يشهد المشهد الاقتصادي الوطني تحولات متسارعة في أدوات وآليات التمويل، في ظل سعي الفاعلين الاقتصاديين إلى تنويع مصادر التمويل وتخفيف الضغط عن القنوات التقليدية، حيث يأتي هذا التوجه في سياق دولي يتسم بتقلبات الأسواق وارتفاع كلفة الاقتراض، ما يدفع الشركات الكبرى إلى البحث عن حلول مبتكرة توازن بين الحاجة إلى الاستثمار والحفاظ على التوازنات المالية.
وفي هذا الإطار، تبرز أدوات مالية جديدة أكثر تعقيدًا وتركيبًا، تعكس انتقال الاقتصاد الوطني نحو نماذج تمويل متقدمة تتماشى مع المعايير الدولية، ولكن أن هذا التحول، رغم ما يتيحه من فرص، يطرح في الآن ذاته تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة المنظومة الاقتصادية على استيعابه، وضمان توظيفه بشكل متوازن يحول دون تحوله إلى مصدر مخاطر مستقبلية.
❖تحول مالي
في هذا السياق، يؤكد علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن حدثًا ماليًا بارزًا مرّ في خضم زخم الأخبار الاقتصادية والسياسية دون أن يحظى بالاهتمام الكافي، رغم دلالاته العميقة على مستوى تطور آليات التمويل في المغرب.
وأبرز الغنبوري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الأمر يتعلق بإقدام المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) على إصدار سندات هجينة (Hybrid Bonds) بقيمة 1.5 مليار دولار في الأسواق الدولية، في خطوة تعد سابقة على مستوى الشركات الإفريقية.
وأوضح أن هذه العملية تعكس دخول الفاعلين الاقتصاديين المغاربة مرحلة جديدة من التعاطي مع الأدوات المالية المركبة، التي تجمع بين خصائص الدين (السندات) ورأس المال (الأسهم)، بما يسمح بتوسيع هامش التمويل دون اللجوء المفرط إلى الاقتراض التقليدي، وهو ما يعزز قدرة المؤسسات على تعبئة موارد إضافية لمواكبة مشاريعها الاستثمارية الكبرى.
وأضاف أن هذه الخطوة تعكس كذلك انفتاح الشركات المغربية على الأسواق المالية الدولية، وقدرتها على استقطاب ثقة المستثمرين العالميين، مما يعزز موقعها ضمن المنظومة الاقتصادية الدولية، لافتًا إلى أن هذا التحول يظل رهينًا بمدى التحكم في آليات هذا النوع من التمويل وضمان توظيفه بشكل يخدم الاستدامة المالية.
❖ مرونة مشروطة
يشير الغنبوري إلى أن السندات الهجينة تتميز بخصائص تقنية تمنح الشركات مرونة كبيرة في تدبير مواردها المالية، حيث تتيح إمكانية تأجيل الفوائد، كما يمكن احتساب جزء منها ضمن رأس المال في الميزانية، وهو ما يخفف الضغط على مؤشرات المديونية التقليدية.
ونبه إلى أن هذه المزايا لا تخلو من تعقيدات، إذ إن هذا النوع من الأدوات يتطلب مستوى عاليًا من الخبرة في التدبير المالي؛ سواءً من طرف الشركات المصدرة أو المستثمرين، بالنظر إلى طبيعته المركبة التي تجعل تقييم مخاطره أكثر تعقيدًا مقارنة بالأدوات التقليدية.
وأكد على أن اللجوء إلى هذه الأدوات ينبغي أن يتم في إطار رؤية واضحة ومؤطرة، تأخذ بعين الاعتبار تقلبات الأسواق الدولية وشروط التمويل، محذرًا من أن التوسع غير المحسوب في استخدامها قد يؤدي إلى تراكم التزامات مالية غير مباشرة يصعب تدبيرها في سياقات اقتصادية غير مستقرة.
❖ يقظة استراتيجية
يشدد الغنبوري على ضرورة التعامل مع هذا التحول المالي بنوع من اليقظة الاستراتيجية، التي توازن بين استثمار الفرص وتدبير المخاطر، مبرزًا أن مثل هذه العمليات، رغم أهميتها، قد تتحول من فرصة لتعزيز القدرات الاستثمارية إلى مصدر ضغط مستقبلي إذا لم يتم إدماجها ضمن رؤية شمولية لتدبير الدين.
وأضاف أن الأمر لا يتعلق فقط بنجاح إصدار مالي في ظرفية معينة، بل بمدى قدرة الاقتصاد الوطني ومؤسساته على استيعاب هذا التحول النوعي في أدوات التمويل، وضمان انسجامه مع التوجهات الكبرى للسياسة الاقتصادية بما يحافظ على التوازنات المالية.
وأكد على أن السياق الدولي، الذي يتسم بعدم اليقين والتقلب المستمر، يفرض اعتماد مقاربة حذرة في توظيف الأدوات المالية المتقدمة، حتى لا تتحول إلى رهانات غير محسوبة العواقب، مشددًا على أن نجاح هذا التوجه يظل رهينًا بمدى التحكم في مخاطره وتوجيهه لخدمة التنمية الاقتصادية بشكل مستدام.



تعليقات الزوار ( 0 )