في تطور لافت يحمل دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة، كشفت مجلة “أتالايار” (Atalayar) الإسبانية عن معطيات جديدة تفيد بقبول الجزائر بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء، تحت السيادة المغربية، باعتبارها الأساس الوحيد للتفاوض النهائي حول حل النزاع، في خطوة وُصفت بأنها تقرب هذا الملف الإقليمي المعقد من لحظة الحسم بعد عقود من الجمود.
Argelia acepta el plan de autonomía marroquí para el Sáhara como única base para la negociación final de la solución del conflicto https://t.co/uPsePnguid a través de @Atalayar_
— Atalayar (@Atalayar_) February 9, 2026
-تحول المنهج
بحسب التقرير، فإن الاجتماع الذي احتضنته مدريد، بمبادرة من الولايات المتحدة، شكل نقطة تحول حقيقية في طريقة تدبير ملف الصحراء، حيث انتقل النقاش من صراع سياسي مؤدلج إلى مسار تقني عملي، يقوم على وثيقة واحدة مرجعية، هي مخطط الحكم الذاتي المغربي.
الولايات المتحدة، التي قادت هذا المسار، نجحت في فرض معادلة جديدة: جلوس الجزائر إلى طاولة المفاوضات كطرف مباشر وليس مجرد “ملاحظ”، وقبولها بالوثيقة التقنية التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي، المقدمة من المغرب سنة 2007، الإطار الوحيد للنقاش، ما أنهى عمليًا أي إمكانية لطرح بدائل أخرى كانت الجزائر وجبهة “البوليساريو” تتمسكان بها في السابق.
-دور أمريكي
أدار الاجتماع كل من مسعد بولس، المستشار الرئيسي للرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومايك والتز، رئيس بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مستندين إلى قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي وصف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها “الحل الأكثر واقعية ومصداقية” لتسوية النزاع.
وخلال أربع ساعات من المباحثات الصعبة، مارست واشنطن ضغطًا دبلوماسيًا واضحًا لدفع الأطراف، خاصة الجزائر و”البوليساريو”، إلى التخلي عن بعض المواقف التقليدية، خصوصًا ما يتعلق بالمصطلحات، في مقدمتها مفهوم “تقرير المصير”.
-جدل المصطلحات
لا يزال الخلاف قائمًا حول تعريف “تقرير المصير”، إذ يصر المغرب على أن هذا الحق يتحقق من خلال الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية، بينما حاولت الجزائر التمسك بالصيغة الكلاسيكية للمفهوم.
وغير أن الضغط الأمريكي في هذه المشاورات، رجح كفة الطرح المغربي، ما يعكس تغيرًا نوعيًا في ميزان التفاوض.
ووفق مصادر قريبة من الاجتماع، فإن ما تم الاتفاق عليه في مدريد لا يقتصر على المضمون، بل يشمل أيضًا تغيير آلية الاشتغال، عبر الانتقال إلى معالجة تقنية دقيقة بدل الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة.
-لجنة دائمة
من أبرز مخرجات اللقاء الاتفاق على إحداث “لجنة تقنية دائمة” تضم خبراء قانونيين من المغرب والجزائر وموريتانيا، وتعمل تحت إشراف مشترك للولايات المتحدة والأمم المتحدة.
وستعنى هذه اللجنة بدراسة تفاصيل تنزيل الحكم الذاتي، خاصة في مجالات الجباية، القضاء، والأمن المحلي.
وهذا التطور يعكس الانتقال من مستوى المبادئ إلى مستوى التطبيق العملي، وهو ما يمنح مبادرة الحكم الذاتي مضمونًا مؤسساتيًا واضحًا، ويربطها مباشرة بمصالح السكان المحليين في الأقاليم الجنوبية.
-خارطة مدريد
كما أسفر الاجتماع عن اعتماد ما سُمّي بـ“خارطة طريق مدريد 2026”، باعتبارها إطارًا إجرائيًا يحدد مراحل التفاوض المقبلة، مع الاتفاق على عقد جولة جديدة من المحادثات في واشنطن خلال شهر ماي المقبل، بهدف توقيع اتفاق إطار سياسي يُنهي هذا النزاع المزمن.
وترى “أتالايار” أن هذه الخارطة تمثل أول مسار زمني واضح ومُلزم منذ سنوات، ما يعزز فرضية الاقتراب من إغلاق الملف.
-خطة موسعة
في سياق الاجتماع، قدّم وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة نسخة موسعة من مخطط الحكم الذاتي، تمتد على 40 صفحة، جرى إعدادها بشكل تقني ومنهجي، وتغطي مختلف القطاعات التي تمس الحياة اليومية لسكان الصحراء.
واستعرض الوزير المغربي، عبر عروض مفصلة، معالم الهندسة المؤسساتية، والنظام الجبائي، واستقلال القضاء المحلي، وآليات الأمن، وهو ما حوَّل الاجتماع فعليًا إلى ورشة عمل تقنية بدل منبر سياسي، ورسخ منطق “الواقعية السياسية” الذي يتبناه المغرب.
-مكسب مغربي
في ختام اللقاء، بدا المغرب، بحسب المجلة الإسبانية، الرابح الدبلوماسي الأبرز، بعدما نجح في فرض مبادرته كمرجعية وحيدة للنقاش المستقبلي.
وعززت الولايات المتحدة الأمريكية موقعها كوسيط رئيسي وقادر على كسر حالة الجمود التي طبعت مسار الأمم المتحدة لسنوات.
ورغم قبولها المبدئي بخارطة الطريق، أبدت الجزائر حذرًا واضحًا، إذ رفضت الظهور في صورة جماعية مع الوفد المغربي، تفاديًا لإيحاءات سياسية مرتبطة بالتطبيع قبل التوصل إلى حل نهائي.
وطلب وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف مهلة زمنية لتهيئة الرأي العام الداخلي، في ظل تحديات سياسية واجتماعية داخلية.
وفي المقابل، عبّرَ قيادي في جبهة البوليساريو، من مخيمات تندوف، عن رفضه للمسار الحالي، معتبرًا أنه لا يضمن “تقرير المصير”، بينما شجعت إسبانيا الجبهة على اغتنام “فرصة تاريخية” والعودة إلى الوطن.
-أفق جديد
تتوقع المجلة صدور بيان أمريكي قوي خلال الساعات المقبلة، يتضمن عبارات من قبيل “الدعم غير القابل للتراجع لسيادة المغرب على الصحراء”، والدعوة إلى الانتقال نحو التنفيذ العملي لخارطة طريق مدريد 2026.
وبينما تتقاطع الضغوط الدولية مع التحولات الإقليمية، يبدو أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية السياسية، وسؤالها المركزي: هل تمهد هذه التطورات لنهاية أطول نزاع إقليمي في شمال إفريقيا؟


تعليقات الزوار ( 0 )