أمام تحديث الضيعات.
وأبرز أيضًا أهمية الطائرات المسيرة في معالجة بعض الإشكالات، خاصة خلال فترات الأمطار التي تعيق دخول الجرارات، غير أن القيود الإدارية المرتبطة بالحصول على تراخيص استخدامها تحد من انتشارها، مما يحرم العديد من الفلاحين من الاستفادة منها.

وفي هذا الجانب، كشف بوكريزية عن أنهم خلال الفيضانات الأخيرة أدركوا أهمية التكنولوجيا في حماية محاصيلهم وتنميتها، مشيرًا إلى أنهم حاولوا التواصل مع الشركات الفلاحية التي تملك “الدرونات”، لمعالجة زراعتهم من الأمراض الفطرية والأعشاب الضارة، لكنهم لم ينجحوا بسبب الطلبات الكبير من الفلاحين وقتها على هذه الخدمة وقلة الجهات المرخص لها، والتي لا تتجاوز الثلاثة.
-إكراهات بنيوية
من جانبه، يرى عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أن الفلاحة الذكية تمثل مستقبل القطاع، لكنها لا تزال بعيدة عن الواقع اليومي لغالبية الفلاحين، خاصة الصغار منهم الذين يشكلون نسبة كبيرة من المنتجين.
وشدد المستشار الفلاحي المعتمد من طرف وزارة الفلاحة في تصريح لـ”الشعاع”، على أن نسبة الأمية المرتفعة في العالم القروي تشكل عائقًا حقيقيًا أمام تبني هذه التقنيات الحديثة، إلى جانب وجود نقص ملحوظ في أعداد التقنيين المتخصصين في هذا المجال.

وأضاف أن الفلاحين ما زالوا يواجهون تحديات أساسية تتعلق بالماء والتقنيات التقليدية، ولم يتم بعد استغلال الإمكانيات المتاحة في مجال الري الموضعي (Goutte à goutte)، متسائلا: فكيف يمكن الحديث عن تقنيات أكثر تعقيدًا مثل الذكاء الاصطناعي.
واعتبر البوتشيشي أن هذه التقنيات رغم أهميتها، تبقى أقرب إلى “الخيال العلمي” بالنسبة لعدد كبير من الفلاحين الصغار، الذين تفوق نسبتهم في القطاع قرابة 80 %.
وأشار إلى أن الاستفادة الفعلية من هذه التكنولوجيا تظل محصورة في نسبة محدودة من الضيعات الكبرى، التي تعتمد أنظمة مبرمجة بالكامل، في حين يظل صغار الفلاحين في مواجهة إكراهات يومية تتعلق بالإنتاج والتسويق، وهو ما يطرح تحديًا حقيقيًا أمام تعميم الفلاحة الذكية.
-رهان البحث
في المقابل، يؤكد محمد بنعطا، المهندس الزراعي والخبير البيئي، أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يشكلان رافعة أساسية لتحسين الإنتاجية وتدبير الموارد المائية، خاصة من خلال تقنيات دقيقة تسمح بتحديد توقيت وكمية السقي حسب حاجيات النبات.
وشدد على أن البحث العلمي هو الأساس في هذا التحول، معتبرًا أن أي دولة لا تعطي أهمية للبحث ستبقى متأخرة، داعيا إلى تشجيع الباحثين والطلبة، وتوفير الإمكانيات اللازمة لتطوير حلول محلية تستجيب لحاجيات الفلاحة المغربية.
وحذر من تراجع البحث الزراعي الوطني، مشيرًا إلى أن المغرب، الذي كان في السابق ينتج بذورًا مقاومة للجفاف، أصبح اليوم يعتمد على الاستيراد، وهو ما يشكل تهديدًا للسيادة الغذائية.
وأبرز المهندس الزراعي والخبير البيئي، أن المستقبل الفلاحي للبلاد رهين بالاستثمار في العلم والتكنولوجيا، وليس فقط باستيراد الحلول الجاهزة.
-تحديات كبرى
يشير عدد من الخبراء والتقنيين الذين تحدثت إليهم “الشعاع”، إلى أنه رغم التقدم المسجل، تواجه الفلاحة الذكية تحديات متعددة؛ من بينها الكلفة المرتفعة للاستثمار في التكنولوجيا، وضعف التكوين، وصعوبة تعميم الحلول الرقمية على صغار الفلاحين، إضافة إلى إشكالات تنظيمية وتقنية، تعيق تسريع هذا التحول.

وأوضحوا أن التفاوت بين الضيعات الكبرى والصغرى يعد أحد أبرز التحديات، حيث تستفيد الأولى من الإمكانيات التكنولوجية، في حين تظل الثانية خارج هذا المسار، مما يهدد بتوسيع الفجوة داخل القطاع.
وشددوا على أن نجاح هذا التحول يظل رهينًا بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق توازن بين الابتكار والعدالة المجالية، وضمان استفادة جميع الفاعلين من هذه التحولات.
وتختزل قصة الفلاح عبد الحميد اغنينو في ضيعته بضواحي جرسيف، مسارا كاملا تعيشه الفلاحة المغربية وهي تعيد تعريف نفسها تحت ضغط العطش وتحديات المناخ. وبين هاتف ذكي يحدد حاجيات الشجرة بدقة، وحقول عطشى تبحث عن توازن جديد، تتشكل ملامح نموذج فلاحي مختلف، قوامه المعرفة قبل الأرض، والمعطيات قبل الحدس.
وبين ضيعات كبرى قطعت أشواطا في الرقمنة، وأخرى صغيرة لا تزال رهينة الإكراهات اليومية، يظل التحدي الحقيقي هو تحقيق عدالة تكنولوجية تضمن ألا يتحول الابتكار إلى عامل تعميق للفوارق داخل العالم القروي.
وفي هذا السياق، يحذر المستشار الفلاحي عبد الحق البوتشيشي من أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بمدى قدرته على ملامسة واقع الفلاح البسيط، مؤكدا أن “الفلاحة الذكية لن تحقق أهدافها إذا ظلت بعيدة عن الفئات الواسعة من المنتجين، خاصة في ظل تحديات الأمية وضعف التأطير التقني”.
في المقابل، يرى الخبير الزراعي محمد بنعطا أن الرهان الحقيقي يتجاوز مجرد إدخال التكنولوجيا، ليصل إلى بناء سيادة فلاحية قائمة على العلم والبحث، مشددا على أن “المستقبل لن يكون لمن يملك الأرض فقط، بل لمن يمتلك المعرفة القادرة على تحويلها إلى إنتاج مستدام”.
وبين هذين المنظورين، يتحدد أفق الفلاحة المغربية: إما أن تنجح في تحويل التكنولوجيا إلى فرصة جماعية تعيد التوازن بين الإنتاج والموارد، أو تظل رهينة نموذج تقليدي يزداد هشاشة أمام تقلبات مناخية لا ترحم.











تعليقات الزوار ( 0 )