تظل السمة الأساسية التي طبعت مستشاري الملك الراحل الحسن الثاني وفيما بعد مستشاري الملك محمد السادس، إلى جانب الدراية والكفاءة والخبرة ومؤهلاتهم المعرفية والتقنية والثقة التي يحظون بها من طرف الملك ،استقلاليتهم السياسية وعدم الانتماء الحزبي.
1-عدم تحزب مستشاري الملك
من بين أهم الصفات التي ميزت مستشاري الملك سواء في عهد الملك الحسن الثاني أو الملك محمد السادس هو صفة الاستقلالية بخصوص الانتماء السياسي. فبالرغم من أن بعض المستشارين كانت لهم تجارب سياسية من خلال انتمائهم لبعض الأحزاب السياسية، لكنهم غيروا علاقاتهم بأحزابهم عند توليهم المسؤوليات الاستشارية.
فباسثناء عبد الهادي بوطالب و أحمد بنسودة اللذان كانا ينتميان لحزب الشورى والاستقلال وفيما بعد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ورضى كديرة الذي كان ينتمي إلى حزب الأحرار المستقلين ، وساهم في تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ليؤسس فيما بعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، فلم يسبق لباقي المستشارين أن انتموا إلى أي حزب او تنظيم سياسي . ولعل هذا الوضع ينطبق على مستشاري الملك محمد السادس. إذ سبق لعبد اللطيف المنوني، قبل أن يعين مستشارا للملك، أن مارس نشاطا سياسيا ونقابيا في ستينيات وثمانينيات القرن الماضي . فقد انخرط عبد اللطيف المنوني في الحياة السياسية في مرحلة الثانوية حيث ترأس جمعية الشبيبة التقدمية عام 1960.
وانطلق مساره السياسي والنقابي بترأس نقابة الطلبة (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) عام 1967 كنقابة متنوعة التيارات الفكرية والسياسية وفاعلة في المشهد السياسي، وذلك في حقبة حساسة من تاريخ المغرب شهدت محاولتين انقلابيتين على الملك الحسن الثاني. كما كان عضوا نشيطا في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وترأس اللجنة العمالية لهذا الحزب، اليساري المعارض، حيث ساهم في تأسيس النقابة العمالية “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل” عام 1978 بعد الانفصال عن الاتحاد المغربي للشغل. لكن أنهى علاقته في ثمانينيات القرن الماضي مع الحزب بعد خلافات في الرؤية والأفكار، وبعد أن أسهم في مسيرة الحزب بدور فكري بارز في إشاعة الثقافة النقابية والدستورية والحقوقية. ليتم تعيينه كرئيس للجنة الاستشارية لمراجعة الدستور و صياغة دستور فاتح يوليوز 2011، حيث كانت المرة الأولى في تاريخ المملكة المغربية التي يشرف فيها قانوني مغربي على لجنة لهذه المهمة، إذ كانت من قبل مقصورة على القانونيين الفرنسيين وذلك منذ أول دستور عام 1962. كما بدأ فؤاد عالي الهمة مسيرته السياسية في سنة 1992 حيث شارك في الانتخابات البلدية حيث ترأس المجلس البلدي لإقليم بن جرير كما قاد في عام 2007 الحملة الانتخابية التي فاز بها في شتنبر 2007 وأصبح مستشاراً عن الرحامنة. ليؤسس الهمة في سنة 2008، “حركة لكل الديمقراطيين “) التي تحولت إلى حزب الأصالة والمعاصرة ترأسه الهمة في بداية تأسيسه. وقد رأت بعض أحزاب المعارضة كالحزب الاشتراكي الموحد في مبادرة الهمة تكراراً لتجارب سابقة أثبت الواقع فشلها، في إشارة إلى جبهة الدفاع عن المؤسّسات الدستورية التي أنشأها سنة 1963 صديق الملك الحسن الثاني أحمد رضا اكديرة، واستخدمت لمواجهة حزب الاستقلال آنذاك، وساهمت في إعلان حالة الاستثناء سنة 1965.
ولعل محاولة تجنب أي انعكاسات سلبية على توازنات المشهد السياسي هي التي دفعت الملك محمد السادس على غرار منهجية سلفه إلى سن قاعدة سياسية تقوم على تخلي مستشاريه بعد أن يعينهم عن كل انتماء حزبي أو ممارسة أي نشاط سياسي . فمستشاروا الملك ينبغي أن يعكسوا سمو المؤسسة الملكية واعتبار الملك فوق كل الأحزاب بوصفه الممثل الأسمى للأمة.
أ -الملك فوق الأحزاب
تضمن أول دستور للمملكة الذي وضعه الملك الراحل الحسن وعرضه على الاستفتاء الشعبي بندا أساسيا ” يحظر نظام الحزب الوحيد” حيث نص الفصل الثالث من الدستور على أن ” الأحزاب السياسية …تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم ونظام الحزب الوحيد غير مشروع” . وقد دافع الملك الحسن الثاني على هذا البند الذي يكرس منع أي حزب وحيد دستوريا من خلال تصريحه بما يلي :” هناك أناس سيقولون إن تحريم نظام الحزب الوحيد هو من باب فرق تسد…الامر ليس كذلك ، إذ لو قبلنا في المغرب وجود حزب وحيد لقبلنا بحكم المنطق أن أكون رئيسا وكاتبا عاما للنقابة والحزب والخلايا ، إذ لا مفر من ذلك ولكن ذلك غير معقول ، ولم يسبق أن شاهدنا وجود ملك على رأس حزب أو عضو أو يساعد حزبا معينا ، فالملك يجب أن يكون فوق الأحزاب ” كما يجب أن يحرص الملك أن تبقى الإدارة محايدة بما فيها الإدارة المحيطة بالملك من ديوان ملكي بموظفيه وأعوانه ومستشاريه.وبهذا الصدد أوضح “بأنني لا أواخذ المغاربة على تحزبهم بل أقول أن التحزب مسألة ضرورية لأن الأحزاب السياسية هي بمثابة المدرسة الوطنية . وأنا لو لم أكن أميرا لشاركت في حركة وطنية بكيفية فعلية . ولكن الحركة السياسية شيء كمدرسة للسياسة …والمهنة الإدارية شيء آخر .فالدولة فوق كل اعتبار سياسي أو شخصي أو حزبي” وبالتالي ، فالدولة في نظر العاهل المغربي لا ينبغي أن تقبل أي تسييس أو تحزب لدواليبها ، وكذا أن تخلق أحزابا خاصة بها لأن ذلك سيقوض أي حياة سياسية وسليمة. وفي هذا أكد أن”الدولة إذا كان لها أن تخلق هي حزبا وحيدا وتمنع باقي الأحزاب من الوجود ، فلا داعي لها لخلق برلمان بل في وسع الدولة أن تبقى في حوار مع نفسها وذلك أسهل بالنسبة لها”.
ب-الملك كممثل أسمى للأمة
أكدت مضامين أول دستور للبلاد ، الذي “صنعه الملك الحسن الثاني بيديه ” على أن (السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية ) وان هذه السيادة تتجسد في شخص الملك كأمير المؤمنين من خلال الفصل 19 الذي ينص على أن ( الملك أمير المؤمنين ، ورمز وحدة الأمة ، وضامن دوام الدولة واستمرارها ، وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات ، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.). وقد رسخ دستور فاتح يوليوز 2011 هذا المقتضى السياسي حيث بقي مفهوم السيادة الملكية حاضرا بقوة في البنية السياسية للدستور ، حيث حافظ الفصل 2 بحذافيره على نفس مقتضى أول لنظام الملك الراحل الحسن الثاني الذي يجسد (السيادة في الأمة ) ، في حين يختزل الفصل 42 من الدستور هذه السيادة في شخص الملك الذي يعتبر في نفس الآن ( رئيسا للدولة وممثلها الأسمى ، ورمز وحدة الأمة ).
وهكذا تنص هذه المادة على أن “الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.يمارس الملك هذه المهام، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور).
وبالتالي ، تقتضي هذه المقتضيات أن يبقى الملك فوق كل الأحزاب كملك وكأمير المؤمنين، فهو لا ينتمي إلى أي جهة ولا يتعاطف مع أي حزب. الشيء الذي يفرض أن يكون المستشارون الذين يشتغلون تحت إمرته وسلطته بدون انتماء حزبي أو سياسي . ولعل هذا ما انعكس من خلال أن كل من عبد الهادي بوطالب ، وأحمد بن سودة وأحمد رضى كديرة لم يعينوا كمستشاري للملك الحسن الثاني إلا بعد أن قطعوا كل صلات تنظيمية تجمعهم بالأحزاب التي كانوا ينتمون إليها أو عملوا على تأسيسها . ولعل هذا ما يفسر تقديم عالي الهمة استقالته من رئاسة حزب الأصالة والمعاصرة بعدما عينه الملك محمد السادس مستشارا له .فقد أعلن في نفس اليوم عن هذه الاستقالة بداعي “ضرورة الاستقلالية والتجرد” جراء المنصب الجديد.
لكن تنبغي الإشارة إلى أنه على الرغم من هذه القاعدة السياسية الملكية ، فلا يمكن إنكار أن بعض المستشارين الذين راكموا تجربة سياسية من خلال تمرسهم بالعمل الحزبي وكونهم كانوا من ضمن قيادات هذه الأحزاب التي خبرت تسيير الشأن السياسي وتدبيره، قد ساهم بلاشك في عملهم بقرب الملك واستفادة هذا الأخير في تدبير المنظومة الحزبية والتعرف عن الفاعلين الحزبيين وتوجهاتهم وطبيعة أمزجتهم وشخصياتهم وطرق تعاملهم.



تعليقات الزوار ( 0 )