تنتشر “فكرة المؤامرة” في مجتمعاتنا العربية انتشار النار في الهشيم، فكل شي يتم تفسيره بالمؤامرة؛ في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والثقافة، وحتى الرياضة التي كنا نعتقد أنها مجال للمتعة والتسلية والترفيه والاستثمار في التسويق الاقتصادي وتنمية العلاقات الإنسانية اجتماعيا وأخلاقيا، أصبحت هي الأخرى مجالا للتآمر والحقد والكراهية والانتقام، وأرضية لتصفية الحسابات الثقافية الناجمة عن الأمراض الحضارية كالعنصرية والشوفينية. وإذا كانت الفلسفة هي “طب الحضارة” كما نظر إليها نيتشه، فإن الفحص الطبي الفلسفي للحضارة يقتضي الكشف عن أمراضنا ومن بينها: “مرض التفكير بالمؤامرة”، وأعتقد أن هذا “المرض الحضاري” هو مجرّد عرض للمرض الأصلي: الاستبداد وفقدان الحرية.
تظهر فكرة المؤامرة في السياقات التي تتآكل فيها الحرية، وتضيق فيها إمكانات الفعل والتعبير. فهي لا تشتغل فقط كأداة تفسيرية للأحداث، وإنما تتخذ شكلا خاصا من أشكال الوعي بالعالم، وطرائق معينة في إدراك العلاقة بين الفعل والفاعل، وبين الحدث والمسؤولية. فعندما تتم مصادرة حرية التعبير، ويتم النظر إلى السؤال النقدي باعتباره تهديدا، ويتم إفراغ المجال العمومي من النقاش، يفقد الواقع قابليته للفهم من داخل أسبابه الظاهرة. عندئذ يعجز العقل عن الربط بين الأفعال ومن يقوم بها، فيلجأ إلى بناء سرديات خفية تفسر كل شيء دفعة واحدة، وتمنح في الوقت نفسه شعورا بالاطمئنان، لأنها تعفي الذات من عبء الفهم ومن ثقل المسؤولية.
في هذا المعنى، تعمل فكرة المؤامرة على ترجمة “عجز” العقل عن التفكير بحرية مسؤولة، على نحو قريب مما يسميه سبينوزا الانفعال السلبي، حيث يُستبدل الفعل القادر على التغيير بتفسير خيالي للعالم.
في المجتمعات التي يهيمن عليها الاستبداد، لا تُدرَك الأفعال باعتبارها نتاج إرادات تتقاطع داخل فضاء عمومي مفتوح، وإنما تُفهم بوصفها تعبيرا عن قوة غامضة لا تُرى بقدر ما تُخشى. السلطة هناك لا تظهر في صورة قرارات قابلة للنقاش، بل في هيئة حضور مبهم، والسياسة لا تُمارَس كفعل جماعي، وإنما تُؤوَّل كحركة خفية. ومع غياب ما تسميه حنّة أرندت الفضاء المشترك للظهور، حيث يتكلم الأفراد بوصفهم ذواتا فاعلة، تتحول السياسة إلى لغز، ويتحول الحدث إلى لغز داخل لغز. في مثل هذا السياق، لا تعود المؤامرة خيارا فكريا، بل نتيجة بنيوية لانعدام الشروط التي تسمح للفعل بأن يظهر وأن يسأل.
إن التفكير في الأحداث من زاوية التقاء المصالح يفترض شرطا تأسيسيا يتمثل في حرية الإرادة. لقد تعلمنا في الدرس الفلسفي أن المصلحة تتحدد داخل أفق الاختيار والفهم. وهذا ما يؤكد عليه سبينوزا حين يربط الفعل الحر بالقدرة على الفهم، لا بمجرد الرغبة أو الميل. وعليه، يمكن القول إن الإرادة المقيدة لا تنتج مصلحة خاصة بها، لأنها لا تملك نفسها؛ فهي دائما تتحرك داخل أفق إرادة أخرى، حتى عندما يقودها هذا الخضوع إلى الإضرار بذاتها. من هنا تكتسب جدلية السيد والعبد عند هيجل معناها العميق، لا بوصفها توصيفا اجتماعيا مباشرا، بل بوصفها بنية للوعي: وعي يرى العالم من خلال فعل غيره، ولا يعترف بذاته كمصدر للفعل، فيعجز عن فهم الأحداث إلا باعتبارها قهرا أو مؤامرة.
بهذا المعنى، لا يقتصر التفكير المؤامراتي على كونه خطأ معرفيا، بل يعبر عن وعي مأزوم بالعلاقة بين الذات والعالم. إنه وعي يُفرغ الفعل من معناه، ويُنكر إمكانية الفاعلية. وحين تعجز الذات عن إدراك نفسها بوصفها فاعلة، يصبح من المتعذر عليها أن ترى الآخر فاعلا، فتُسقِط عليه صورة المتآمر. هنا يلتقي هذا التحليل مع ما يقدمه بول ريكور في نقده للارتياب، حين يبين أن الشك المرضي لا يصدر عن فائض عقلانية، وإنما عن انهيار الثقة الأساسية في الذات، وفي اللغة، وفي إمكان بناء معنى مشترك.
و غالبا ما يُطرح في هذا السياق سؤال متكرر حول إمكانية وجود المؤامرة داخل المجتمعات الحرة. يقتضي الجواب تمييزا دقيقا بين “منطق المؤامرة” و”منطق التحالف”.
ففي المجتمعات الحرة، تُدار السياسة عبر مؤسسات، وآليات تفاوض، وصراعات معلنة، وتقاطعات مصالح قابلة للفهم والمساءلة. ما يجري هو بناء تحالفات، لا نسج خطط غامضة. فالمصلحة تعلَن، وتبرَّر، وتدخل دائرة النقاش العمومي، وهو ما يمنح الاتفاق السياسي طابع التحالف لا طابع المؤامرة. التحالف يقوم على الوضوح، بينما يرتبط الإخفاء بالخوف أكثر مما يرتبط بالقوة.
وإذا ما استعرت لغة فوكو، يمكن القول إن المجتمعات الحرة لا تحتاج إلى أسطورة المؤامرة لأنها تمتلك ما يكفي من آليات الكشف. السلطة فيها ليست جوهرا خفيا، بل شبكة علاقات يمكن تحليلها، وتتبع مساراتها، ونقد أشكال اشتغالها. أما حين تُمارَس السلطة دون خطاب يبررها أو يفسرها، يصبح من السهل تخيلها كقوة شيطانية كلية، منفصلة عن التاريخ، وغير قابلة للفهم.
لهذا تنتشر فكرة المؤامرة داخل مخيال ميثولوجي يستبدل التحليل السياسي بتفسيرات قائمة على العرق أو الدين أو الهوية الثقافية. لا لأن هذه العناصر بلا وجود، وإنما لأنها تُوظف بوصفها مفاتيح تفسير شاملة تُغني عن طرح الأسئلة الحاسمة: من قرر؟ كيف؟ ولمصلحة من؟ في هذا الأفق، تتحول الهوية إلى قناع، وتتحول المؤامرة إلى سردية تعويضية، كما لو أن التاريخ لا يُصنع بأفعال بشرية، بل يُدار بمكائد كونية.
وإذا كان الفكر الفلسفي قد بدأ، منذ اليونان، بمواجهة السحر والأسطورة من أجل تأسيس مفاهيم العقل والإنسان والعالم، فإن مهمته اليوم تتمثل في مواجهة أسطورة المؤامرة بوصفها أحد أشكال الميثوس السياسي المعاصر. فالمؤامرة تقوض فكرة الشخص كما صاغها الفكر الحديث: الشخص بوصفه كائنا حيا، عاقلا، حرا، وقادرا على تحمل مسؤولية أفعاله، كما يبين ريكور في تحليله للفاعل والمسؤولية.
إن تحرير التفكير من هيمنة المؤامرة لا يعني إنكار الصراعات أو المصالح أو العنف، وإنما يقتضي إعادة وصل الفعل بالإرادة، وربط الإرادة بالمسؤولية، وإعادة السياسة إلى أفق العلنية. حيثما توجد حرية، يصبح العالم قابلا للفهم دون استدعاء الأشباح. وحيث تُصادر الحرية، يجد العقل نفسه محاصرا بسرديات غامضة، وتتحول السياسة إلى قصة مؤامرة بلا نهاية.
بهذا المعنى، لا تمثل المؤامرة نقيض الحقيقة فقط، بل تعكس نقيض الحرية ذاتها. إنها تعبير عن وعي يعجز عن قول: نحن نفعل، فيستعيض عن ذلك بالقول: هم يتآمرون.
– أستاذ الفلسفة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية- جامعة ابن طفي






تعليقات الزوار ( 0 )