تشير تحليلات سياسية وأكاديمية متزايدة إلى أن الجزائر تواجه في السنوات الأخيرة تحديات دبلوماسية متنامية، انعكست في تراجع حضورها الإقليمي وتوتر علاقاتها مع عدد من شركائها التقليديين، خاصة في منطقة الساحل الإفريقي.
ويأتي ذلك في سياق تحولات جيوسياسية متسارعة تشهدها المنطقة، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، نشر الباحث المتخصص في الجغرافيا السياسية علي بن سعد تحليلا مطولا بعنوان “الجزائر: وقائع عزلة مُعلنة” على منصة “ميديا بارت” الفرنسية، اعتبر فيه أن مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية ساهمت في تقليص هامش التأثير الدبلوماسي الجزائري، مشيرا إلى أن إدارة العلاقات الخارجية أضحت في كثير من الأحيان مرتبطة بالاعتبارات الداخلية أكثر من ارتباطها بقراءة واقعية للتحولات الدولية.
ويرى التحليل أن أحد أبرز مظاهر هذا التراجع يتمثل في تغير طبيعة العلاقات بين الجزائر وعدد من دول الساحل الإفريقي، التي كانت تعد تاريخيا ضمن مجال نفوذها السياسي والأمني. فهذه الدول، بحسب الكاتب، باتت تتبنى مواقف أكثر استقلالية في علاقاتها الخارجية، بل وأحياناً مواقف متباينة مع الجزائر.
ويعزى هذا التحول، جزئيا، إلى محدودية الانخراط الدبلوماسي المباشر في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مقابل نشاط متزايد لقوى إقليمية أخرى تسعى لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما انعكس تدريجيا على موازين النفوذ داخل القارة.
كما يبرز التقرير البعد الاقتصادي في تفسير التحولات الجارية، إذ أصبحت المنافسة على الأسواق الإفريقية أحد المحددات الرئيسية للعلاقات بين الدول.
ففي حين تعتمد بعض الدول على توسيع استثماراتها في قطاعات مثل البنوك والاتصالات والبنية التحتية، تواجه الجزائر صعوبة نسبية في تنويع أدوات حضورها الاقتصادي خارج قطاع الطاقة، الذي يظل المصدر الأساسي لصادراتها.
ويشير التحليل إلى أن هذا الوضع يقلل من قدرة البلاد على بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد في القارة، خاصة في ظل اعتماد نموذج اقتصادي داخلي يرتكز بشكل كبير على عائدات المحروقات.
ومن بين العوامل الأخرى التي يتوقف عندها التقرير، تنامي حضور قوى دولية جديدة في الاقتصاد الجزائري، وعلى رأسها تركيا، التي توسعت استثمارات شركاتها في قطاعات عدة مثل البناء والصناعة والنسيج.
ويرى الكاتب أن هذا التوسع يعكس تحولات في اتجاهات الشراكات الاقتصادية للجزائر، في ظل إعادة ترتيب علاقاتها مع شركاء تقليديين في أوروبا.
كما يربط التحليل بين هذه التحولات والسياق السياسي الداخلي، معتبرا أن التوازنات السياسية الداخلية تؤثر بدورها في صياغة خيارات السياسة الخارجية، خصوصا في مرحلة ما بعد الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد منذ عام 2019.
ويخلص التقرير إلى أن موقع الجزائر الإقليمي يواجه اختبارا حقيقيا في ظل التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها إفريقيا ومنطقة المتوسط.
ويرى أن استعادة دور أكثر تأثيرا في المنطقة قد يتطلب إعادة تقييم أدوات الدبلوماسية الاقتصادية وتعزيز الحضور السياسي في الفضاء الإفريقي، بما يتلاءم مع التحولات الجديدة في النظام الدولي.





تعليقات الزوار ( 0 )