في السياسة المغربية لا يموت الزعماء، بل يغيّرون أماكن جلوسهم فقط، قد يغادر أحدهم الأمانة العامة، وقد يختفي عن الشاشات، وقد يطول صمته سنوات، لكن اسمه يظل يظهر كلما تحركت قطعة فوق رقعة الشطرنج، وكأن السياسة عندنا تشبه لعبة “الغميضة”: يختفي اللاعب حتى يظن الجميع أنه غادر، ثم يخرج فجأة من وراء الستار ليقول: “كنت هنا طوال الوقت.”
ولهذا لم يكن انضمام فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة خبرا عاديا، بقدر ما كان مناسبة لإعادة طرح سؤال قديم: هل عاد إلياس العماري إلى الحزب من الباب الذي لا يظهر في الصور؟
وما جعلنا نطرح هذا السؤال هو أن العلاقة بين الرجلين (إلياس وفوزي) ليست اكتشافا جديدا، هي علاقة صداقة قديمة ومعروفة، اعترف بها العماري نفسه أكثر من مرة، ووصف لقجع بأنه صديق مقرب وسيد قراراته.
لكن إلياس يعلم قبل غيره أن السياسة المغربية لا تؤمن كثيرا ببراءة الصداقات عندما تقترب الانتخابات. ففيها يتحول كل لقاء إلى رسالة، وكل صمت إلى موقف، وكل ضحكة ولو كانت صفراء لا تسر الناظرين سرعان ما تتحول إلى مشروع سياسي كامل.
وهكذا عاد اسم إلياس العماري يتردد بقوة منذ إعلان التحاق لقجع بالمكتب السياسي لحزب “التراكتور”، ليس لأن إلياس يشغل منصبا تنظيميا داخل الحزب، بل لأن الرجل، رغم غيابه، فهو Omniprésent لا يزال يحضر في كل حديث عن توازنات الأصالة والمعاصرة، وكأن الجرار، مهما تغير سائقوه، لا يستطيع التخلص من مرآة الماضي.
المفارقة الساخرة أن إلياس العماري، كلما سئل عن لقجع، يقال إنه يكتفي بالتأكيد على أن للرجل كامل الحرية في اختيار انتمائه السياسي، وأنه لا علاقة له بقراراته، وهو جواب يبدو منطقيا إلى أن تبدأ السياسة المغربية في ممارسة هوايتها المفضلة: الشك في كل شيء، فكلما نفى السياسي علاقته بحدث ما، ازداد الفضول لمعرفة سبب النفي أصلا.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل يعرف العماري لقجع؟ فهذا يعرفه الجميع. السؤال هو: هل يرى فيه المشروع الذي لم يستطع هو نفسه إنجازه قبل سنوات؟
لقد دخل إلياس العماري انتخابات 2016 باعتباره الرجل الذي سيقود الأصالة والمعاصرة إلى رئاسة الحكومة، توفرت كل الظروف المواتية، وكانت الإمكانيات كبيرة، والطموحات أكبر، والخطاب أكثر ثقة. لكن النتيجة كانت مختلفة، وانتهت التجربة باستقالة الرجل، فيما دخل الحزب في دوامة من الصراعات الداخلية التي لم تنته آثارها إلى اليوم.
فهل يعيد التاريخ نفسه؟ أم أن التاريخ يبحث هذه المرة عن بطل جديد؟
فوزي لقجع ليس سياسيا عاديا، إنه رجل نجح في المكان الذي فشل فيه كثيرون، نقل كرة القدم المغربية من دائرة الأمنيات إلى دائرة الإنجازات، وأصبح اسمه مرتبطا بالمونديال والكاف والفيفا أكثر مما ارتبط بالمنصات الحزبية والخطب الانتخابية.
ولهذا يبدو السؤال مشروعا: هل جاء لقجع ليقود الجرار، أم جاء الجرار ليقود لقجع؟
هناك فرق كبير بين قيادة جامعة لكرة القدم وقيادة حزب سياسي !
في الأولى تلعب المباراة تسعين دقيقة، أما في الثانية فقد تمتد إلى سنوات، وقد تتغير قواعدها أثناء اللعب، ويصبح الحكم لاعبا، واللاعب حكما، والجمهور معارضة، والمعارضة حكومة.
ثم إن الأصالة والمعاصرة ليس حزبا عاديا، إنه حزب يحمل ذاكرة ثقيلة من الصراعات والانشقاقات والتجاذبات، حتى أصبح يبدو أحيانا وكأنه حزب متخصص في تغيير قياداته أكثر من تخصصه في تغيير الواقع السياسي… كثرة الأمناء العامين على عكس باقي الأحزاب السياسية الأخرى.
ولهذا فإن دخول لقجع لا يطرح سؤال الزعامة فقط، بل يطرح سؤال المهمة أيضا.
هل جاء لتطهير صورة الحزب بعد سنوات من الجدل الذي رافق بعض أعضائه وقضاياه؟ أم جاء ليمنحه شرعية الإنجاز التي فقدها؟ أم أن الحزب وجد في نجاح الرجل الرياضي فرصة لاستعارة جزء من شعبيته، بعدما أصبحت السياسة نفسها تعاني أزمة جمهور؟
الأكيد أن فوزي لقجع يدخل السياسة من باب مختلف، فهو لا يحمل تاريخا من الصراعات الحزبية، ولا سجلا من المناورات التنظيمية، بل يحمل رصيدا من الإنجازات الإدارية والرياضية.
لكن السياسة المغربية لها قدرة عجيبة على تحويل الناجحين إلى مجرد أسماء داخل معادلات أكبر منهم.
ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بلقجع، بل أيضا بمن يقف حوله.
هل سيترك له المجال ليصنع مشروعه الخاص، أم سيجد نفسه داخل شبكة من الحسابات القديمة والولاءات المتراكمة؟ وهل يستطيع أن يكون زعيما فعلا، أم سيكتشف أن الزعيم الحقيقي لا يجلس دائما في الصف الأول؟
الطريف في السياسة المغربية أن بعض السياسيين يغادرون المناصب، لكنهم لا يغادرون النفوذ، يبتعدون عن الأضواء، لكنهم لا يبتعدون عن الهواتف. يختفون من المؤتمرات، لكن أسماءهم تبقى حاضرة في كل تحليل، حتى يصبح السؤال عنهم أكثر حضورا من حضورهم نفسه.
لهذا كله، قد يكون السؤال الأهم اليوم ليس: هل يقف إلياس العماري وراء فوزي لقجع؟ بل: لماذا يعود اسم إلياس العماري كلما تحرك لقجع خطوة داخل الحزب؟
هل لأن الرجلين صديقان فقط؟ أم لأن السياسة المغربية لم تتخلص بعد من ثقافة الزعيم الذي يغادر الكرسي ولا يغادر المشهد؟
ويبقى السؤال الأكثر إثارة: لماذا يعود اسم إلياس العماري إلى الواجهة كلما تقدم فوزي لقجع خطوة داخل حزب الأصالة والمعاصرة؟
إنه ثعلب زفزاف يتقن لعبة الظهور والاختفاء.. إلياس يؤكد في بعض المجالس أن لقجع حر في اختياراته السياسية، وأن لا وصاية لأحد على قراراته، بينما تتناسل في الكواليس روايات وتأويلات تنسب إليه (يعني إلياس) حماسة خاصة لمشروع صديقه السياسي.
وهكذا يجد المتابع نفسه أمام مشهد لا يخلو من الطرافة: العماري حاضر حين يشاء أن يكون حاضرا، وغائب حين تصبح الكلفة السياسية مرتفعة، ولعل الرجل يدرك، كما يدرك كل السياسيين، أن النجاح له أنصار كثر، أما الفشل فيظل يتيما يبحث عبثا عمن يعترف بأبوته.
لذلك يبقى السؤال معلقا: هل يكتفي العماري بدور المتفرج، أم أنه يفضل، كعادته، متابعة المباراة من خلف الستار حتى إذا انتهت بنتيجة إيجابية خرج ليحيي البطل، وإذا تعثرت اكتفى بالقول: “لم أكن سوى مشاهد مثل الجميع.
الأيام وحدها ستجيب !!!
أما اليوم، فالجرار وجد سائقا جديدا، لكن المغاربة ما زالوا ينظرون إلى المقعد الخلفي، يتساءلون: من يمسك بالمقود الحقيقي؟ وهل يقود الجرار نحو محطة جديدة، أم أنه يدور في الحلقة نفسها التي دار فيها قبل عقد من الزمن؟؟!!



تعليقات الزوار ( 0 )