نظمت جريدة الشعاع الجديد ندوة فكرية بعنوان: “هل المغرب في حاجة إلى العلمانية؟”، بمشاركة الدكتور مصطفى إنشاء الله، أستاذ جامعي في الفلسفة السياسية والاجتماعية، والدكتور إدريس الكنبوري، الباحث في الفكر العربي الإسلامي، في لقاء فكري حاول تفكيك واحد من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في المجال المغربي والعربي، بالنظر إلى ارتباطه بالدين والدولة والمجتمع والهوية والديمقراطية والحريات العامة.
وانطلقت الندوة، والتي أطرها الإعلامي الدكتور نورالدين لشهب، من الإقرار بأن سؤال العلمانية لا يمكن تناوله في السياق المغربي بالمنطق نفسه الذي طُرح به في التجربة الأوروبية، لأن المغرب يمتلك خصوصية دستورية وتاريخية تتمثل في حضور الإسلام ديناً للدولة، وفي مؤسسة إمارة المؤمنين، وفي تراكم سياسي واجتماعي جعل العلاقة بين الدين والسياسة أكثر تعقيداً من مجرد شعار “فصل الدين عن الدولة”.

في بداية النقاش، اعتبر الدكتور مصطفى إنشاء الله أن أول مدخل لفهم العلمانية هو تحرير المفهوم من الصور النمطية التي تلحقه، سواء تلك التي تختزله في الإلحاد أو في العداء للدين. وأوضح أن العلمانية، في أصلها التاريخي، نشأت داخل السياق المسيحي الأوروبي، وارتبطت بداية بالتمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي، قبل أن تتطور لاحقا، خصوصا مع النموذج الفرنسي اليعقوبي، إلى تصور أكثر حدة يقوم على إقصاء الدين من الفضاء العام.
وأكد إنشاء الله أن اختزال العلمانية في النموذج الفرنسي وحده يخلق كثيراً من الالتباس، مشيراً إلى أن هناك أنماطاً متعددة من العلمانيات، بعضها لا يفصل الدين عن الدولة بالمعنى الحاد، كما هو الحال في بعض الدول الإسكندنافية أو في بريطانيا، حيث ما تزال العلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية قائمة بأشكال مختلفة، دون أن يمنع ذلك بناء دولة حديثة وديمقراطية.
ومن هذا المنطلق، شدد المتدخل ذاته على أن العلمانية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها وصفة جاهزة للتقدم أو الحداثة أو الديمقراطية، لأن التاريخ، في نظره، يقدم نماذج لدول علمانية في دساتيرها لكنها ليست بالضرورة ديمقراطية أو متقدمة، في مقابل دول لا تفصل بشكل صارم بين الدين والدولة، لكنها تحتل مراتب متقدمة في الديمقراطية والتنمية. لذلك رأى أن الحاجة، إن وجدت، ليست إلى استيراد نموذج جاهز، بل إلى التفكير في كيفية تدبير العلاقة بين الديني والدنيوي داخل السياق المغربي.

في المقابل، قدم الدكتور إدريس الكنبوري قراءة نقدية لمسار انتقال مفهوم العلمانية إلى المجال العربي الإسلامي، معتبراً أن الإشكال لم يبدأ من المفهوم في ذاته فقط، بل من الذاكرة الاستعمارية التي حملته إلى المجتمعات الإسلامية. وقال إن الدول الأوروبية التي مارست العلمانية داخل حدودها لم تطبق المنطق نفسه في مستعمراتها، بل عملت، حسب تحليله، على محاربة المؤسسات الدينية التقليدية ومصادرة الأوقاف وإضعاف استقلال العلماء، وهو ما خلق حساسية تاريخية عميقة تجاه المفهوم.
وأوضح الكنبوري أن جزء من التوجس العربي والإسلامي من العلمانية يعود إلى كونها ارتبطت، في التجربة الاستعمارية، لا بتحرير الدين من سلطة الدولة، بل بإخضاع الدين نفسه لإدارة الدولة الاستعمارية، وضرب استقلالية المؤسسة الدينية والمجتمع. ولذلك، فإن نقل المفهوم إلى المجال الإسلامي دون نقد سياقه التاريخي قد يؤدي، في نظره، إلى سوء فهم عميق لطبيعة المشكلة.

وتوقف الباحث في الفكر السياسي العربي الإسلامي عند الحالة المغربية، معتبرا أن المغرب لا يحتاج إلى “تأسيس” علمانية من الصفر، لأن نوعا من التمايز قائم بالفعل في بنية الدولة والقانون. وأشار إلى أن دستور 2011، من خلال جمعه بين الملك بصفته رئيساً للدولة وأميراً للمؤمنين، يعكس في نظره صيغة مغربية خاصة في تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي. كما اعتبر أن معظم القوانين المعمول بها في المغرب ذات طبيعة مدنية، باستثناء مجالات محدودة ما تزال مرتبطة بالمرجعية الدينية، وفي مقدمتها قانون الأسرة.
غير أن الكنبوري انتقد ما سماه “العلمانية المتخلفة” في المغرب، معتبرا أن بعض الخطابات العلمانية لا تواجه الدولة بقدر ما تواجه المجتمع ورموزه الدينية والثقافية، من خلال التركيز على قضايا مرتبطة بالعادات والتقاليد والأسرة والحريات الفردية، بدل التركيز على أسئلة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وإصلاح المؤسسات. وذهب إلى أن جوهر الإشكال في المغرب لا يكمن في الدين، بل في السياسة والحكامة والانتخابات والغلاء والعدالة الاجتماعية.

وفي تفاعله مع هذا الطرح، أكد الدكتور مصطفى إنشاء الله أن النقاش حول العلمانية ينبغي أن يخرج من منطق الصراع الإيديولوجي إلى منطق التفكير في الحاجة إلى قواعد واضحة تنظم العلاقة بين الدين والسياسة. واعتبر أن استعمال الدين في الصراع السياسي قد يفسد الدين والسياسة معاً، لأن المجال السياسي مجال مصلحة وتدافع، بينما المجال الديني مجال إيمان ومقدس، ومن ثم فإن الخلط بينهما قد يؤدي إلى نتائج خطيرة.
ودافع إنشاء الله عن فكرة “المواطنة الفعلية” باعتبارها مدخلاً أكثر ملاءمة للسياق المغربي من الاستعمال الصدامي لكلمة العلمانية. فالمواطنة، في نظره، تستبطن منظومة من الحقوق والواجبات، وتضمن حرية الاعتقاد والمشاركة السياسية والمساواة بين المواطنين، دون إقصاء أصحاب التصورات الدينية أو المحافظة من المجال العام.
كما شدد على أن المطلوب ليس إقصاء الدين من الفضاء العمومي، بل منع احتكاره وتوظيفه سياسياً. فالدين، كما قال، مشترك بين المواطنين، ولا يحق لأي طرف أن يدعي امتلاك التفسير الوحيد والنهائي له. ومن هنا، فإن أي نموذج مغربي لتدبير العلاقة بين الدين والسياسة ينبغي أن يضمن التعدد داخل المجتمع، ويحفظ حرية الاعتقاد، وفي الوقت نفسه يصون المجال الديني من التوظيف الحزبي أو السلطوي.
ولم يخل النقاش من استحضار التجارب المقارنة. فقد أشار المشاركان إلى أن النماذج الأوروبية نفسها ليست موحدة، وأن التجربة الفرنسية ليست النموذج الوحيد الممكن، كما أن التجارب العربية التي رفعت شعارات علمانية لم تنجح بالضرورة في بناء الديمقراطية أو حماية الحقوق. ومن هنا برز اتفاق نسبي بين المتدخلين على رفض النقل الحرفي للتجارب الأجنبية، والدعوة إلى إنتاج جواب مغربي نابع من التاريخ السياسي والديني والاجتماعي للبلاد.
كما ناقشت الندوة علاقة العلمانية بالحداثة والديمقراطية. فقد رفض الدكتور مصطفى إنشاء الله الربط الآلي بين العلمانية والتقدم، معتبرا أن التجربة التاريخية لا تثبت هذا التلازم دائماً. أما الدكتور إدريس الكنبوري فذهب إلى أن القيم الكبرى مثل الحرية والكرامة والعدل لا تحتاج بالضرورة إلى مرجعية علمانية حتى تتحقق، لأنها موجودة، في نظره، داخل المرجعية الإسلامية نفسها، غير أن المشكل يكمن في عدم تفعيلها سياسياً واجتماعياً.
وفي هذا السياق، طرح الكنبوري سؤالا اعتبره مركزيا: ما الحاجة إلى العلمانية إذا كان الدستور والقانون قادرين على ضمان الحقوق والحريات؟ ورأى أن دستور 2011 يتضمن ضمانات تتعلق بحرية الاعتقاد وحقوق الإنسان والكرامة، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لتفعيل هذه المقتضيات بدل استيراد مفاهيم قد تزيد النقاش توتراً.
في المقابل، اعتبر إنشاء الله أن السؤال الحقيقي ليس في الاسم، بل في الوظيفة. فإذا كانت العلمانية تعني بناء قواعد تمنع توظيف الدين سياسياً وتحمي حرية الاعتقاد وتؤسس للمواطنة، فإن الحاجة إليها تصبح، في نظره، حاجة إلى تدبير عقلاني للعلاقة بين الدين والدولة. أما إذا تحولت إلى إيديولوجيا صراعية أو إلى أداة لمحاربة الدين والمجتمع، فإنها تفقد معناها ووظيفتها.
ومع خاتمة الندوة، بدا أن النقاش لم يتجه نحو جواب قطعي بنعم أو لا، بقدر ما فتح إمكانا ثالثا يتمثل في البحث عن صيغة مغربية خاصة. فالمغرب، بحسب ما خلص إليه النقاش، ليس أمام خيارين متقابلين: إما علمانية مستوردة أو دولة دينية، بل أمام تحدي بناء نموذج وطني يوازن بين إمارة المؤمنين، والدستور، والمواطنة، والحريات، وحماية المجال الديني من التوظيف السياسي.
وخلصت الندوة إلى أن سؤال “هل المغرب في حاجة إلى العلمانية؟” ربما يحتاج إلى إعادة صياغة أكثر دقة: كيف يمكن للمغرب أن يدبر العلاقة بين الدين والسياسة بما يحفظ الهوية، ويضمن الحريات، ويقوي المواطنة، ويمنع احتكار الدين أو توظيفه في الصراع السياسي؟ ذلك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المصطلحات وحدها، بل في القدرة على بناء تعاقد وطني يجعل الدين عاملاً للوحدة والقيم، والسياسة مجالاً للمحاسبة والحقوق والعدالة.
لمتابعة الندوة كاملة يرجى الضغط على الفيديو



تعليقات الزوار ( 0 )